استيقظ كيان مع أولى خيوط الفجر الرمادية الباهتة التي تسللت ببطء عبر الشقوق المتعرجة لجدران الكوخ الخشبي العتيق، مرسلة أشعة ضئيلة تكسر عتمة الغرفة الصغيرة. كان جسده النحيل لا يزال يعاني بشدة من آلام السقوط العنيف، والخدوش والكدمات الزرقاء التي أصيب بها في الليلة الماضية أثناء هروبه الأسطوري من مخالب الثعلب الناري، إلا أن عقله كان مستيقظاً تَمَامًا وبشكل كامل، ينبض بحرارة الحماس المتوقد والفضول الذي كاد يخلع قلبه من صدره. تحرك الصبي بحذر شديد وبخطوات هادئة أشبه بخطوات القطط حتى لا يصدر ألواح الخشب أي صرير قد يوقظ والدته ياسمين، التي نامت أخيراً في زاوية الغرفة بعد ليلة طويلة وقاسية من البكاء والنديب والقلق القاتل على مصير ابنها الوحيد.
بمجرد أن خطت قدماه خارج عتبة الكوخ، تذكر سلته الخشبية المتهالكة التي تركها خلفه مجبراً لتكون درعاً مؤقتاً في وجه لهب الثعلب الناري، فخرج مسرعاً وعازماً صوب أطراف الغابة مستغلاً سكون الصباح الباكر وقبل أن يستيقظ بقية سكان القرية. وبفضل عينيه العسليتان الحادتين والواسعتين، ونظراته الفاحصة التي اعتادت تتبع أبسط التفاصيل، نجح هذه المرة في تمشيط الأطراف بأمان ودون عوائق، وجمع كمية جيدة وجديدة من فطر الظل الرمادي وبعض النباتات البرية الصالحة للأكل، وعاد مسرعاً بخطى خفيفة إلى الكوخ، ليدخل والابتسامة تعلو وجهه الأسمر الصغير وهو يضع سلة الطعام الوفير أمام والدته التي استيقظت لتوها، محاولاً بذلك أن يطمئن قلبها المتعب ويثبت لها أن غابة الأمس لم تكن سوى حادث عابر.
بعد تناول وجبتهم البسيطة والشحيحة المكونة من الفطر المسلوق والقليل من الماء الدافئ، لم يعد كيان قادراً على كبح جماح فضوله المشتعل أكثر من ذلك؛ فالكتاب المخفي تحت ثيابه كان يرسل موجات من الدفء والنبضات التي تداعب صدره. تسلل الصبي بخفة نحو الزاوية المظلمة البعيدة للكوخ، وأخرج ذلك الكتاب الغامض والثقيل ذو الغلاف الغريب المصنوع من جلد الوحوش المتين ذي القشور الداكنة، وجلس متربعاً على الأرض الخشبية المتربة، وعيناه العسليتان تلمعان بتلهف عارم لمعرفة ما يخبئه هذا الأثر المنسي من أسرار قد تغير واقعه البائس.
فتح كيان الصفحة الأولى للكتاب بنبضات قلب متسارعة، لكن حماسه انطفأ فجأة وتلاشى البريق في عينيه، وتنهد بحسرة وأسف شديدين؛ فبسبب الفقر المدقع والحرمان الذي عاشه طوال حياته الاثنتي عشرة في هذه القرية المنسية من العالم، لم يحظَ كيان يوماً بفرصة للذهاب إلى مدرسة أو حتى تعلم مبادئ الهجاء البسيطة كأطفال الأغنياء، فكان لا يقرأ ولا يكتب، والرموز والخطوط المكتوبة بحبر غامق أمامه بدت كطلاسم مبهمة ورسومات معقدة لا معنى لها ولا يمكنه فك شيفرتها.
لمحت ياسمين ملامح الحزن والانكسار التي كست وجه ابنها الصغير فجأة، فتركت عملها واقتربت منه بخطوات حانية وجلست بجانبه على الأرض. نظرت إلى الكتاب الذي بين يديه بتعجب واهتمام بالغين، فقد كانت ياسمين من القلائل جِدًّا في هذه القرية الفقيرة الذين يملكون مستوى متوسطاً وجيداً من القراءة والكتابة، بفضل عائلتها القديمة التي عاشت في حواضر المدن قبل العقود العجاف. امتدت يدها الدافئة وأخذت الكتاب بحذر من بين يديه الصغيرتين، وبدأت تتفحص ملمس غلافه المصنوع من جلد وحش قوي نادر بإحساس من الرهبة، ثم فتحت الصفحة الأولى وبدأت تقرأ الجزء الأول بصوت هادئ ومنخفض، سرعان ما تحول إلى نبرة متقطعة من الذهول الشديد والصدمة التي شلت حركتها.
"كيان... هل تعلم حقاً ما المكتوب والمسطر هنا في هذه السطور؟" همست ياسمين بصوت يرتجف، وعيناها تتسعان بغير تصديق وهي تنقل نظراتها بين الصفحات الصفراء العتيقة ووجه ابنها المترقب. "هذا الكتاب لا يتحدث عن التاريخ أو الحكايات... إنه يتحدث عن... طريقة متكاملة لإيقاظ المانا!"
أصغى كيان بكل جوارحه وحواسه، ولم تعد أذناه تلتقطان سوى صوت أنفاس أمه، بينما تابعت ياسمين القراءة بصوت متقطع مرتجف وكأنها تقرأ تعويذة سحرية: "إن جبال المانا البيضاء التي تعيشون بجوارها وفي ظلالها الشاحبة هي الأضعف والأفقر على الإطلاق في أرجاء العالم السبعة، وطاقتها الكامنة شحيحة وضئيلة لدرجة أنها عاجزة تَمَامًا عن إيقاظ المانا داخل الجسد البشري بشكل طبيعي وتلقائي. ولكي يحقق الإنسان الاستيقاظ التقليدي المعروف، يحتاج إما إلى أحجار الإيقاظ السحرية باهظة الثمن، أو تحمل عناء السفر الشاق إلى جبال المانا الصفراء على أقل تقدير..."
توقفت ياسمين للحظة لالتقاط أنفاسها، وتبادلت نظرة ثقيلة ومليئة بالمرارة مع ابنها كيان؛ فكلاهما يعلم يقيناً أن جبال المانا الصفراء—التي تبدأ منها مسارات الطاقة الحقيقية والنقية—مبنية حولها المدن الحصينة، القلاع الضخمة والأسوار الشاهقة، وهي حكر كامل ومطلق للاغنياء، النبلاء وأصحاب النفوذ فقط، ويُمنع دخول الفقراء وسكان القرى المنسية إليها تَمَامًا إلا لأغراض التجارة المحدودة وبموجب تصاريح أمنية صارمة يستحيل عليهم نيلها.
أخذت ياسمين نفساً عميقاً وعادت تقرأ السطور التالية بصوت خفيض أشبه بالهمس الخائف، ساردة كلمات بدت للوهلة الأولى كمعجزة أسطورية أو لعنة مدمرة: "لكن... هذا الكتاب يحمل في طياته السر الأكبر والمحرم... طريقة مبتكرة وخارجة عن القانون لإيقاظ مسارات المانا الراكدة في الجسد بالاعتماد على النفس وتطويع الطاقة الذاتية فقط، ودون الحاجة لامتلاك أحجار إيقاظ نادرة، ودون الاضطرار للتوجه نحو الجبال الأعلى أو الخضوع لسيطرة النبلاء!"
انقبض قلب كيان بخلطة مرعبة من الخوف من المجهول والإثارة العارمة التي سرت كالنار في أوصاله؛ فبين يديه الصغيرتين الآن يقبع مفتاح القوة المطلقة الذي سيكسر قيود فقرهم ويمنحه القدرة على حماية أمه، لكنه في الوقت نفسه سر محرم ومطارد قد يهدد حياتهم ويسحق وجودهم تَمَامًا إذا علم به نبلاء المدن وجبال المانا الصفراء الذين لن يسمحوا لفقير من القاع أن يمتلك طاقة الأسياد.