لم يضيع كيان قطرة واحدة من الوقت؛ فـبمجرد انتهاء الحصة، خرج من قاعة فئة التعزيز بـخطى سريعة وعقل يغلي بـالأفكار والتوقعات. تجاوز الممرات الحجرية الطويلة للأكاديمية وتوجه مباشرة نحو مكتبة الخيمياء الكبرى، المكان الذي طالما اعتبره النبلاء مجرد مخزن للوصفات القديمة، بـينما يراه هو مفتاح نجاته الأوحد.
عند دخوله، واجه الأجواء الهادئة العبقة بـرائحة الحبر القديم والورق العتيق. خلف المنصة الرئيسية، كان يجلس أحد المعلمين المشرفين على المكتبة، وهو رجل ذو ملامح حادة ونظرات ثاقبة يُدعى «نورلين».
تقدم كيان نحوه بـثبات وعناد، وحياه بـأدب ثم قال بـنبرة هادئة: "أيها المعلم نورلين، أبحث عن المجلدات والكتب المتخصصة في الخيمياء التطبيقية، وتحديداً تلك التي تشرح كيفية صنع وصياغة الأسلحة السائلة والمعززة بـجواهر الوحوش."
رفع المعلم نورلين رأسه، ونظر إلى كيان بـاستغراب؛ فـنظرات هذا الطالب القادم من معسكر الألف كانت تحمل عمقاً وإصراراً لا يتناسبان مع ملابسه البسيطة. أشار نورلين بـيده نحو الممرات الداخلية العميقة وقال بـنبرة وقورة: "الأسلحة السائلة علم معقد وخطير يا بني، وقليلون من يسلكون هذا الدرب.. توجه إلى الممر السابع في الجناح الغربي، هناك ستجد ما تطلبه."
تحرك كيان نحو الممر المرشد إليه، وأثناء سيره بـين الممرات، تملكته الدهشة من الكم الضخم والمرعب من الكتب والمجلدات الممتدة من الأرض وحتى السقوف الشاهقة؛ فقد كانت مكتبة الأكاديمية هذه بـالفعل واحدة من أكبر وأعظم المكتبات في الأراضي الشرقية بـأكملها، وتحتوي على تاريخ المعرفة البشرية والسحرية لـقرون مضت.
شعر كيان بـضآلة حجمه وسط هذا المحيط الهائل من العلم، لكن عقله التحليلي الصاحي لم يتشتت؛ فـكل كتاب مر بجانبه كان يمثل له خطوة محتملة نحو التفوق.
توقف أخيراً أمام الرفوف المخصصة لـلخيمياء السائلة، ووقعت عيناه على مجلدات ضخمة مغبرة ذات حواف جلدية مهترئة. مد يده بـثبات وعيناه تلمعان بـبريق حاد، وعاهد نفسه بـعناد حديدي ألا يغادر هذا المكان حتى يفك الشيفرة الخفية التي تدمج الجوهر بـالسائل، لـيبدأ رسمياً أولى خطواته في صياغة سلاحه الخاص الذي سيحطم به غطرسة النبلاء.
سحب كيان المجلد الضخم بـحذر، ونفض عنه الغبار المتراكم لـيظهر عنوانه المكتوب بـخط نحاسي غائر. فتح الصفحات الأولى بـعقله التحليلي الصاحي، ووجد أن الكتاب دقيق جِدّاً في شرحه الكيميائي والهندسي، ومرفق بـرسومات دقيقة لـمسارات المانا التدفقية بـين السوائل والمواد العضوية.
استمر كيان في قراءته العميقة لـعدة ساعات متواصلة دون حراك، يلتهم السطور بـتركيز وعناد شديد؛ وعند انتهائه من الفصل الأساسي وإغلاق المجلد بـبطء، شعر بـثقل المعرفة وجدار الصعوبات التعجيزية التي رصفها هذا العلم أمامه.
كانت هناك الكثير من الصعوبات القاتلة التي تجعل هذا المشروع بـمثابة انتحار خيميائي:
أولى هذه العقبات وأكثرها تعقيداً، هي أنه لـصنع سلاح متغير الهيئة بـشكل سائل، يجب على الصانع الحصول على جوهرة مانا من «الوحوش المتغيرة». وهي فصيلة مرعبة من الكواسر النادرة جِدّاً، وقادرة بـطبيعتها البيولوجية السحرية على تغيير شكل جسدها بـالكامل لـأشكال سائلة وغازية حَتْمِيّاً لـلتخفي أو صيد الفرائس.
هذه الوحوش لم تكن نادرة وصعبة الإمساك بـها بـشكل خيالي فحسب، بل إن الصدمة الأكبر لـكيان تكمن في تصنيفها؛ فـكل الوحوش من هذا النوع المتغير كانت تبدأ قوتها من فئة «سيد وحوش» أو رتب أعلى وأشد فتكاً كـالشياطين والطغاة.
وحتى لو افترض كيان بـجدلية المستحيل أنه حصل على جوهرة مانا من رتبة «سيد وحوش» بـطريقة ما، فـإنه لـن يستطيع استعمالها بـالمطلق في وضعه الحالي؛ فـطاقة سيد الوحوش هائلة ومرعبة، وتتطلب مانا بشرية بـرتبة «محارب» على الأقل لـترويضها، بـينما هو ما زال في «رتبة صياد - مستوى منخفض»، وأي محاولة لـدمجها بـعروقه سـتفجر قنواته السحرية فَوْرِيّاً.
أرجع كيان ظهره إلى المقعد الخشبي وتأمل السقف الشاهق لـلمكتبة؛ كان التحدي أشبه بـجبل عملاق، لكن عيناه لم تعكسا سوى بريق عنيد وصامد، وهَمَس في سره: "سيد وحوش؟ رتبة أعلى من طاقتي الحالية؟ لـيكن.. سـأجد فجوة في هذا القانون الخيميائي، فـالجسد الذي نجا من مخالب ضفادع الأنياب لـن يعجز أمام جوهرة راكدة."
ولم تتوقف التحديات عند هذا الحد؛ بل كان من بـين الصعوبات الكبرى والقاتلة التي استوقفت عقله التحليلي الصاحي، أن جوهرة المانا لدى الوحوش المتغيرة لا تستقر في مكان ثابت؛ فـهي متنقلة بـاستمرار في أنحاء جسد الوحش السائل أو الغازي لـحمايتها، ومن الصعب جِدّاً معرفة مكانها بـدقة أثناء المعركة، مما يجعل خطر تدميرها بـالخطأ أثناء القتال مرتفعاً للغاية، وإذا تدمرت الجوهرة تلاشت قيمتها الخيميائية فَوْرِيّاً.
بـالإضافة إلى ذلك، سرد المجلد عدداً من الصعوبات التقنية الأخرى، مثل سرعة تبخر السائل السحري إذا لم يتم حفظه في مجاز مانا مستقر، والتكلفة الفلكية والمشطة لـلمواد الكيميائية الوسيطة المطلوبة لـدمج المكونات وتثبيت الروابط، وهي مواد تحتاج إلى ثروة طائلة لا يملك كيان منها قطعة فضية واحدة حالياً.
ولكن، بـالرغم من كل هذا الركام من الصعوبات والتعقيدات التعجيزية، لم يشعر كيان بـاليأس بـالمطلق؛ بل على العكس تماماً، شعر بـانفراجة هائلة وهدوء داخلي غريب يكتسح صدره.
لأول مرة منذ دخول الأكاديمية، شعر بأن هناك أملاً حَقِيقِيّاً يلوح في الأفق له؛ فـكل هذه المشكلات بـالنسبة لـعقله الصامد قابلة لـلحل بـالبحث والتخطيط الخيميائي الذكي. الجوهرة المتنقلة يمكن رصدها بـمراقبة تدفق المانا، وتكلفة المواد يمكن توفيرها من حصاد الصيد بـرفقة رائد وسديم، وقوة الجوهرة سـيجد طريقة لـترويضها بـاستغلال قوة جسده غير الطبيعية.
أغلق كيان المجلد بـقوة، وارتسمت على وجهه ابتسامة عناد واثقة، وتمتم بـصوت خافت وسط سكون المكتبة: "يملكون الذهب والسلاح الجاهز.. وأنا أملك الوقت والعقل؛ لـنرى من سـيصل إلى القمة أولاً."