تنقل أعضاء القافلة بـخطى مترقبة داخل شوارع المدينة، يتبعون خادم الأكاديمية بـصمت، حتى وصلوا في النهاية إلى مبنى ضخم للغاية مشيد من الحجارة الرمادية الصلبة بـشكل خشن وعملي، كان تصميمه وهيبته أشبه بـمعسكر حربي صارم لا مكان فيه لـلرفاهية.
وعندما عبروا البوابات الحديدية ودخلوا إلى الساحة الرئيسية لـلمبنى، أصيب الجميع بـالدهشة؛ إذ لاحظ زملاء كيان وجود أعداد هائلة من الأشخاص المتواجدين فِعْلِيّاً داخل أروقة المعسكر وسهوله. ومن هيئة ملابسهم البسيطة والعملية، المصنوعة من الجلود والأقمشة الخشنة، اتضح فَوْرِيّاً أنهم جميعاً من أبناء القرى النائية والبلدات البسيطة أيضاً؛ وكان عددهم التقديري يقارب الألف طالب، وكلهم قدموا واستُقبلوا في نفس الفترة الزمنية بـترتيب متزامن.
استبد الفضول بـأحد أطفال قرية الصخور، فـتقدم بـأدب وسأل خادم الأكاديمية عن هوية هؤلاء الأطفال الآخرين وسر تجمعهم بـهذه الأعداد؛ فأجاب الخادم بـنبرة جافة لا تحمل أي مشاعر: "هؤلاء تم اختيارهم وتجميعهم تماماً مثلكم؛ فهم يمثلون أفضل عشرة مقاتلين ومستيقظين من كل قرية تابعة لـنفوذ أسياد النار."
وقعت هذه الكلمة كـالصاعقة على العباقرة؛ فـالجميع كان يظن أن قريته مميزة، لكنهم أدركوا الآن أنهم مجرد قطرة في بحر من ألف موهبة قروية تم حشدها في هذا المكان المغلق لـهدف لا يزال مجهولاً.
بعد ذلك، قام الخادم بـاصطحاب أعضاء قافلة كيان نحو الأجنحة السكنية الداخلية لـلمعسكر، وتم توزيعهم بـتنظيم صارم على عدد من الغرف المتجاورة؛ حيث كانت كل غرفة ضيقة مخصصة لـخمسة أفراد فقط، وتضم خمسة أسرة خشبية بسيطة وبعض الخزائن لـحفظ الأمتعة.
دخل كيان غرفته بـهدوء، ووضع حقيبته على أحد الأسرة دون اكتراث بـتذمر بقية الرفاق من ضيق المكان؛ فقد كانت حواسه الثاقبة وعقليته التحليلية تعمل بـأقصى طاقتها. نظر من النافذة الضيقة نحو الساحة التي تعج بـألف شاب من أبناء القرى، واستشعر تداخل طاقات المانا بـينهم؛ أدرك كيان أن حشد ألف عبقري من العامة في معسكر يشبه السجن ليس تكريماً بـالمطلق، بل هو تأكيد لـمخاوفه السابقة بـأن هناك تصفية كبرى وقاسية تنتظرهم، وأن الأيام القادمة سـتفرز بـالدماء من سـيكون وقوداً لـلمحرقة ومن سـيفرض وجوده بـالقوة بـين أسياد النار.
وفي نهاية ذلك اليوم الأول، بـينما كان الغسق يلف جدران المعسكر الحجرية، رنَّ جرس برونزي ضخم بـقوة في أرجاء المكان، لـيملأ الرنين المتتابع جنبات الممرات. كان دويُّ الجرس بـمثابة أمر عسكري صارم يعني بـوضوح أنه يتعين على الجميع التوجه فَوْرِيّاً نحو الساحة الرئيسية، وفِعْلِيّاً هرع الألف طالب من غرفهم بـتوجس، وامتصت الساحة الحشود في دقائق معدودة.
وعندما وصل الطلاب وتجمعوا بـانتظام، وجدوا مسؤول المعسكر، وهو رجل حاد الملامح ذو نظرات صارمة يدعى «نيار»، واقفاً في قلب الساحه يحيط به عدد من الحراس الأقوياء المسؤولين عن الأمن والانضباط داخل المعسكر.
وقف نيار بـشموخ، بـينما ساد صمت مطبق بـين الطلاب ترقباً لـكلماته، لـيبدأ بـشكل مباشر في وضع القواعد الأساسية التي سـتحكم حياتهم قادم المعركة؛ وجاءت القواعد كـالتالي:
* **القاعدة الأولى:** يُمنع منعاً بـاتاً خوض أي معارك أو نزاعات شخصية بـين الطلاب داخل أروقة المعسكر، ولا تُقبل المواجهات نهائيّاً إلا في ساحات المعارك المخصصة، وبـشكل رسمي بـعد أخذ الإذن المباشر من المسؤولين.
* **القاعدة الثانية:** تُقدم الوجبات الغذائية لـلجميع في أوقات منتظمة ومحددة فقط خلال اليوم، ومن يتأخر عن موعده لن يحصل على طعامه.
* **القاعدة الثالثة:** يتقاضى كل طالب مصروفاً شهريّاً ثابتاً يبلغ ثلاثين قطعة نحاسية، تُسلم له في أول كل شهر لـتأمين احتياجاته الأساسية.
* **القاعدة الرابعة:** يتعين على كل طالب بـلا استثناء تنفيذ مهمة شهرية واحدة على الأقل بـنجاح، ويُتاح لـلطلاب الراغبين في التطور زيادة عدد المهام بـشكل اختياري في مقابل مكافآت مالية وموارد سحرية إضافية.
كانت هذه هي أهم القواعد المحورية لـلبقاء، بـالإضافة إلى بعض بنود حفظ النظام والنظافة العامة داخل الأجنحة. وفَوْر انتهائه من إلقاء الأوامر بـصوت صارم، لم يمنحهم نيار فرصة لـلنقاش؛ بل أمر الجميع بـالعودة فَوْرِيّاً إلى أماكن النوم والاسترخاء، استعداداً لـيوم الغد الذي سـيمثل أول يوم دراسي واختباري لهم في الأكاديمية.
عاد كيان إلى غرفته بـخطى هادئة، يقلب في عقله تلك القواعد بـذكاء؛ فـنظام المهام الشهرية وتوفير العملات النحاسية يعطيانه الفرصة المثالية لـلتحرك وبناء قوته بـشكل مستقل دون لفت الأنظار، لـيستلقي على سريره بـبرود، مستعداً لـمواجهة ما يخبئه الفجر الجديد.