مع بداية الصباح، توجه كيان بـخطى ثقيلة نحو الأكاديمية بـرفقة من تبقى من طلاب معسكر الألف. كان صباحاً كئيباً ومظلماً على الطلاب، فالأجواء ما زالت مثقلة بـتراب المقابر وصدمة الفقد؛ دماء باسل وثامر والسبعين طالباً الراحلين لم تجف بعد في مخيلتهم، والكل يسير مطأطأ الرأس يجر خيبته.
توجه كيان نحو قاعة فصل فئة التعزيز، وعند دخوله، شعر فَوْرِيّاً بـأن الجو ثقيل وخانق لـلغاية. بدا الجميع مكتئباً والحزن سيد الموقف، والهمهمات تملأ الأرجاء؛ فـالجميع يتحدث بـصوت خافت عن أحداث الأمس.
ظن كيان في بادئ الأمر أن هذا الوجوم بـسبب المجزرة التي حلت بـأبناء القرى، لكن بـاستماعه جَيِّدّاً لـتفاصيل نقاشات طلاب المدن المغرورين الجالسين في المقدمة، اتضح له أمر مغاير تَمَامّاً صدم وعيه التحليلي بـشدة.
لقد تبين أنه في نفس الوقت الذي كان فيه أبناء القرى والحراس يذبحون تحت أقدام ضفادع الأنياب على الأسوار الخارجية، كانت هناك مباراة كبرى تجري في ساحة الحرب الفاخرة بـالمدينة الداخلية؛ وهي مباريات سنوية ضخمة يشارك فيها صفوة النخبة، ولكنها حكر كامل لـلأقوياء والنبلاء فقط.
والصاعقة الكبرى لـكيان كانت سبب حزن وانكسار طلاب المدن؛ فـهم لم يذرفوا دمعة واحدة على جيرانهم القتلى في القسم الخارجي، بل كان سبب حزنهم الشديد وسخطهم هو أن ممثل ومقاتل مدينة النار الأخطر المدعو **«لهيب الصارم»** قد هزم بـالأمس في تلك المباراة النخبوية ضد خصمه العتيد، مقاتل مدينة البحر الذهبي البارع المدعو **«موجان الأزرق»**.
جلس كيان في مقعده الخلفي المنعزل، وشعر بـبرودة مرعبة تسري في عروقه وهو يرى رفاقه من القرى يتبادلون نظرات الذهول من هذه السخافة والسطحية.
أطلق كيان زفيراً صامتاً يحمل بـداخله عناداً حديدِيّاً متجدداً، وحدّث نفسه بـازدراء قاتل: "بـينما كنا ننزف ونموت لـنحمي رقابهم، كانت همومهم تنحصر في خسارة رهان أو انكسار كبرياء مقاتلهم في ساحة استعراضية.. هؤلاء النبلاء لا يروننا بـشراً فِعْلِيّاً؛ ولـن ينقذنا منهم سوى القوة التي تجعلهم يركعون تحت نفس الأقدام التي سحقت باسل وثامر."
استمع كيان بـإنصاتٍ تام للمناقشات المحتدمة بين الطلاب الذين كانوا يجلسون أمامه مباشرة في فئة التعزيز. وفي أثناء نقاشهم الحاد عن سبب الهزيمة، قال أحدهم للآخر بـنبرة ساخطة: "سبب الهزيمة الواضح هو استخفاف «لهيب الصارم» بـخصمه؛ لقد دخل الحلبة وهو يظن أن الفوز مضمون بـلا مجهود."
رد عليه الطالب الآخر وهز رأسه بـتأكيد: "كلامك صحيح تَمَامّاً؛ فـلقد انتصر مقاتل مدينة النار عليه في العام الفائت بـسهولة، بل وقطع كلا ذراعيه في تلك المواجهة الشرسة."
عند سماع ذلك، تعجب كيان بـشدة وتدخل في الحوار بـصوت هادئ وعقله التحليلي يحسب المعطيات بـسرعة، وسألهم بـاستغراب: "هل استطاع «موجان الأزرق» العودة وهزيمة خصمه هذا العام بدون سلاح معزز؟"
التفت طلاب المدن نحو المقاعد الخلفية، وضجوا بـضحك ساخر ممتلئ بـالتعالي على كلامه، وقالوا له بـتهكم: "كيف يستطيع إنسان في رتبة متقدمة القتال بدون سلاح معزز؟! بالـتأكيد انتصر وهو يملك سلاحاً مرعباً!"
رد كيان بـبرود وعناد لا يتزعزع، وثبّت نظراته الحادة في أعينهم قائلاً: "لقد سمعتكم للتو تقولون إن كلا ذراعيه قد قُطعتا في العام الماضي.. فـكيف حمل سلاحه إذاً؟"
رد أحدهم وهو يلوح بـيده بـملل: "هو لا يحتاج لـحمل السلاح بـأصابعه يا هذا؛ فـهو يملك سلاحاً مائياً معززاً يتشكل ويتحرك بـالمانا الخاصة به مباشرة."
عند سماع هذه الكلمات، جمدت الدماء في عروق كيان، واشتعلت النار في قلبه وعقله بـقوة؛ فـهذه المعلومة كانت الصخرة التي تحطم عليها عقمه التجريبي قَبْلًا، وصاح بـداخله أمل هائل، فسألهم بـلهفة مكتومة: "كيف يكون هناك سلاح مائي وسائل، وفي نفس الوقت معزز بـجوهر الوحوش؟!"
انفجر طلاب المدن بـالضحك مجدداً على ملامحه، وقال أحدهم بـازدراء: "أبناء القرى حقاً لا يعلمون شيئاً عن التكنولوجيا السحرية الراقية! بـالتأكيد هناك الكثير من الأسلحة السائلة والمعززة في المدن الكبرى، ألم ترَ واحدة من قبل في حياتك بـالريف؟"
رد الطالب الآخر بـسخرية لاذعة وهو يلتفت للسبورة: "بـالطبع أبناء القرى لم يروا سلاحاً مائياً معززاً من قبل؛ فـشراء قطعة واحدة منه أو صياغتها سـتكلفهم ثروة حياتهم بـالكامل حَتْمِيّاً، ولن يلمحوها إلا في أحلامهم!"
لم يهتم كيان بـإهاناتهم أو سخريتهم الطبقية المقيتة بـالمطلق؛ فـقد تلاشت كل الأصوات من حوله ولم يبقَ في عقله سوى وميض هذه الفكرة العبقرية.
قبض على نصل سيفه العادي تحت الطاولة، وتحدث في نفسه بـعناد وعقله الخيميائي يربط الخيوط بـسرعة فائقة: "الأسلحة السائلة المعززة موجودة بـالفعل كـعلم حقيقي! إذاً.. تركيبتي السحرية السائلة لم تكن المشكلة، بل الطريقة والوعاء الكيميائي الذي يحفظ المانا السائلة هو السر! البروفيسور ميرون وكتب الخيمياء في الأكاديمية سـتكون خطوتي التالية؛ فـأنا سـأصنع سلاحي السائل المعزز بـنفسي مَهْمَا كلفني الثمن."