اصطفت القافلة الموحدة في طوابير طويلة أمام البوابة الفولاذية الضخمة التي بدأت ملامحها الحربائية تتضح وتتحول إلى اللون الرمادي لـتعلن فتح مسار الدخول. وعلى الرغم من مشقة الرحلة والدماء التي أُريقت في الطريق، إلا أن أبناء القرى تلقوا صدمتهم الأولى على عتبات المدينة؛ إذ صدرت أوامر صارمة من حراس البوابة بـعزلهم، وطلب من أبناء القرى الانتظار بـعرباتهم في الساحات الخارجية المكشوفة حتى يسمح القادة المسؤولون لهم بـالدخول، دون إبداء أي أسباب.
في المقابل، لم يعانِ أبناء مدينة التل نفس معاناتهم بـالمطلق؛ ولم يضطروا لـلانتظار لـدقيقة واحدة تحت لهيب الشمس. فقد تقدم قادتهم نحو الحراس، وبـمجرد ذكر اسم مدينتهم العريقة واستعراض أنساب عائلاتهم وثرواتهم، كانت تلك الكلمات كافية لـفتح الممرات الفولاذية لهم فَوْرِيّاً. دخل طلاب مدينة التل بـخيولهم القوية والجميلة وعرباتهم الفاخرة في خيلاء، تاركين خلفهم غبار الطريق ونظرات الشماتة الموجهة لـصيادي ومقاتلي القرى النائية.
افترش حراس القرى وأطفالهم الأرض بـوجوم، وانتظرت القافلة عدة ساعات طويلة طحن فيها القلق والمهانة صدور الشباب الذين شعروا بـأنهم مواطنون من الدرجة الثانية قبل أن تطأ أقدامهم أرض الأكاديمية. تضاعف الإحباط بـينهم، وظهرت علامات التراجع على وجوه العباقرة الذين أدركوا أن شجاعتهم في قهر الوحوش لا وزن لها في ميزان الأنساب والنفوذ.
وبينما كان التذمر يملأ الأجواء، ظل كيان جالساً في صمت مطبق، مسنداً ظهره إلى عجلة العربة الخشبية، وعيناه تراقبان بـهدوء حركات الحراس وتدفق طاقة القبة الوهمية؛ لم يكن مظهر المهانة يحرك فيه ساكناً، بل كان يستغل هذا الوقت لـدراسة النمط السحري لـلبوابة وتوفير طاقته لـلمواجهات الحقيقية.
وبعد طول انتظار ونفاد الصبر، تحركت الظلال بـالقرب من المدخل، حيث أقبل أحد خدام الأكاديمية مرتدياً رداءً رسمياً أسود مطرزاً بـلهيب أحمر خافت لـاستقبالهم. وبـإشارة باردة وكبرياء لافتين، أمر الحراس بـفتح ممر ضيق لـإدخال القافلة بـعرباتها المتهالكة، لـتبدأ أقدام أبناء القرى أخيراً في عبور الحصن البركاني، مدفوعين بـتوجس غامض يشي بـأن ما ينتظرهم خلف هذا الجدار أشد ضراوة من كواسر السهل بـكثير.
قام خادم الأكاديمية بـإصدار أمره الحاسم، مبيناً بـلهجة جافة أن إذن الدخول مخصص لـلطلاب المستيقظين فقط، وطلب من الحراس والمرافقين المغادرة فَوْرِيّاً والعودة إلى قراهم بـالعربات؛ إذ تنتهي مهمة حماية القافلة عند عتبات الأسوار.
وقع هذا الأمر كـالصدمة على الجميع، فـتقدم الحراس المخضرمون لـتوديع أبناء قراهم بـأعين ملأها الفخر والدموع المكبوتة. احتضن القادة والآباء مقاتليهم الشباب، وطالبوهم بـالاجتهاد والصبر بـأقصى ما يملكون من قوة، وقالوا لهم بـكلمات مؤثرة: "أنتم ثمرة جهدنا، والأمل الوحيد المتبقي لـقراانا لـإخراجها من قاع الفقر والنسيان. كل قطرة دم بذلناها في هذا الطريق كانت لـأجل أن تقفوا هنا اليوم، فـلا تخذلونا."
وبعد انتهاء الوداع المرير، تحركت عربات الحراس راجعة بـطريقها، بـينما خطا الطلاب أولى خطواتهم داخل أسوار مدينة أسياد النار بـخطى متهيبة.
وبـمجرد دخولهم وتجاوزهم الممر البركاني المظلم، تطلع الجميع بـفضول وشغف حَوْلَهم؛ ولاحظ الطلاب أن المدينة بـالداخل، بـمبانيها وشوارعها، لا تختلف كثيراً في مظهرها العمراني عن مدينة التل؛ إذ كانت الشوارع مرصوفة بـإتقان ومحاطة بـبيوت حجرية متناسقة.
رغم بساطة هذا المشهد بـالنسبة لـسكان المدن، إلا أن جميع طلاب القرى كانوا سعداء ومبهورين بـهذا التطور والرفاهية؛ فـقد اعتادوا طوال حياتهم على العيش في قراهم المتهالكة ذات البيوت الطينية والخشبية الضعيفة، القرى التي كانت معرضة بـشكل دائم لـخطر غارات ومَدّ الوحوش الكاسرة، ولم يكن هناك أي جدار أو حصن يدافع عن عائلاتهم سوى أجسادهم النحيلة وسواعدهم المتعبة بـمواجهة الموت. كان رؤية أسوار صلبة تحميهم شعوراً بـالأمان لم يعرفوه قَبْلًا.
أما كيان، فـقد كان يسير بـينهم بـهدوء، ولم يدع هذا المظهر العمراني يخدع حواسه؛ فـالأسوار التي تحمي من وحوش الخارج، قد تكون هي نفسها الجدران التي تحصرهم داخل الفخ، وبـدلاً من الانشغال بـجمال الشوارع، كان يركز نظراته على الاتجاه الذي يقودهم إليه خادم الأكاديمية، مستعداً لـلخطوة القادمة.