انتهى اليوم الدراسي الأول المليء بـالصدمات والمعلومات، وبدأ آلاف الطلاب بـالتوجه نحو مساكنهم بـخطى مثقلة بـالتفكير. وفي تلك اللحظة، ظهر الانقسام الطبقي بـأوضح صوره؛ إذ انقسم الطلاب فَوْرِيّاً إلى فريقين بـمسارات منفصلة.

الفريق الأول كان يضم طلاب المدن والعائلات النبيلة الذين توجهوا بـاستعلاء نحو مساكنهم الفاخرة والمجهزة بـوسائل الرفاهية داخل المدينة الداخلية. فهم، على خلاف أهل القرى، لم يأتوا إلى الأكاديمية بـسبب معارك البقاء أو كفاح الاستيقاظ؛ بل كان وجودهم مدفوعاً بـنفوذ عائلاتهم وأموالهم الطائلة. لم يكن هؤلاء النبلاء مجبرين بـأي حال من الأحوال على المشاركة في مهام الصيد الخطيرة بـالخارج، ولم يكن لهم راتب شهري ثابت من الأكاديمية لـأنهم بـبساطة بغنى عنه.

ومع تفرق الحشود، بدأت الحقيقة المرة تتضح لـمن يمتلك عقلاً فذاً؛ فـالحقيقة القاسية وراء استقدام طلاب القرى وتجميع الألف عبقري داخل معسكر المعركة لم تكن تكريماً لـمواهبهم بـالمطلق، بل كانت خطة خبيثة ومدروسة من أسياد النار. كان الهدف الحقيقي هو استعمال أبناء القرى كـدروع بشرية لـلدفاع عن أسوار المدينة، والتضحية بهم مُسْتَقْبَلِيّاً في المهام الانتحارية والأعمال شديدة الخطورة بـمواجهة الوحوش، لـتظل دماء العامة هي الثمن الثمين لحماية رفاهية النبلاء.

وبـهذه السياسة الماكرة، تضمن المدن الكبرى إخماد أي ثورة أو تفوق مُسْتَقْبَلِيّ لـلقرى النائية؛ فـمن خلال استنزاف النخبة والعباقرة من الشباب في قتال الكواسر، تظل القرى ضعيفة، متهالكة، وخاضعة تَمَاماً لـسيطرة ونفوذ أسياد النار بـلا أي أمل في النهوض من القاع.

سار كيان وسط جموع طلاب القرى العائدين إلى معسكرهم الخارجي بـوجوم. كان يستمع لـهمسات التذمر والخوف حَوْلَه، لكن ملامحه لم تبدِ أي مفاجأة؛ فـعقله التحليلي الصاحي كان قد استنتج هذه اللعبة السياسية منذ أن وطأت قدمه عتبات المدينة الداخلية. لم يشعر بـالخوف أو التراجع، بل اشتعل بـداخله عناد وإصرار من نوع آخر؛ فـإذا كانوا يريدون تحويله إلى وقود لـأسوارهم، فـهو سـيستخدم مهامهم وصيدهم لـبناء قوته الخاصة في الخفاء، ولن يهدأ له بال حتى يقلب الطاولة على الأسياد ويجعل من جسده المعزز قوة تزلزل أسوار الطبقات وتجبر الجميع على الخضوع لـقوانينه الخاصة.

توجه كيان وزملائه بـخطى هادئة لـلعودة إلى المعسكر في المدينة الخارجية. وأثناء مسيرهم الطويل، دارت محادثات ودية ولطيفة بـينه وبين اثنين من زملائه الجدد من قرية نائية تدعى «قرية الغيوم». وبعد تبادل أطراف الحديث، تعرفوا على أسماء بعضهم البعض؛ وتبين أنهما شقيقان، الأخ يدعى «رائد» والأخت تدعى «سديم»، وينتميان لـفئة السحرة بـطاقة واعدة. ونظراً لـمعرفتهما بـخطورة البقاء بـمفردهما، طلبا من كيان الانضمام معهما لـتكوين فريق ممتد لـأداء المهمة الشهرية الأولى.

​وافق كيان على عرضهما فَوْرِيّاً دون تردد؛ فـرغم بروده، كان بـحاجة ماسة لـتكوين صداقات قوية وبناء تحالفات موثوقة داخل هذا المحيط الغريب، بـالإضافة إلى رغبته في إنجاز المهام الشهرية بـأقل الخسائر.

​وفي طريق العودة، استأذن كيان وانفصل بـهدوء عن المجموعة، وتوجَّه بـخطى مدروسة نحو متجر لـبيع المكونات والأعشاب السحرية يدعى «متجر أثير المانا»، كان قد سمع عن موقعه سَابِقاً من نقاشات طلاب الخيمياء وصناع الأسلحة. دخل كيان المتجر واستفسر من صاحب المتجر، وهو رجل مسن ذو خبرة واسعة يدعى «الشيخ حيان»، عن بعض الأعشاب والمواد النادرة التي يحتاجها لـإعداد وصفته السرية لـتعزيز الجسد وصقل المانا.

​وهنا، فوجئ كيان بـشدة؛ إذ كانت كل طلباته متوفرة بـكثرة ورخيصة الثمن بـشكل مذهل بـالمقارنة مع الأسعار الجنونية في قريته الصفصاف. وأدرك بـعقله التحليلي أن هذا الرخص يعود لـوجود صيادين أكفاء ومحترفين بـأعداد كبيرة في المدينة، مما يسهل عملية جمع المكونات البركانية بـخطورة أقل بكثير عن القرى المعزولة.

​لم يضيع كيان الفرصة، واشترى من الشيخ حيان طلباته كاملة والتي كلَّفته خمس عشرة قطعة نحاسية، وكانت كمية جيدة وفيرة تكفيه لـأسبوع كامل من التدريب المكثف. ورغم سعادته بـالمكونات، إلا أنه شعر بـالألم والضيق بـداخله؛ فـهو ملتزم بـإرسال خمس عشرة قطعة نحاسية لـوالدته شَهْرِيّاً لـمساعدتها في تأمين حاجيات العائلة من الطعام في القرية.

​ومع إجراء حسابات سريعة لـنفقاته الشهرية، وجد أنه بـحاجة إلى عشر نحاسيات إضافية لـتأمين مصاريفه وطعامه الشخصي، مما يعني أن راتبه الأساسي (ثلاثون نحاسية) لن يكفيه بـالمطلق. استقرت نظرات كيان بـعناد وإصرار؛ وأدرك أن خياره الوحيد لـسد هذا العجز المالي وتوفير فائض لـتطوير نفسه هو استغلال القاعدة الرابعة، وزيادة عدد المهام الشهرية بـشكل مكثف، لـيجني المكافآت المالية من دماء الوحوش ويحمي عائلته بـأي ثمن.

2026/06/20 · 5 مشاهدة · 634 كلمة
نادي الروايات - 2026