مع انبثاق خيوط الصباح الباكر، تهيأت القافلة الموحدة لـلانطلاق، وتحركت العجلات الخشبية بـإيقاع منتظم فوق الحجارة المرصوفة لـمدينة التل، مغادرةً أسوارها من البوابة الشرقية. لم تعد القافلة مقتصرة على أبناء الصفصاف والبلوط وصيادي النهر فحسب، بل انضم إليها ركب مدينة التل؛ عربات فاخرة مغطاة بـأقمشة حريرية سميكة، تجرها خيول مطهمة ذات سلالات أصيلة، ويحيط بها حراس يرتدون دروعاً نحاسية لامعة تعكس أشعة الشمس بـبريق متباهٍ.

وعلى الرغم من صفاء الأفق واستقرار الطقس، إلا أن الأجواء داخل الموكب المشترك كانت مشحونة بـتوتر صامت وخفي، توتر كاد يُسمع لـشدة احتقانه.

بدأ الأمر بـالنظرات؛ فقد كان أبناء المدن، بـثيابهم الأنيقة المخصصة لـلمستيقظين وأسلحتهم المصقولة التي لم تخدشها معركة بَعْدُ، ينظرون إلى أبناء القرى بـفوقية ودونية فجة. لم يكن هناك أي محاولة لـإخفاء هذا الازدراء؛ بل كانوا يتبادلون الهمسات والضحكات الساخرة كلما مرت عربة من عربات القرى الخشبية البسيطة التي ظهرت عليها آثار معركة النهر والممر الجبلي. بـالنسبة لـأبناء المدن، هم النخبة الحقيقية الذين حجزوا مقاعدهم في أكاديمية أسياد النار بـفضل ثروات عائلاتهم الطائلة، وبـفضل أنسابهم العريقة التي تمتد لـأجيال من السحرة والمقاتلين، بينما أبناء القرى في نظرهم ليسوا سوى طفيليين قُبلوا في هذا الصرح العظيم بـدافع من "الشفقة" والرحمة الملكية من الأسياد.

سرعان ما سرى هذا التفسير بـين شباب القرى، فـانعكس على وجوههم؛ إذ طأطأ بعضهم الرأس بـشعور بـالعجز، وظنوا فِعْلِيّاً أنهم مدينون بـمستقبلهم لـكرم الأكاديمية. حتى العباقرة مثل جاسر، بـبنيته الضخمة، كان يقبض على قبب سيفه بـغضب مكتوم، ونوار كان يتوارى بـوشاحه لـيتجنب تلك النظرات المهينة.

لكن في زاوية العربة الأخيرة، كان كيان يجلس بـاسترخاء تام، مسنداً ظهره إلى الخشب الخشن، وعيناه الثاقبتان تراقبان هذا المشهد بـسخرية عميقة وبرود قتالي لا يتزعزع.

بـالنسبة لـكيان، كان هذا التفسير الشائع لــ "الشفقة" يثير الضحك بـالفعل؛ فهو يمتلك عقلية صياد مخضرم، ويدرك تمام العلم السنن التي تحكم هذا العالم القاسي. فلا مكان لـلتعاطف، ولا وجود لـلرحمة أو المشاعر النبيلة في حسابات القوى الكبرى والعائلات الحاكمة. عالم المانا لا يعترف إلا بـالمصالح الصرفة والتبادل النفعي الخام.

أخذ كيان يحلل المعطيات بـهدوء بـينما كانت العربة تهتز بـفعل الطريق الوعر: "لماذا تسمح مدينة أسياد النار لـأبناء القرى بـالدخول مجاناً؟ بـدون دفع رسوم باهظة تُعجز قراهم، وبـدون المطالبة بـصكوك النسب أو الولاء؟"

ربط كيان فَوْرِيّاً بـين هذه التسهيلات المجانية بـالمظهر، وبـين المعلومة الخطيرة التي كشفها الزعيم أرمان بـالأمس عن اختفاء طلاب القرى قبل عشر سنوات تَمَاماً في غارات المَدّ الوحشي. الصورة بدأت تتضح في عقله بـشكل مرعب؛ إن أبناء القرى لم يُجلبوا لـيتم صقلهم كـقادة أو أسياد، بل تم حشدهم لـهدف خفي ومظلم. من الواضح أن إدارة الأكاديمية تحتاج إلى "وقود رخيص" لـلمعارك الخطيرة، أو مجرد دروع بشرية تُلقى في الخطوط الأمامية لـحماية أبناء العائلات النبيلة عند هياج الوحوش، وبـالتالي الحفاظ على الدماء الملكية بـتضحية دماء العامة.

بـينما كانت قوافل المدن تواصل مسيرها بـغرور وخيلاء أعمى، كان كيان يشحذ طاقته السحرية في خفاء جسده، ناظراً نحو الأفق البعيد حيث ترتفع أسوار مدينة أسياد النار. لم يعد يشعر بـأي قلق، بل بـإصرار لاهب وعناد صلب؛ فـالمؤامرة قد تكون محكمة، لكنهم لا يعلمون أنهم جلبوا بـين قوافلهم صياداً لن يرضى بـأن يكون ضحية، وأن الجحيم الذي يعدونه لـأبناء القرى، قد يكون هو الساحة التي سـيسحق فيها كيان كبرياء أسياد النار أنفسهم.

واصلت القافلة الموحدة مسيرها بـخطوات حثيثة عبر السهل المكشوف، مارة بـمساحات شاسعة من الأراضي التي كانت تنبض بـالترقب. وكما كان متوقعاً في هذه المناطق البرية، واجه الركب بـالفعل عدداً من هجمات الوحوش المباغتة أثناء السير؛ كائنات ضارية حاولت استغلال طول الموكب لـلانقضاض على الأطراف، لكن النتيجة هذه المرة كانت مختلفة تَمَاماً عن المواجهات السابقة.

فبعد زيادة عدد أعضاء القافلة وانضمام قوة مدينة التل، برز الفارق الشاسع في القوة الدفاعية؛ إذ ازداد عدد الحراس لـيفوق ثلاثة أضعاف ما كان عليه في البداية. فعندما انطلقت قافلة القرى بـالمسيرة أول مرة، كان قوام حمايتها فِعْلِيّاً يقتصر على ثلاثين حارساً فقط، بـالإضافة إلى أن القرى قد خسرت سبعة حراس شجعان في الهجمات الدموية السابقة بـالممر الجبلي وأعماق النهر، مما ترك دفاعاتهم في حالة استنزاف حرج.

لكن مع انضمام مدينة التل، انقلبت الموازين فَوْرِيّاً؛ حيث دعمت المدينة الموكب بـخمسين حارساً إضافيّاً من النخبة المدججة بـالدروع النحاسية والأسلحة المصقولة، لـيرتفع العدد الإجمالي لـلمقاتلين بـشكل مهيب أعاد الانضباط لـخطوط السير، وجعل من هجمات الوحوش العابرة مجرد مناوشات بـلا خسائر تُذكر، تُسحق قبل أن تصل إلى خشب العربات.

ولم تقتصر الزيادة على الحراس والجنود فحسب، بل تجسد التفاوت الطبقي بـوضوح في أعداد الطلاب الجدد؛ فقد ضمت قافلة مدينة التل ما لا يقل عن أربعين طالباً من المستيقظين الشباب. كان هذا الرواق العددي يُمثل رقماً ضخماً وهائلاً بـالنسبة لـأبناء القرى، التي لم يُسمح لـكل واحدة منها بـأكثر من عشرة مقاعد فقط لـلناجحين في اختباراتها الصارمة.

كان أبناء القرى ينظرون إلى هؤلاء الأربعين بـدهشة مشوبة بـالمرارة؛ فـالجميع يعلم أن هؤلاء الطلاب لم يخوضوا معارك طاحنة أو يختبروا جحيم البقاء لـتأمين مقاعدهم، بل كانت أموال عائلاتهم الطائلة وأنسابهم الممتدة هي البطاقة السحرية التي فتحت لهم أبواب أكاديمية أسياد النار بـكل سهولة ويسر.

وسط هذا الحشد الكبير المشبع بـأموال المدن وعناد القرى، كان كيان يسير بـين الجموع بـصمته المعهود؛ يراقب الأرقام، ويقارن مستويات الطاقة بـين هؤلاء الطلاب المدللين، مقتنعاً بـأن الأعداد الضخمة والأنساب الرفيعة لن تحميهم عندما تشتعل المعركة الحقيقية داخل الأسوار، وأن المانا لا تحابي أحداً بـسبب ثروته عندما يلتقي النصل بـالنصل.

2026/06/17 · 2 مشاهدة · 821 كلمة
نادي الروايات - 2026