استمر كيان بـعناد حديدي لا يلين طوال الثلاثة أشهر التالية في اتباع روتين قاتل وصارم؛ فـكان يوزع وقته بـدقة بـين حضور تدريبات الحرس الشاقة في المدينة الخارجية والتي كانت تزداد صعوبة وقسوة مع تقدم مستواه البدني، وبـين الالتزام بـحضور دروس الأكاديمية الصباحية ودروس الخيمياء بـرفقة «البروفيسور ميرون»، بـالإضافة إلى الخروج الحذر لـلصيد في عطلة نهاية الأسبوع بـرفقة زميليه رائد وسديم.
وفي خلال فترة الثلاثة أشهر هذه، آتت تلك المعاناة اليومية ثمارها؛ فقد قفزت طاقته السحرية بـقوة، وتقدم رسمياً إلى «رتبة صياد - المستوى المنخفض».
بـهذا الإنجاز العظيم، أصبح كيان أخيراً على قدم المساواة في الرتبة والمستويات مع زملائه المتفوقين من أبناء المدن الكبرى بـالأكاديمية. لكن، رغم تساوى رتب المانا، كان طلاب المدن ما زالوا يتفوقون عليه بـوضوح بـفضل أسلحتهم المعززة بـجواهر المانا؛ فـهو بـسبب عدم توفر التمويل وفشل تجاربه السابقة، كان الطالب الوحيد في الفئة بأكملها غير القادر على تعزيز أسلحته والقتال بـسيف عادي.
كان هذا العيب بـالمنطق السائد عيباً قاتلاً يضعه في مؤخرة السباق نَظَرِيّاً، لكن لـكيان، كان عيبه هذا هو السبب الرَئِيسِيّ وراء قوته المرعبة؛ فـبسبب حرمان الجسد من طاقة السلاح، اضطر لـلاعتماد بـشكل كامل على كفاءته الذاتية، فـازدادت قوة جسده وصلابة عضلاته من تدريبات الحرس المكثفة بـشكل غير طبيعي وخارج عن المألوف.
وقف كيان ذات مساء بـ الساحة الخلفية، ومسك سيفه الحديدي العاري بـقوة؛ كانت جروحه قد التأمت تماماً، وحلت محلها بنية عضلية صلبة كـالصخر. أطلق ضربة سريعة في الهواء فـأحدثت صوتاً حاداً يشبه تمزيق الرياح بـفعل القوة البدنية الخالصة دون قطرة مانا واحدة.
نظر إلى السيف وتمتم بـنبرة هادئة وعيناه تلمعان بـعناد صامد: "يظنون أن قوة المحارب تنبع من لمعان جوهرته بـنصل السيف.. لـندعهم في غفلتهم؛ فـحين تلتصق الأجساد في قتال الموت، سـيعلمون من هو السلاح الحقيقي في هذا الوادي."
حل الظلام بـالفعل على معسكر الألف طالب، وتوجه كيان بـخطى هادئة إلى غرفته وهو يشعر بـجهد التدريبات الجسدية في عضلاته. خلع عتاده الحديدي وتجهز لـلنوم لـيستعيد طاقته بـعد يوم طويل، ولكن قَبْل أن يخلد لـلنوم بـثوانٍ معدودة، شق سكون الليل صوت مرعب وزئير نحاسي مدوٍّ؛ لقد دق جرس الإنذار الخارجي بـالمدينة!
كان الصوت متسارعاً ومفزعاً، فـهذا الجرس تحديداً كان مخصصاً لـحالات الطوارئ القصوى والاستعداد لـصد هجوم خارجي وشيك يهدد الأسوار. فَوْرِيّاً، انقلب المعسكر إلى ساحة من الاستنفار؛ حيث اندفع الطلاب بـأسلحتهم المعززة والحراس بـدروعهم الكاملة نحو الأسوار الحصينة لـرؤية سبب دق جرس الإنذار وتحديد طبيعة التهديد.
صعد كيان السور بـسرعة وخفة، وانضم إلى رائد وسديم اللذين كانا يقفان والوجوم يكسو وجهيهما. وهناك، تحت ضوء المشاعل السحرية الكاشفة، امتد أمام ناظريهم مشهد يحبس الأنفاس؛ كان هناك مد وحوش جارف ومظلم قادم من عمق البرية، مكون بـالكامل من «ضفادع الأنياب» المتوحشة.
كانت هذه الضفادع غريبة الشكل ومخيفة لـغاية؛ فـهي لم تكن كـالبرمائيات العادية بـالمطلق، بل كانت تتمتع بـأنياب بارزة وطويلة كـالخناجر، ومخالب حادة وممزقة في أطرافها وكانها مستذئب هائج ممتلئ البطن وضخم الجثة.
أمسك رائد بـقبضة عصاه بـرعب وقال بـنبرة هابطة: "تباً.. إنها ضفادع الأنياب! أعدادهم بـالمئات!"
وقَبْل أن تجيبه سديم، بدأت الوحوش بـالهجوم؛ كانت هذه الكواسر قادرة بـفضل عضلات أرجلها الخلفية الرهيبة على القفز لـعشرات الأمتار في الهواء بـاندفاعة واحدة، ولـأنها كانت ثقيلة الوزن وضخمة الكتلة، فـكان سقوط الواحد منها على الأرض بـالقرب من الأسوار أشبه بـالزلزال المدمر الذي يزلزل القلوب والأقدام.
تطايرت الأتربة واهتزت الصخور تحت وطأة قفزاتهم الثقيلة، والتفت كيان إلى الشقيقين وهو يسحب قوسه بـثبات وعناد، وعقله التحليلي الصاحي يحسب مسافات القفز وزوايا السقوط بـسرعة فائقة، صائحاً بـوسط ضجيج الطبول: "استعدا! لا تدعا أي ضفدع يستقر فوق السور، سقوطهم هنا سـيحطم دفاعاتنا فَوْرِيّاً!"