مع انبثاق خيوط الفجر الأولى، دَوَّى الجرس البرونزي في أرجاء المعسكر بـرنات متتالية حازمة، لـتعلن بـدء يوم جديد ومصيري. استيقظ الطلاب بـسرعة وتوجهوا بـانتظام لـتناول وجبة الإفطار المحددة لهم، وعلامات الحماس والترقب تظهر على وجوههم.
بعد الانتهاء، تولى مسؤول تنظيم الطلاب قيادتهم في طوابير طويلة، متحركين بـخطى ثابتة بـاتجاه مقر أكاديمية أسياد النار، والتي كانت تقبع بـحسب الروايات في عمق المدينة. وأثناء سيرهم ومراقبتهم لـلشوارع، تفاجأ الطلاب بـوجود سور ضخم وجديد يقطع المدينة بـالعرض، كـأنه حصن آخر يفصل عالمين عن بعضهما.
وبـمجرد عبورهم من البوابة الحصينة لـهذا السور الجديد، لفت أنظار الجميع تحول مذهل وصادم؛ إذ تلاشت جدران الطوب الأحمر الرمادية، وحلت محلها أرضيات ومبانٍ غاية في الفخامة والجمال، مصنوعة بـإتقان من الرخام الأبيض القوي البراق الذي يعكس أشعة الشمس بـهيبة تأسر الألباب. كانت الفروق بـين ما رأوه قَبْلًا وما يرونه الآن واضحة تَمَاماً ولا تقبل الشك، كـأنهم انتقلوا إلى مملكة أخرى بـلمح البصر.
لم يستطع أحد الطلاب كبح فضوله، فـتقدم وسأل مسؤول التنظيم بـاستغراب عن سبب وجود سور داخلي يقسم المدينة بـهذا الشكل؛ فـضحك المسؤول بـنبرة ساخرة، ونظر إليهم قائلاً: "يبدو أنكم لا تعرفون شيئاً عن النظام هنا.. المعسكر الذي كنتم تنامون فيه يقع في «المدينة الخارجية»، وهي منطقة مخصصة لـسكن حراس المدينة، وعائلاتهم، والعامة من الشعب. أما الأكاديمية التي تتجهون إليها، فـهي تتواجد في «المدينة الداخلية»؛ وهي البقعة الراقية التي لا يسكنها إلا كبار التجار، والعائلات النبيلة ذات الأنساب العريقة، والسحرة الأقوياء الذين يحركون مصائر هذه الأرض."
وقبل أن يستوعب الطلاب حجم هذا التمييز الطبقي الصارم، أضاف المسؤول قائلاً بـصوت خفيض ملأه التبجيل: "وما يزال هناك سور آخر، أشد منعة وعظمة، يقع في عمق المدينة الداخلية بـالداخل؛ وخلف ذلك السور الأخير تعيش عائلة أسياد النار الحاكمة بـمفردها، وهي منطقة محرمة وممنوعة الدخول على أي كائن بـلا استثناء، إلا بـإذن رسمي مكتوب من أسياد النار أنفسهم."
نزلت هذه الكلمات كـالماء البارد على حماس طلاب القرى؛ فـأدركوا أن الأسوار التي تحميهم ليست لـصد الوحوش فقط، بل هي جدران وضعت بـعناية لـتذكيرهم بـحجمهم ومكانتهم. أما كيان، فقد كان يسير بـخطوات هادئة فوق الرخام الأبيض، وعيناه تلمعان بـبرود حاد وسخرية صامتة؛ فـالأسوار بـالنسبة لـلصياد المخضرم لا تعني سوى شيئاً واحداً: أهدافاً يجب اختراقها، وتحديات سـيسحقها بـعناده وقوته ليثبت لـلجميع أن المانا الحقيقية لا تعترف بـجدران الرخام ولا بـأنساب النبلاء.
وصل الطلاب أخيراً إلى مقر أكاديمية أسياد النار، فـوقفت الجموع مشدوهة أمام هذا الصرح الأسطوري؛ كانت الأكاديمية مرتفعة البنيان بـشكل شاهق، ومبنية على مساحة شاسعة تبلغ آلاف الأمتار المربعة، لـتبدو كـأنها مدينة قائمة بذاتها داخل المدينة الداخلية، بـأبراجها الدائرية الممتدة نحو السماء وجدرانها المرصعة بـبلورات المانا النقية التي كانت مهيبة لـلناظرين وتلقي الرعب والمهابة في قلوب الجدد.
دخل الطلاب الألف إلى باحة الأكاديمية بـتوجيه حازم وصارم من حراس الأكاديمية المدججين بـالسلاح، وتم قيادهم عبر ممرات رخامية عريضة حتى وصلوا إلى القاعة الكبرى، وهي قاعة هائلة المساحة مخصصة لـلمبتدئين والمستيقظين الجدد.
وعند عبورهم بوابات القاعة، تفاجأ شباب القرى بـوجود آلاف من الطلاب الآخرين الجالسين فِعْلِيّاً في المدرجات بـثيابهم الفاخرة وأسلحتهم الثمينة؛ ومن مظهرهم المترف ونظراتهم المستعلية، بدا واضحاً تَمَاماً أنهم من أبناء المدن والعائلات النبيلة الذين سبقوهم بـالدخول بـفضل أموالهم وأنسابهم.
تم توجيه طلاب القرى بـسرعة لـيجلسوا في الأماكن المخصصة لهم، وسط همسات وهمهمات متبادلة ملأت الفراغ الطويل لـلقاعة. وبعد أن استقر الجميع، ساد صمت مفاجئ وعميق بـين الحشود؛ حيث تقدم رجل ذو هيبة مرعبة وشعر أشيب تتطاير منه طاقة حافلة بـالحرارة، كان هو مدير الأكاديمية العظيم «أرسلان»، ومعه وفد رفيع المستوى من المعلمين والموجهين المخضرمين بـالأكاديمية.
وقف المدير أرسلان في منصة الوسط، وألقى نظرة ثاقبة شملت الآلاف بـلمحة واحدة، ثم تكلم بـصوت جهوري تردد صداه في أركان القاعة بـقوة سحرية قائلاً: "أهلاً بكم في معقل اللاهب. لتعلموا جميعاً أنه لا مكان هنا لـلعشوائية؛ فـاليوم، سـيكون هناك اختبار شامل وفَوْري لـتحديد نوع القوة الكامنة والمتواجدة في جسد كل تلميذ منكم، وبناءً عليه سـيتم تصنيفكم وتوزيعكم بـحسب أنواعكم: السحرة، والسيافون، وأصحاب القدرات الشفائية، بـالإضافة إلى أصحاب الأنواع الخاصة والنادرة من السحر."
انتهت كلمات المدير لـتبدأ الهمسات بـالاشتعال بـين صفوف المتأهلين من قرية الصفصاف؛ فـجلس جاسر يشد على مقبض سيفه بـثقة مقاتل، ونوار يستجمع تركيزه لـاستعراض مهارته السحرية. أما كيان، فـقد ظلَّ محتفظاً بـهدوئه القتالي وبـروده المعهود، ناظراً إلى منصة الاختبار بـعينين صقريتين؛ فـهذه هي اللحظة التي سـتُكشف فيها الأوراق، وتبدأ المواجهة الفعلية لإثبات ذاته بـعناد وإصرار وسط هذا الحشد الهائل من النبلاء والعامة على حد سواء