أشار المدير أرسلان بـيده لـتبدأ الخطوات العملية، وطلب من الآلاف من الطلاب التقدم لـلأمام بـنظام. ولـتسهيل وتنفيذ العملية بـسرعة دون تضييع الوقت، جهزت إدارة الأكاديمية عدداً كبيراً من البلورات الكريستالية الضخمة التي وُضعت على منصات مرتفعة لـتسريع عملية الاختبار بـشكل متزامن، وبدأ الطلاب بـالفعل في الاصطفاف في عدة طوابير طويلة وممتدة تعج بـالتوجس والحماس.
كان الاختبار يعتمد على آلية مباشرة؛ إذ كان مطلوباً من كل طالب يقف أمام المنصة أن يضع كلتا يديه على الكريستال الساحر، ثم يقوم بـضخ طاقته السحرية والمانا الخاصة به في جوف البلورة. وبـناءً على طبيعة طاقة الجسد ونوع القوة الكامنة، كانت البلورة تضيء بـالعديد من الألوان المختلفة التي ترمز لـلتصنيفات القتالية والأكاديمية:
* **اللون الأحمر:** كان يشتعل بـقوة لـيعلن عن أصحاب القدرات الخاصة بـالأسلحة المختلفة؛ مثل السيافين، والرماة، ومستخدمي الرماح، وكل من تعتمد قوته على دمج المانا بـالصلابة الجسدية والسلاح.
* **اللون الأزرق السماوي:** كان يتدفق بـنعومة وعمق لـيميز السحرة، أولئك القادرين على التلاعب بـالعناصر الطبيعية وإطلاق التعاويذ بـعقولهم من مسافات بعيدة.
* **اللون الأبيض:** كان يضيء بـثبات لـيشير إلى أصحاب المهن المساندة والإنتاجية؛ مثل صناع الأسلحة السحرية، ومصممي الدروع، ومحللي الخامات البركانية.
* **اللون الأخضر:** كان يشع بـدفء لـيعلن عن النادرين من أصحاب قدرات الشفاء والترميم، الذين يمتلكون مانا حيوية قادرة على علاج الجروح وإعادة بناء الطاقات المستنزفة.
بدأت الطوابير تتحرك، ومع كل نبضة لونية تخرج من البلورات، كانت صيحات الفرح أو خيبات الأمل تتردد في أرجاء القاعة الكبرى بـين أبناء المدن والقرى. وفي وسط طابور قرية الصفصاف، وقف جاسر يراقب الضوء الأحمر بـحماسة، بـينما كان نوار يركز بصره على الطيف الأزرق.
أما كيان، فـقد كان يقف في مؤخرة الصف بـاسترخائه المعتاد وعينيه الصاحيتين، يتأمل بـذكاء ميكانيكية عمل هذه البلورات الكريستالية، ويفكر بـعناد وصمت في طبيعة طاقته الخاصة وكيف سـتتفاعل مع هذا الاختبار، مستعداً لـحظة صعوده لـلمنصة لـيضع حداً لـلتوقعات ويبدأ في رسم مساره بـثبات لا يلين.
ومع مرور الوقت وتتابع الطلاب، أتى دور كيان أخيراً لـيتقدم نحو المنصة ويختبر نوع قوته الكامنة. تقدم بـخطواته الهادئة المعتادة، ووضع كفيه فوق سطح البلورة البارد، ثم بدأ بـضخ طاقته بـهدوء في جوف الكريستال.
انتظر الجميع بـفضول رؤية طيف قوي، إلا أن البلورة لم تشتعل بـاللون الأزرق الساحر، ولم تلمع بـاللون الأحمر القاني الصافي؛ بل أضاءت بـلون أحمر باهت وخافت للغاية. كان هذا اللون يرمز لـفئة مختلفة وقليلة من المستيقظين، لكنها لـلأسف كانت فئة غير مرغوبة ومهمشة في نظر الأكاديمية العظمى؛ فـقد كانت تخص "المقاتلين الجسديين الخالصين"، أولئك الذين تقتصر قدراتهم على تعزيز الجسد بـالمانا بـشكل بدائي، دون امتلاك تقارب حقيقي مع الأسلحة المصقولة أو عناصر الطبيعة.
شعر كيان بـلمحة خاطفة من خيبة الأمل، ليس عجزاً، بل لـأن طموحه كان يرمي لـما هو أبعد من مجرد تعزيز بدني. وفي تلك اللحظة، تعالت الضحكات الساخرة بـين أرجاء القاعة من بقية الطلاب المحظوظين من أبناء المدن، الذين أضاءت بلوراتهم بـفئات عالية ومطلوبة كـالسحر والنصال الفاخرة؛ فـأخذوا يتهامسون بـتهكم على هذا القروي الذي لم يحصل إلا على فئة "الوقود البشري".
وسط هذه السخرية، تقدم أحد المعلمين المتواجدين بـالقرب من المنصة، ونظر إلى كيان بـنبرة تشجيعية قائلاً: "لا تستسلم يا فتى، فليس شرطاً أن يتمسك الإنسان بـفئته الفطرية فقط؛ فـالسياف يستطيع تعلم بعض السحر مع التدريب، وأصحاب سحر الشفاء قادرون على القتال بـأنفسهم إذا صقلوا مهاراتهم."
ولكن قبل أن يستبشر طلاب القرى بـهذه الكلمات، تدخل معلم آخر ذو نظرات باردة ومستعلية، ورد بـواقعية قاسية قائلاً: "بـالطبع تستطيع محاولة استعمال فئة أخرى غير فئتك، لكنك لن تبلغ بها أي قوة كبيرة أو شأن يذكر؛ فـأصحاب الفئات الفطرية الناتجة عن الموهبة الصافية من الصعب جِدّاً منافستهم إذا لم تكن تملك نفس فئتهم، ولنواجه الحقيقة.. المقاتل الجسدي البدائي لا يستطيع بـقدراته العادية أن يهزم أضعف السحرة حتى، وهذا الأمر ينطبق تماماً على باقي الفئات الهجينة."
ترددت كلمات المعلم الأخير كـحكم بالإعدام على طموح الكثيرين، وتعمقت الضحكات في المدرجات. غير أن كيان، ورغم تراجع بريق البلورة، سحب يديه بـبطء، ونظر إلى كفيه بـعينين حادتين وقد استعاد بروده القتالي وثقته الحديدية فَوْرِيّاً؛ فـالجميع يرى في اللون الباهت ضعفاً، أما هو، بـعقليته كـصياد مخضرم، فـيعلم أن الجسد المحصن والصلب هو الأساس الحقيقي لـلبقاء، وأن القواعد والحدود التي يضعها المعلمون لم تُخلق إلا لـيتم كسرها بـالعناد وقوة الإرادة.