استمرت ياسمين في تقليب الصفحات العتيقة المصنوعة من جلد الوحش المتين، وعيناها العسليتان اللتان ورثهما كيان تلمعان بتركيز شديد غاب خلفه خوف مكتوم كاد يشل حركتها. كان الكوخ الخشبي الصغير هادئاً تَمَاماً في تلك اللحظات، إلا من صوت أنفاسهما المضطربة وصوت حفيف الأوراق الجلدية الخشنة التي كانت تصدر نغمة غامضة تزيد من رهبة الموقف في نفوسهما.
"استمع جيداً إلي يا كيان، واوعِ كل كلمة أقولها،" قالت ياسمين بصوت خفيض ونبرة حذرة وهي تشير بإصبعها المرتجف إلى السطور المكتوبة بمداد أسود داكن يبدو أنه سُطر بدماء وحش قديم، "هذه الطريقة ليست تعويذة سحرية تُقرأ في الخفاء، ولا طقساً روحياً عادياً مثل الذي يمارسه كهنة المعابد.. إنها وصفة خيميائية صلبة ومحرمة قانوناً، تركيب لترياق بدائي عنيف يقوم بصهر وفتح مسارات المانا الراكدة والميتة في جسدك بشكل قسري وعنيف، مجبراً خلاياك على استيعاب طاقة الكون."
اقترب كيان أكثر حتى كاد يلتصق بوالدته، وعيناه العسليتان متسعتان بالفضول المشتعل وجسده الصغير مشدود كقوس مستعد للانطلاق: "وصفة خيميائية؟ ومما تتكون هذه الوصفة بالتحديد يا أمي؟ هل هي أعشاب نادرة؟"
أخذت ياسمين نفساً عميقاً، وحاولت إخفاء رجفة صوتها وهي تسرد التفاصيل بدقة بالغة كما سُطرت في الكتاب: "الوصفة تتكون من عشرة عناصر أساسية ومحددة للغاية بنسب لا تقبل الخطأ. إذا نقص عنصر واحد فقط، أو اختل التوازن بينها، سيتأثر جسدك بالطبيعة السامة والقاتلة للمكونات الأخرى، وفور تناولها أو دهنها قد تفقد حياتك في ثوانٍ معدودة. ستة من هذه العناصر هي نباتات وأعشاب برية طاقة المانا فيها منخفضة، تنمو في أطراف الغابة الوعرة ووديان جبال المانا البيضاء، وهي متوفرة لمن يعرف كيف يبحث عنها: فطر الظل المكتمل الذي ينمو في العتمة، وجذور العشب الفضي المدفونة، وأوراق شجيرة البرد ذات الحواف الحادة، وزهرة الفجر الجبلية التي تتفتح مع أول شعاع، وطحالب الصخور الرطبة، وأخيراً لباب أشجار البلوط العتيق الذي يحمل صلابة الأرض."
هز كيان رأسه الصغير بقوة، مسجلاً كل اسم وكل تفصيلة في ذاكرته الحديدية؛ فالنباتات رغم ندرتها وصعوبة العثور عليها في الشتاء، إلا أنه يعرف شكل ومظهر معظمها بفضل جولاته اليومية الشاقة لجمع طعام يومهما. لكن ملامح وجه ياسمين شحبت فجأة، وازدادت قلقاً ورعباً وهي تنتقل بعينيها إلى السطور التالية المكتوبة ببريق دموي باهت.
"أما العناصر الأربعة المتبقية والقاتلة..." بلعت ياسمين ريقها بصعوبة، وشعرت بجفاف حلقها قبل أن تكمل بصوت شبه مسموع: "فهي مكونات حيوية لا توجد إلا داخل أجساد وحشين شرسين من وحوش الدرجة الأولى، يقطنان أعماق الغابة المحرمة ولا يخرجان للضوء. العنصران السابع والثامن هما: دم ذئب الغابة المخثر في لحظة موته، ونابه الأيمن الحاد الذي يتركز فيه تدفق طاقته الحركية. أما العنصران التاسع والعاشر، فهما الأكثر خطورة ورعباً على الإطلاق: قلب وشق الليل المفترس الذي ينبض بمانا الظلال، ومخلبه الأمامي الأسود القادر على شق الصخور."
تجمد كيان في مكانه، وشعر وكأن الموقد الصغير قد انطفأ فجأة ليحل محله صقيع الموت. ذئب الغابة ووشق الليل ليسا كائنات عادية، وليسا مثل الثعلب الناري الصغير الذي هرب منه بالأمس بأعجوبة؛ فهذه وحوش حقيقية كاسرة، سريعة كالسهم وقاتلة بلا رحمة، ويمتلك كل منها مانا وحشية مرعبة قادرة على تمزيق رجل بالغ، مدرب ومسلح في ثوانٍ معدودة، فكيف يمكن لطفل في الثانية عشرة من عمره، قصير القامة، نحيل البنية، ولا يملك ذرة مانا واحدة أو تدريباً قتالياً في عروقه أن يواجهها؟
نظرت إليه ياسمين ودمعة حائرة ساخنة تلمع في عينها المتعبتين، وأغلقت الكتاب بقوة أحدثت صوتاً مدوياً في الكوخ كأنها تغلق باب الأمل: "هذا جنون مطلق يا بني.. جمع هذه المكونات من عقر دار الوحوش يعني الانتحار الصريح. لقد فقدتُ والداك الشجاع في حرب مد الوحوش الأسود ولم يبقَ لي في هذا العالم سواك، ولا يمكنني أبداً أن أخاطر بفقدانك أنت أيضاً من أجل طاقة ملعونة لا تضمن لنا شيئاً."
لم يتكلم كيان فوراً. ساد صمت ثقيل، ونظر الصبي الصغير إلى يديه النحيفتين اللتين بدت عليهما علامات الشقاء مبكراً، ثم دار بجسده والتفت نحو النافذة الخشبية المتداعية ليرى في الأفق البعيد، خلف الضباب، قمم جبال المانا الصفراء الشاهقة، المضيئة والمحاطة بالأسوار السحرية الضخمة، حيث يعيش الأغنياء والبنلاء بأمان كامل وقوة مطلقة، يملكون مصائر الفقراء، بينما يقبع هو وأمه في هذا الكوخ البارد المنسي، ينتظرون الموت إما جوعاً أو سحقاً تحت أقدام مد الوحوش القادم لا محالة.
تحول الخوف في تلك اللحظة في صدر كيان إلى شيء آخر؛ تذكر نظرات الهلع في عيني أمه، وتذكر عجزه بالأمس أمام الثعلب، فاشتعل بريق غريب، حاد وضارٍ في عينية العسليتين الواسعتين. التفت نحو والدته وقال بصوت منخفض لكنه يحمل نبرة صلبة، وتصميماً فولاذياً يفوق سنوات عمره الاثنتي عشرة بكثير: "أمي.. الفقر والجوع يدمراننا ببطء كل يوم ويسرقان كرامتنا، والعيش بلا قوة تحمينا في هذا العالم القاسي هو انتحار مؤجل ننتظر فيه رصاصة الرحمة. أنا لن أقف مكتوف الأيدي بانتظار النهاية؛ سأجد طريقة مبتكرة لجمع هذه المكونات العشرة وصنع الترياق، حتى لو اضطررت لمواجهة وحوش الغابة واحداً تلو الآخر، وتحويل مخالبها إلى سلم أرتقي به نحو القمة."