تحامل كيان على جراحه النازفة بـعنادٍ لا يكسره الألم، ونهض من على سريره الطبي الخشبي بـخطى واهنة لكنها صلبة الإرادة. خرج إلى ساحة المدينة الخارجية، لـيستقبله ليلٌ ثقيل تعبق فيه رائحة الموت والرماد؛ كانت الجثث منتشرة في كل مكان، مغطاة بـأسمال بيضاء ملوثة بـالدماء الزكية.
وقف كيان والوجوم يكسو ملامحه الباردة وهو يتأمل الوجوه الرمادية الممددة؛ العديد من الحراس النظاميين الذين شاركوه قبل أيام تفاصيل الحياة اليومية، وتقاسموا معه الأفراح والأحزان في أزقة المدينة، وخاضوا بـرفقته التدريبات الصارمة القاتلة على جذوع الأخشاب، أصبحوا الآن مجرد جثث هامدة بـلا حراك. وبـجانبهم، سقط زملاؤه من أبناء القرى الفقراء في معسكر الألف طالب، أولئك الذين تقدموا بـكل بسالة وبـصدور عارية لـلدفاع عن أسوار مدينة لا تعترف بـوجودهم.
مشى كيان خطوات أخرى بـين الركام، فـانقبض قلبه بـقوة حين وقعت عيناه على جثتين مألوفتين؛ لقد كان اثنان من رفاق قريته، قرية الصفصاف، من ضمن الموتى: باسل وثامر.
نظر إلى ملامح باسل الباهتة وقبضة ثامر الشاحبة التي ما زالت تقبض على نصل رخيص، وحدث نفسه بـمرارة: "حتى أنتما يا باسل وثامر.. جئتم تبحثون عن المجد في الأكاديمية، فـكنتم مجرد دروع لحماية قلاع النبلاء."
أدرك كيان في تلك اللحظة حقيقة وضعه بـوضوح؛ فـحتى هو، بـكل قوته الجسدية غير الطبيعية، كان على شفير الموت البغيض لولا الحظ، وسرعة البديهة، والولاء النقي لدى زميليه سديم ورائد؛ الشقيقان اللذان لم يفقدا تركيزهما فوق الأسوار، بل ركزا هجماتهما السحرية بـشكل مكثف لـحمايته وصنع هالة دفاعية حول جسده المصاب، وأصرّا على إرسال فرقة المعالجين بـسرعة لـسحبه قبل أن تجهز عليه مخالب ضفادع الأنياب.
أكمل كيان سيره وسط الساحة الكئيبة، وكانت عيناه التحليليتان تقارنان المشهد بـحدة مرعبة. طاف بـبصره في أرجاء ساحة المعركة بـالكامل، لكنه لم يرَ ولو جثة واحدة، أو درعاً واحداً، يعود لـسكان المدن أو أبناء النبلاء المغرورين.
أطبق كيان على قبضته حتى كادت عظام يده تتفجر، واشتعل عناده الحديدي بـشرارة من الغضب الصامت؛ فقد كانت الخيانة بـأبشع صورها، والتضحية بـالفقراء كـقطع شطرنج رخيصة، واضحةً تَمَامّاً لـلأعمى. لقد تُرِك أبناء القرى لـيفنوا في خط المواجهة الأول، بـينما كان النبلاء وأبناؤهم يراقبون حمام الدم من خلف النوافذ الدافئة في المدينة الداخلية، ينتظرون انجلاء العاصفة دون الاستغناء عن قطرة مانا واحدة من أسلحتهم المعززة.
وقف كيان وسط صمت الموتى، وعقله التحليلي الصاحي يزن الأمور بـقسوة؛ لقد أدرك يَقِينّاً أنه عاجلاً أم آجلاً سـيكون الموت المحتوم هو مصيره ومصير الجميع هنا من الحراس وطلاب القرى الفقيرة إذا استمروا كـدروع بشرية لـأسياد المدينة. ولكن، ولـسوء حظه الشديد وحظ رفاقه، فهم لا يستطيعون المعارضة أو الوقوف ضد الأوامر العسكرية الصارمة؛ فـأي تمرد يعني الإعدام الفوري بـتهمة الخيانة العظمى تحت نيران سحرة الرتب العليا.
وبـين كل هؤلاء الضحايا، كان كيان يعلم أن مستقبله هو الأكثر قتامة بـالمعسكر؛ فـهو يعاني من مشكلة معقدة ومعضلة فريدة من نوعها. لـكي ينجو في الفصول المتقدمة من الأكاديمية ويواجه تهديدات البرية من فئة «سيد وحوش» أو فئة «شيطان»، فـهو بـحاجة ماسة إلى سلاح معزز بـجواهر المانا لـيتحمل الصدام، لكن تركيبته الخاصة وجسده متعارضان تَمَامّاً مع الأسلحة المعززة التقليدية، وكل تجاربه لـدمج الجواهر بـطرق مبتكرة انتهت بـالفشل وتحول الطاقة إلى رماد.
ومع حلول المساء، بدأت طقوس الفاجعة؛ حيث توجه حراس المدينة الباقون على قيد الحياة بـخطى ثقيلة لـدفن الأموات في المقابر الجماعية الواقعة خلف حدود الأسوار الخارجية.
لقد كان يوماً كئيباً ومظلماً خيّم بـسوادٍ مطلق على المدينة الخارجية؛ فـالعديد من الأطفال الأبرياء تيتّموا في ليلة واحدة، والعديد من النساء انكسرت ظهورهن وأصبحن أرامل لـرجال أبطال قادوا الصد بـبثبات، لكنهم أضحوا الآن في خبر كان، مجرد أسماء مٌحيت من السجلات لـتعيش عائلاتهم في فقر مضاعف.
نظر كيان إلى جموع النساء والأطفال الباكين وسط التراب، واشتعل عناده الحديدي بـطاقة جديدة؛ فـهو لن يسمح بـأن تنتهي قصة والدته ياسمين بـهذا النحيب، وسـيكسر هذه الحلقة المفرغة مَهْمَا كان الثمن، حتى لو اضطر لـخوض غمار تجارب أكثر جنوناً لـتطويع الجواهر السحرية داخل عروقه بـعواقبها القاتلة.