في الصباح الباكر، وقبل أن تشرق شمس المدينة الداخلية بـكامل أشعتها وتستيقظ أبراجها، توجه كيان وزملائه الاثنان من قرية الغيوم، رائد وسديم، في صمت وتصميم لـإنهاء المهمة الشهرية المطلوبة منهم. كانت قواعد الأكاديمية واضحة وصارمة؛ فـالمهمة الشهرية الإجبارية هي قتل وحش معادل لـرتبة الطالب الحالية لـضمان تطوره، وعلى كل طالب إثبات جدارته بـقتل وحش واحد شَهْرِيّاً بـنفسه، مع السماح بـتكوين المجموعات والفرق لـتقليل المخاطر وزيادة فرص النجاة في البرية.
وبـناءً على رتبتهم الحالية كـ «مستيقظين» مبتدئين، توجه الثلاثة بـخطى حذرة إلى خارج أسوار المدينة الرهيبة، قاصدين الغابات المحيطة لـصيد وحوش من رتبة «العفاريت»؛ وهي كائنات بدائية خبيثة تُعد هدفاً مناسباً لـلرتبة الأولى.
وبعد مضي بعض الوقت في التوغل عبر الأشجار الكثيفة وتتبع آثار المانا الخافتة، توقف كيان بـهدوء ورفع يده محذراً؛ فـقد وجدوا بالفعل هدفهم. لكن الوضع كان سيئاً ومقلقاً لـلغاية؛ فـبدلاً من إيجاد وحش منفرد، وجدوا أمامهم بـالعرب من أحد المنحدرات الصخرية حشداً هائلاً من العفاريت لا يقل عن اثني عشر عفريت تَمَاماً، كانوا يتجمهرون بـصخب ويحملون هراوات خشبية غليظة وسكاكين صدئة، ويصدرون أصواتاً حادة ومزعجة تملأ المكان تشتتاً ورعباً.
كان وضع الفرقة يميل لـصالح التراجع الفوري بـلا نقاش؛ فـهم كـطلاب جدد كانوا يأملون في تطبيق تكتيكات الأكاديمية بـمهاجمة كل عفريت على حدة وعزله عن البقية، فـهو الحد الآمن والمضمون لـتجنب الخسائر والإصابات الجسيمة. لكن الآن، تأزم الوضع وبـات مستحيلاً تَمَاماً مع رؤية هذا الجيش المصغر من الكواسر.
تراجع رائد خطوة لـلخلف، ونظر إلى كيان بـوجه شاحب وتوتر واضح وقال بـصوت خافت قلق: "يجب علينا إلغاء عملية الصيد اليوم فَوْرِيّاً، هذا انتحار محتم! الهدف متجمع بـأعداد مرعبة، والموت سـيكون مصيرنا إذا لمحونا. لا يوجد أي أهداف منفردة هنا، لـنعد إلى المدينة ونحاول في يوم آخر."
وأيدته أخته سديم فَوْرِيّاً، وهي تقبض على عصاها السحرية بـأصابع مرتعشة، قائلة بـنبرة حذرة: "رائد محق بـالفعل، نحن سحرة مبتدئون ونحتاج مسافة أمان طويلة لـتشكيل التعاويذ، واثنا عشر عفريت سـيجتاحون موقعنا في ثوانٍ بـلا أدنى مقاومة."
لكن لـكيان، بـعقليته كـصياد مخضرم اعتاد على الظروف المستحيلة والمميتة، كان هناك رأي آخر تماماً. لم يظهر على ملامحه أي توتر أو تراجع، بل كانت عيناه الباردتان تمسحان المنطقة المحيطة بـتحليل دقيق وتفكير استراتيجي صاحٍ لـحساب الاحتمالات.
التفت إليهما، وبـنبرة هادئة وحازمة في الوقت نفسه، رفض فكرة الانسحاب قائلاً: "الانسحاب الآن يعني ضياع اليوم والعودة بـأيدي خاوية، والهرب من الصعاب لن يرفع من رتبتنا أبداً أمام أسياد النار. لا تتعجلا.. سـنتجول بـحذر ونبحث عن أهداف أخرى في الجوار، والأهم من ذلك، سـنصرف الوقت في دراسة تفاصيل هذه المنطقة المحيطة بـالمعسكر جيِّداً."
وبينما لمعت عيناه بـبريق تكتيكي وعناد صلب، أضاف كيان: "هذا العدد الضخم من العفاريت يمكن الإيقاع به وتشتيته إذا استخدمنا العقل.. ربما تكون هناك تضاريس خفية، أو ممرات ضيقة كـالمقصلة يمكننا استغلالها مسبقاً، وتجهيز كمين محكم يساعدنا في فصلهم وقتالهم بـشروطنا نحن، لا شروطهم."
تجولت المجموعة في البرية بـحذر شديد، محاولين الابتعاد عن مسارات الخطر. وأثناء تجولهم وتتبعهم لـلأثر، اقتربوا من نهر صغير صافٍ، فوقفوا بـجانبه لـأخذ قسط من الراحة وشربوا بعض الماء لـيستعيدوا طامتعهم، ثم أكملوا تجوالهم بـعدها متوجهين نحو إحدى الغابات الصغيرة المجاورة.
كانت هذه الغابة كثيفة الأشجار بـشكل ملحوظ، ولكن لحسن حظهم كان هناك ممر طبيعي ضيق ومناسب لـلسير وسط الأحراش. ولكن، رغم مسيرهم الطويل وتفتيشهم الدقيق، لم يقابلوا أي هدف مناسب لـلرتبة الأولى بـالمطلق؛ فـالمنطقة كانت قريبة جِدّاً من أسوار المدينة، وعمليات الصيد المكثفة والمنتشرة من قِبل المجموعات الأخرى كانت سبباً رَئِيسِيّاً في تطهير المنطقة بـالكامل من الكواسر البدائية.
توقف كيان في وسط الممر، والتفت إلى زملائه قائلاً بـملامح جادة: "هذه المنطقة أصبحت جرداء تماماً، لا يوجد بها أي وحوش ضعيفة أو عفاريت منفردة بـعد الآن."
ردت سديم وهي تتنهد بـقلة حيلة: "هذا طبيعي، فـالطلاب والحراس منتشرون بـالفعل في هذه النواحي بـشكل يومي، ويقومون بـتطهيرها بـشكل دوري لـتأمين حدود المدينة الخارجية، مما جعل العثور على صيد سهل أمراً شبه مستحيل."
زاد عبوس كيان، وبدا التفكير العميق والتحليل الصاحي على وجهه، ثم قال بـحسم وعناد لا يلين: "لهذا السبب بـالذات.. يجب علينا العودة فَوْرِيّاً ومهاجمة مجموعة الاثني عشر عفريت التي وجدناها سَابِقاً."
تعجب رائد بـشدة من كلامه، واتسعت عيناه بـذهول، وسأله بـاستنكار عن السبب وراء هذا الفعل المتهور والانتحاري: "كيف تفكر يا كيان؟ قَبْل قليل قلنا إنه انتحار، والآن تريد العودة لهم بـأقدامنا؟ ما الذي تغير؟"
أخبره كيان بـبروده المعتاد ونظراته الصقرية: "تغير أن الخيارات انعدمت أمامنا؛ فـبما أن معظم الوحوش الضعيفة والمنفردة قد قُتلت وتم تطهيرها من هذه المنطقة الآمنة، فـإن الاستمرار في البحث عن هدف سهل سـيجبرنا بـالتأكيد على التوغل والتعمق أكثر داخل البرية المجهولة، والدخول إلى مناطق 'سادة الوحوش' أو 'الشياطين' وهو الانتحار الحقيقي بـعينه لـرتبتنا الحالية. أما مجموعة العفاريت تلك، فرغم كبر عدد المجموعه وصعوبة النزال، فـهي أهون وأضمن الخيارات المتاحة أمامنا إذا أحسنّا استخدام التضاريس لـصالحنا."
قرر كيان وزملائه بـالفعل المخاطرة بـالهجوم بـعد أن اقتنعوا بـرؤيته التكتيكية، وتحركوا بـسرعة وخفة لـإعداد الميدان؛ حيث جهزوا عدداً من الفخاخ البدائية والقاتلة بـاستخدام موارد الطبيعة المتاحة في ممر الغابة الضيق والنهر.
ترك كيان زملائه في مواقعهم الخلفية المحددة، وقرر أن يكون هو «الطعم» الذي سـيستدرج القطيع؛ فـهو يتمتع بـبنية جسدية معززة وأقوى بـكثير من السحرة الذين لا يحتملون المواجهة المباشرة. تقدم كيان بـخطى شبحية من خلف صخرة ضخمة مطلة على تجمعهم، وأعد قوسه بـثبات، ثم سدد سهمه بـتركيز نحو أقوى عفريت بـينهم.
كان العفريت العادي بحجم طفل في العاشرة من عمره، ولكن هجماتهم كانت مزعجة جِدّاً لـغاية، وهم معروفون بـاندفاعهم الأعمى لـلقتال وسرعتهم الفائقة في شن الهجمات بـأعدادهم. لكن العفريت الذي استهدفه كيان كان أكبر منهم حجماً بـوضوح ويحمل مانا أكثر كثافة، مما يدل على أنه قائد هذه المجموعة. أطلق كيان سهمه المنقوع بـالمانا؛ لم يقتل الهجوم العفريت الكبير بـسبب جلده السميك، ولكنه تسبب له بـإصابة شديدة وبـالغة وشبه قاتلة في صدره.
ارتفعت صيحات الغضب والجنون من الاثني عشر عفريتاً، وفَوْرِيّاً دار كيان على عقبيه وهرب بـأقصى سرعته نحو ممر الغابة الكثيفة، وخلفه كان طوفان العفاريت يركض بـهياج أعمى. وأثناء المطاردة الشرسة، ألقى بعض العفاريت رماحهم الخشبية الصدئة نحو ظهره، ولكن لـضيق الممر وتزاحم الأشجار، أخطأ الهجوم هدفه بـأعجوبة واستقر في الجذوع.
واثناء ملاحقتهم المستميتة لـكيان وسط الممر الضيق، تعثر العفريت الطليعي ووقع فجأة في حفرة مخفية بـإتقان تحت أوراق الشجر، كانت تحتوي في قاعها على عدد من الأغصان المدببة كـالرماح، لـتخترق جسده وتنهي حياته فَوْرِيّاً.
بعد مسافة قصيرة، بدأ الممر ينحدر بـشدة نحو الأسفل؛ هنا أبطأ كيان من معدل جريه ونزل بـحذر شديد وتوازن مدروس، لـكن العفاريت المندفعة بـجنون وغير المنتبهة لـلتفاصيل واصلت الركض بـسرعة فائقة لـلإمساك بـكيان قبل أن يفلت. وكان سبب إبطاء كيان لـسرعته هو علمه بـالفخ الثاني؛ إذ كانت نهاية المنحدر الصخري تحتوي على شبكة من الرماح الخشبية المدببة والمثبتة بـقوة في الأرض، وبـسبب قوة اندفاعهم الرهيب وعدم قدرتهم على التوقف، اصطدموا بها وقُتل ثلاثة عفاريت آخرين في ثوانٍ معدودة.
واصل كيان الركض حتى وصل بـعد فترة وجيزة إلى ضفة النهر الصغير، وكان رائد وسديم ينتظران بـفارغ الصبر على الضفة الأخرى والتوتر يأكل ملامحهما. اندفع كيان وسط مياه النهر بـقوة لـيعبر نحو الضفة المقابلة، ولكن العفاريت المتبقية كانت قد اقتربت منه جِدّاً بـفعل سرعتها الفطرية، إلا أنهم داسوا فَوْرِيّاً على الفخ الثالث؛ فقد كان قاع النهر ملغماً بـالعديد من الخناجر الحجرية الحادة والمثبتة بـين الحصى بـطريقة مقلوبة، مما تسبب بـإصابات قوية وممزقة لـأقدام العفاريت وأبطأ حركتهم بـشكل جلي وسط المياه الحمراء.
واثناء ذلك التباطؤ، بدأ الشقيقان هجومهما السحري المنسق بـأمر من رائد؛ كانت سديم تستعمل بـبراعة هجوم «خناجر الحجر الطائرة»، لـتقذف شظايا الصخور المستدقة بـسحرها ضد العفاريت المستقرة في الماء. ويدعمها شقيقها رائد الذي كان متخصصاً بـالهجمات النباتية وحسابات المانا الخضراء، حيث كان يطلق «خناجر خشبية» حادة وسريعة ضد المد الهجومي لـلكواسر.
ورغم هذا الدعم السحري الكثيف، كان كيان ما زال يعبر النهر في نصفه الأخير بـصعوبة بـسبب مقاومة الماء وجسده المنهك؛ وفي لحظة خاطفة من الغفلة، تمكن أحد العفاريت الناجين من تخطي الفخاخ والوصول إليه بـلمح البصر، ورفع هراوته الخشبية الثقيلة بـكل قوته وهوى بها بـعنف نحو ظهر كيان المكشوف من الخلف!