اعتلى قادة الحرس شرفات الأسوار، وبـأصوات مدوية عززتها مانا الصراخ، صدرت الأوامر الحاسمة التي لا رجعة فيها: "اخرجوا إلى الميدان! حاربوا الوحوش واكسروا زخمهم قَبْل وصولهم لـلأسوار! الأسوار والقبة السحرية قدرتهما في التحمل محدودة أمام هذا المد الكاسح من الوحوش!"
فتحت البوابات الحديدية الضخمة لـلمدينة الخارجية بـصرير مرعب، واندفع المحاربون من الحرس النظاميين والطلاب الأشداء من أبناء القرى في معسكر الألف طالب لـيشكلوا جداراً بشرياً في خط المواجهة الأول أمام المد الظلامي المتقدم. وفي الوقت نفسه، صعد السحرة ورماة الأسهم فوق قمة الأسوار لـتأمين الدعم الناري من الأعلى، ومن بـينهم رائد وسديم بـعصيهم السحرية.
ولم تمضِ ثوانٍ حتى اندفعت الموجة الأولى من ضفادع الأنياب بـجنون أعمى، واشتبك الطرفان في قتال مستميت غلبت عليه صيحات الموت وهياج الوحوش.
كانت ساحة المعركة جحيماً حَقِيقِيّاً؛ فـالوزن الهائل لـلضفادع جعل من كل قفزة قذيفة مدمرة. وفي اللحظات الأولى لـلاشتباك، قفز ضفدع أنياب ضخم، بـطنُه ممتلئ بـالمانا الصفراء، وهبط بـثقله المرعب مباشرة فوق أحد طلاب معسكر الألف من أبناء القرى؛ وبـسبب قوة السقوط الزلزالية، سُحق جسده فَوْرِيّاً، وتحطمت عظام صدره تحت الكتلة اللحمية لـلوحش قَبْل أن يملك حتى فرصة لـلتراجع نحو الدفاعات.
وعلى مَقرُبة منه، كان أحد الحراس المخضرمين من حماة المدينة الخارجية يلوح بـسيفه الحديدي بـشجاعة، لكن ضفدعاً باهت اللون باغته بـاندفاعة خاطفة ومزق عنقه بـأنيابه الطويلة كـالخناجر، لـينهار الحارس في الطين والدم يتدفق بـغزارة من وريده المنقطع وسط بركة من الوحل.
وسط هذا التناثر المرعب لـلأشلاء وسقوط المقاتلين بـطرق مأساوية، برز كيان كـالصخرة الصامدة بـين الأمواج. لم يكن يملك سلاحاً معززاً يضيء بـالمانا، لكن جسده الذي صقلته أشهر من عذاب تدريبات الحرس أثبت تفوقه الخالص. بـعقله التحليلي الصاحي، لمح ضفدعاً يندفع نحوه بـمخالبه الحادة؛ وبـحركة خاطفة تَمَاماً، تفادى كيان الضربة بـميلان جسده بـضع إنشات، مستغلاً قصر قامة الوحش، ثم هوى بـسيفه الحديدي العادي بـكل قوته البدنية الرهيبة المستمدة من المستوى المرتفع.
اخترق النصل العاري رقبة الوحش بـدقة قاتلة بـفعل القوة العضلية الخالصة، لـيسقط الضفدع صريعاً وتتدفق دماؤه اللزجة غامرة الأرض.
ومن فوق الأسوار، شقت خناجر سديم الصخرية الطائرة الهواء لـتخترق عيون الوحوش المندفعة، بـينما كانت جذور رائد النباتية تنبت من الأرض الصخرية بـصعوبة لـتكبل حركة أرجل الضفادع الخلفية وتمنعها من القفز وتغيير المواقع. ومع ذلك، كان الموقف يزداد حرجاً بـفعل الأعداد التي لا تنتهي؛ حيث كان يسقط محارب بـطريقة مأساوية مع كل وحش يتم قتله، وتحولت الساحة المحيطة بـأسوار المدينة الخارجية إلى ملحمة دموية تميز بـين الجسد الفاني والصلابة الحقيقية.
استمر القتال الميداني العنيف لـنصف ساعة متواصلة دون دقيقة واحدة من الراحة، ولكن تلك النصف ساعة كانت كـالعمر بـالنسبة لـلمدافعين؛ فـالحامية والحراس وأبناء القرى كانوا يواجهون إبادة حقيقية ومجزرة جماعية من قِبل الوحوش التي لا يبدو لـسيلها نهاية، وبدأت الخطوط الأمامية تتآكل بـشكل مرعب.
وفي اللحظة التي شارف فيها جدار الصد على الانهيار الكامل، فتحت البوابات الداخلية لـلمدينة، وانضم عدد من المقاتلين والسحرة النخبة من «الرتبة الثالثة» إلى الحامية المنهكة؛ حيث أطلقت نخب الرتبة الثالثة مانا مرعبة أضاءت ليل المدينة الخارجية، وانهمرت تعاويذهم وضغوطهم القتالية لـتحصد مئات الضفادع في ثوانٍ. وبـفضل هذا الدعم القوي، بدأ الوضع يستقر بـعض الشيء، وتراجع زخم الهجوم البري.
استمر المد والجزر لـعدة ساعات طويلة والكل يقاتل بـأقصى ما يملك من رمق، لكن في منتصف ذلك القتال الضاري، خانت الظروف تكتيك كيان الصارم؛ فـأثناء اشتباكه مع ضفدعين في آن واحد، باغته ضفدع ثالث ضخم قفز من زاوية ميتة وهبط بـمخالبه الحادة مباشرة الصدر.
ورغم أن جسده الصلب الذي بناه في تدريبات الحرس امتص الجزء الأكبر من ضربة السحق، إلا أن مخالب الوحش الخنجرية شقت صدره بـعمق، ليصاب كيان إصابة بالغة ونزيف حاد أسقطه أرضاً وسط ساحة المعركة وهو يمسك سيفه بـعناد متهالك.
لمح رائد وسديم المشهد من فوق السور، وصرخت سديم بـرعب وهي تشير نحو موقعه. ولـحسن الحظ، اندفعت فَوْرِيّاً إحدى فرق المعالجين التابعة لـسلاح الإسناد تحت غطاء سحري كثيف، وقامت بـسحب كيان بـأعجوبة من ساحة المعركة وهو غائب عن الوعي تَمَاماً، لـينقلوه فَوْرِيّاً نحو الخيام الطبية الخلفية بـينما كانت طبول الحرب ما تزال تقرع في الخارج بـلا هوادة.
استيقظ كيان بعد عدة ساعات من الغيبوبة، لـيجد نفسه مستلقياً على فراش خشبي بسيط داخل إحدى خيام المعسكر الطبية الكبرى. كانت رائحة دماء الوحوش الممتزجة بـالمحاليل العلاجية تعبق بـالأجواء، وبـفضل رعاية فرق المعالجين السريعة الذين استخدموا سحر الشفاء والأعشاب الخيمياء المتاحة، تم رتق شق صدره وعلاج إصابات الجميع بـالفعل، وتوقفت آلامه الحادة لـتحل محلها تشنجات عضلية ثقيلة.
عند استيقاظه، تحامل كيان على جسده المنهك وخرج من الخيمة بـخطى بطيئة، لـيلاحظ أن المعركة الملحمية كانت قد انتهت بـالفعل بـانتصار مر المذاق، وحل هدوء كئيب على المدينة الخارجية.
ولكن، مما رآه من أجساد ممددة تحت الأغطية البيضاء في الساحة، كانت الحصيلة مفجعة؛ لقد كانت حصيلة القتلى عالية جِدّاً ومخيفة من الحراس وطلاب معسكر الألف طالب. فالطلاب وحدهم من أبناء القرى تكبدوا سبعين وفاة كاملة في ليلة واحدة، بـينما كان قتلى الحراس النظاميين أضعاف ذلك الرقم بكثير.
وقف كيان وسط الساحة، وعيناه الباردتان تتأملان هذه الكارثة، وارتسمت على وجهه ملامح قاسية وعناد حديدي مشوب بـالغضب الصامت؛ لقد أدرك كيان في تلك اللحظة الحقيقة المرة الملتوية بـهذا العالم الحاكم: إنهم لم يكونوا سوى وقود لـحماية الأسوار، ومن السهل جِدّاً التضحية بـأرواحهم وأجسادهم لـحماية عروش النبلاء.
رغم معرفته بـهذه الطبقية المقيتة منذ أول يوم وطئت فيه قدماه الأكاديمية، إلا أنه لم يتوقع أبداً أن تتم معاملتهم بـهذا الإهمال الصارخ والعلني؛ فـقوات حماية المدينة والفرسان من الرتب الثالثة قد تأخرت فترة كبيرة جِدّاً لـمدة نصف ساعة كاملة، وهي مدة مرعبة وكافية لـإبادة جيوش بـالكامل بـالنسبة لـهجوم غاشم كان يهدد حياة المدافعين عياناً بـيان الموت.
والأدهى من ذلك، أن طلاب المدن وعائلاتهم النبيلة لم يكن لهم أي حضور أو أثر في المعركة، برغم أنهم يمثلون ثلثي طلاب مدينة النار بـأكملها ويملكون العتاد والأسلحة المعززة؛ لقد تم إبقاؤهم في السكن الداخلي الآمن بـينما تُرِك أبناء القرى لـيكونوا الدروع البشرية الأولى في وجه الموت.