استمرت رحلة القافلة الموحدة بـكامل عتادها وجيادها لـلأيام الثلاثة التالية بـسلام معقول؛ حيث ساهمت القوة الدفاعية الضخمة لـحراس مدينة التل في بث الهيبة بـقلوب كواسر السهل، مما أتاح لـلمسافرين التقاط أنفاسهم وتضميد ما تبقى من جراح الجسد والروح. غير أن هذا الهدوء النسبي كان يُخرق من الحين لـلآخر بـظهور مخلوقات أسطورية لم يعهدها أبناء القرى قَبْلًا، مخلوقات تنتمي لـطبقات المانا العليا وتتحرك بـين جنبات الأفق المفتوح: حيتان الفضاء أو "الحيتان الطائرة".
كانت حيتان الفضاء مخلوقات عجيبة ومخيفة بـنفس الوقت، شديدة الشبه بـحيتان البحر الضخمة في هيئتها الارتجالية، لكنها كانت تعيش وتسبح في طبقات الجو العليا والفضاء السحري المحيط بـالأرض. تميزت هذه الكائنات بـجلد شديد السواد كـأنه قطعة مُقتطعة من جوف ليل بهيم، وكان هذا الجلد المظلم يضيء بـتوهج سحري مبهر كـأنما رُصعت فيه آلاف النجوم والمجرات المتلألئة، مما يمنحها مظهراً مهيباً يأسر الأنفاس ويرعب القلوب في آن واحد.
لم تكن خطورة هذه الحيتان تكمن في حجمها الأسطوري فقط، والذي كان طول الواحد منها لا يقل عن ثلاثمائة متر كـأنه جبل عائم يشق السحاب، بل تجسدت خطورتها في قدرتها السحرية الفريدة على "طي الفضاء"؛ إذ كانت تمتلك مانا فضائية تمكنها من الانتقال مسافات كبيرة بـانتقال فضائي خاطف، لـتختفي من نقطة وتظهر في أخرى بـلمح البصر، مما يجعل التنبؤ بـمسار هجومها أمراً شبه مستحيل لـلحراس العاديين.
ورغم هذه الهيبة والقوة الفضائية المرعبة، إلا أن وحش الحوت الفضائي لم يكن بـلا ثغرات؛ بل كانت به نقاط ضعف قاتلة درسها الصيادون بـعناية. فقد كان الحوت لـكي يقوم بـعملية طي الفضاء والانتقال من نقطة إلى أخرى، لا يستطيع فعل ذلك بـسرعة متتالية؛ بل كان يضطر بـفعل استهلاك المانا الكثيف وصدمة الانتقال إلى السكون التام في الهواء لـعدة ثوانٍ بـعد كل قفزة فضائية.
وكانت لحظة السكون تلك هي الفرصة الذهبية المناسبة التي ينتظرها الرماة والمستيقظون بـفارغ الصبر؛ حيث يصبح الجبل العائم هدفاً ثابتاً ومكشوفاً لـأي هجوم قوي ومركز يُطلق بـكامل المانا، هجوم خاطف يستهدف نقاط طاقته لـيدمره دفعة واحدة ويُسقطه جثة هامدة قبل أن يستعيد قدرته على التلاشي بـين أبعاد الفضاء مجدداً.
كان كيان يقف على حافة العربة كلما ظهر أحد هذه الكائنات بـالأفق، يراقب بـعينين ثاقبتين تشوهات الفضاء وتموجات النجوم على جلد الحوت، يحلل ميكانيكية طي الأبعاد، مستفيداً من هذه المشاهدات الأسطورية لـتطوير إدراكه الخاص بـتدفق المانا، معتبراً أن كل خطر يواجهونه في هذا السهل ليس إلا درساً قتالياً جديداً يقربه خطوة أخرى من القمة.
وبعد مضي ساعات من المسير المشدود بـين تلال السهل المكشوف ومراقبة أسراب الحيتان الفضائية، انقشعت غيوم الأفق لـتتجسد أمام أعين الجميع المعجزة المعمارية والحربية التي طالما سمعوا عنها في الأساطير: لقد وصلت القافلة أخيراً إلى أسوار مدينة أسياد النار العظمى.
أصيب أبناء القرى، وحتى طلاب مدينة التل، بـذهول تام جمد الكلمات في حلقومهم؛ فـقد كانت جدران المدينة هائلة الارتفاع، مشيدة من أحجار بركانية سوداء صلبة يرتفع سورها لـأكثر من أربعين متراً في كبرياء ناطح السحاب، كـأنه جبل اصطناعي صُنع لـيتحدى الزمن والوحوش.
ولم تكن الأسوار هي خط الدفاع الوحيد؛ بل كانت تحيط بـالمدينة بـأكملها قبة طاقة شفافة، تبدو في الأفق كـأنها مظهر وهمي متموج صنعته بـإتقان وتدبير أيدي سحرة مخضرمين من رتب عليا. كانت هذه القبة السحرية الوهمية تمنع أي محاولة لـلتسلل أو الدخول للمدينة بـعيداً عن المسارات الشرعية؛ فـمن حاول الطيران أو تسلق الأسوار لـعبورها، يصطدم فَوْرِيّاً بـحاجز القبة غير المرئي، لـيرتد كـأنه اصطدم بـجبل صخري صلب يمزق مانا المعتدي.
أما مداخل هذه القلعة الحصينة، فـقد كانت متمثلة في أربعة أبواب ضخمة موزعة بـشكل إستراتيجي على الجهات الأربع. كان عرض كل باب منها يصل إلى أربعين متراً، بـينما يرتفع هيكل البوابة لـستين متراً، معززة بـبوابات فولاذية سحرية ضخمة صُهرت بـدمج المانا البركانية لـتتحمل أعتى الضربات.
لكن الميزة الأكثر رعباً وإعجازاً في هذه المداخل هي نظام التمويه الخاص بها؛ فـقد كانت ألوان الأبواب الفولاذية تتغير بـاستمرار وتتموج كـأنها جلد حرباء نابض بـالحياة. صُممت هذه الأبواب لـتتنكر وتختفي كُلِّيّاً وتصبح كـأنها جزء لا يتجزأ من الجدار البركاني الأسود في حالة غلق البوابة، مما يجعل من المستحيل على أي جيش مهاجم أو وحش كاسر تحديد مكان مدخل المدينة المتخفي، لـتبدو المدينة من الخارج كـكتلة صخرية مصمتة لا ثغرة فيها.
وقف كيان وسط طوابير المنتظرين، يراقب بـعينين حادتين التموج السحري على سطح البوابة المتغيرة، ويستشعر بـحواسه القتالية الضغط المهيب المنبعث من القبة الوهمية. ابتسم بـخفة وضغط على قبضته؛ فـقد أدرك أن خلف هذه الأسوار الأسطورية التي تخفي أبوابها، تبدأ رحلته الحقيقية، وأن الدخول إلى هذا الحصن يعني دحر الأوهام ومواجهة الحقائق بـنفس القوة التي شقت طريق القافلة وسط جحيم الأحراش.