بـالرغم من الآمال الكبيرة والعناد الذي يملأ قلبه، كانت فكرة إضافة جوهر الوحش إلى التركيبة السائلة فاشلة بـكل المقاييس؛ فـبعد تحطم الجوهرة وتفتيتها تحت ضربات الهاون الحجري، صدم كيان بـتلاشي وهجها الأزرق، وفقدت الجوهرة كل قوتها السحرية ونقائها تَقْرِيبّاً، وتحولت إلى مجرد مسحوق بلوري باهت بـلا مانا فاعلة.
تراجع كيان لـلخلف، ونظر إلى الرماد البلوري بـملامح جامدة، وأطلق زفيراً طويلاً تنضح منه خيبة أمل مريرة، وقال في نفسه بـمرارة: "تباً.. المانا الوحشية لا تستقر في كِيان مفتت، الجوهرة تحتاج وعاءً صَلْبّاً لـيحمي طاقتها، والطحن دمر القنوات السحرية بـداخلها بـالكامل."
لكن خيبة الأمل لم تدم طويلاً في قاموس الصياد المخضرم؛ فـالعناد الحديدي الذي يملكه دفعه فَوْرِيّاً لـلبحث عن بديل لـتعويض هذه الخسارة. التفت نحو سيفه العادي، وقرر التوجه نحو التدريبات الجسدية الشاقة لـبناء أساس بدني لا يسحق؛ فـإذا كانت المانا والأسلحة السحرية ترفضه الآن، فـإن عضلاته وعظامه لن تخذله أبداً.
في الصباح التالي، انضم كيان لـتدريبات جسدية شاقة وعنيفة كانت تجريها الأكاديمية في الساحات المفتوحة بـالمدينة الخارجية، وهي تدريبات عامة وقاسية لم تكن مقتصرة على طلاب الأكاديمية فقط، بل كانت تشمل الحراس النظاميين والراغبين من الطلاب الأشداء الذين يبحثون عن تجاوز حدودهم البشرية.
وقف المدرب الضخم ذو الندوب في وسط الساحة، وصاح بـصوت زلزل الأرجاء: "مَن يظن أن السحر والمانا سـيحميانه إذا تحطم سلاحه فـهو أحمق! الجسد هو الحصن الأول والأخير!"
بدأ كيان بـمشاركتهم بـالتدريبات بـكل جوارحه ودون أي تهاون؛ وكانت فِعْلِيّاً تدريبات شاقة تكسر العظام وتنهك الأنفاس. بدأت بـالجري لـمسافة عشرة كيلومترات كاملة تحت أشعة الشمس الحارقة وبـالمعدات الكاملة، يليه فَوْرِيّاً القيام بـألف تلويح بـالسيف الحديدي الثقيل لـتثبيت حركات الهجوم والدفاع في الذاكرة العضلية.
ولم ينتهِ الجحيم عند هذا الحد، بل أُجبروا على أداء ألف تمرين ضغط متواصل لـتقوية عضلات الصدر والذراعين، ثم الختام بـاللكم بـالأيدي العارية لـعدة ساعات متواصلة على جذوع الأخشاب الصلبة حتى تنزف القبضات وتتصلب الأنسجة.
ورغم أن الكثير من الحراس والطلاب تساقطوا واحداً تلو الآخر بـسبب الإعياء الشديد، كان كيان يضغط على أسنانه بـقوة، وعيناه الباردتان تلمعان بـإصرار مرعب وسط الدماء والعرق؛ فـكل لكمة كان يوجهها لـلجذع الخشبي كانت بـمثابة إعلان تحدٍ جديد لـلقواعد، وصقل لـبدنه المنهك لـيصبح بـالفعل أقوى وأصلب من أي سلاح معزز بـالمدينة.
أنهى كيان تدريبات اليوم الأول القاتلة بـنجاح، وكان ظلام الليل قد حل بـالكامل على معسكر الألف طالب. تحرك بـخطى ثقيلة ووئيدة نحو مبنى السكن، وبسبب تلك التدريبات الشاقة والتشنج العضلي الرهيب، كان بـالكاد يستطيع التحرك أو رفع ذراعيه؛ فـكل إنش في جسده المنهك كان يصرخ بـالألم.
بـمجرد عودته لـغرفته، لم يملك القدرة حتى على خلع عتاده بـالكامل أو إشعال الموقد؛ فـهو بـالكاد استطاع دخول غرفته والوصول إلى فراشه، لـيسقط عليه وينام مباشرة في غيبوبة من الإرهاق الشديد.
بعد عدة ساعات من النوم العميق الذي رمم خلاياه المتعبة بـفعل المانا التدفقية بـداخله، استيقظ كيان بـنشاط مستجد وكان صباح يوم جديد قد أشرق بـأنواره. نهض فَوْرِيّاً، وغسل وجهه بـالماء البارد، ثم توجه إلى الأكاديمية بـعقل صافٍ؛ فـالمعركة الحقيقية الآن لم تعد معركة عضلات فقط. فـهو كان بـحاجة ماسة لـلمعرفة والعمق العلمي لـحل معضلة الجواهر الفاشلة، وقرر بـناءً على ذلك الاشتراك في صفوف «علم الخيمياء» لـلمعرفة والدراسة العميقة لـأساسيات الأمور.
دخل كيان قاعة الخيمياء الهادئة، والتي كانت تعبق بـروائح الأعشاب والمحاليل الغريبة، وجلس في المقاعد الخلفية يرقب المنصة بـهدوئه المعتاد وعقله التحليلي الصاحي.
تقدم الخيميائي المسؤول، وهو رجل مسن يرتدي رداءً رمادِيّاً طوِيلاً يُدعى «البروفيسور ميرون»، ووقف أمام سبورة حجرية ضخمة، ثم التفت إلى الطلاب قائلاً بـنبرة حازمة: "الخيمياء ليست مجرد خلط سوائل يا طلاب؛ الخيمياء هي علم فهم الروابط بـين المادة والمانا. مَن لا يفهم أساسيات التوافق وكيفية الحفاظ على كِيان الطاقة داخل العناصر، سـيفجر مختبره حَتْمِيّاً ولن يصنع سوى الرماد."
لمعت عينا كيان بـبريق حاد، وضبط جلسته بـتركيز وعناد شديد؛ فـهنا بـين هذه الجدران، ووسط كتب الوصفات وجزيئات المادة، سـيعثر بـالتأكيد على السر الخفي لـدمج جوهر الوحوش بـتركيبته السائلة دون تدمير قنواتها السحرية.