مرت الأيام كـالرماد على طلاب معسكر الألف؛ حيث استمرت الأجواء الكئيبة بـالسيطرة على المدينة الخارجية، ولم يكد الجرح يلتئم حتى دوت أبواق الأكاديمية النحاسية في سماء الصباح المبكر، معلنةً عن تحرك عسكري جديد.
تجمع الطلاب في الساحة الرئيسية، حيث وقف البروفيسور أرسلان، مدير الأكاديمية بـنفسه، فوق المنصة الحجرية، وأعلن بـصوته المفعم بـالمانا الكثيفة عن أمرٍ صارم لا يقبل النقاش: "لقد تسبب مد الوحوش الأخير في ترك بؤر وتجمعات خطيرة في محيط المدينة الخارجية. بـناءً على ذلك، تعلن الأكاديمية عن بدء تشكيل فرق قتالية مشتركة لـتطهير الغابات المحيطة وتفكيك هذه التجمعات قَبْل أن تتضخم."
وأضاف بـنبرة حاسمة: "يُطلب من جميع طلاب فئة التعزيز والفئات الهجومية الاستعداد الكامل لـلهجوم على التجمعات بعد ثلاثة أيام مـن الآن. هذه المهمة لـيست اختيارية؛ هي جزء من تدريبكم العسكري وتقييمكم للانتقال للرتب الأعلى."
بـمجرد انتهاء الإعلان، بدأت عملية توزيع الفرق بـشكل صارم وممنهج. تم تشكيل الفرق بـحيث تتكون كل فرقة من عشرين طالباً من معسكر الألف طالب، معززين بـعشرة حراس نظاميين من حامية المدينة لـتوفير الدعم الميداني والخبرة، ووضع الجميع تحت إشراف وقيادة معلم مباشر من معلمين الأكاديمية بـرتبة «محارب» لـضمان الانضباط العسكري وتجنب التمرد.
وقف كيان بـالقرب من لوحة الإعلانات الضخمة وهو يقرأ اسمه ضمن "الفرقة السابعة"، وبـجانبه اسما رفيقيه رائد وسديم. كان عقله التحليلي الصاحي يقرأ ما بـين السطور؛ هذه الفرق لـيست سوى "فرق موت" مقنعة بـاسم التدريب. بـالرغم من وجود عشرة حراس ومعلم لـكل فرقة، إلا أن زج عشرين طالباً من أبناء القرى في خطوط التطهير الأمامية في الغابات كان يعني بـوضوح استمرار سياسة التضحية بـالفقراء لـتأمين راحة النبلاء في الداخل.
التفت كيان نحو سديم ورائد، وعيناه تعكسان عناداً حديدِيّاً متوهجاً، وقال بـصوت خافت لا يسمعه سواهم: "ثلاثة أيام.. لدينا ثلاثة أيام لـنستعد. الأكاديمية تدفعنا مجدداً لـمواجهة الوحوش بـدون أسلحة معززة، لـكن هذه المرة في الغابة، حـيث التضاريس لصالح الوحوش.. يجب أن نعتمد على استراتيجياتنا الخاصة إذا أردنا النجاة من هذه المصيدة الجاهزة."
استغل طلاب معسكر الألف الأيام الثلاثة بـشكل جَيِّدٍ ومكثف في الاستعدادات؛ فـقد بدأت الحركة دؤوبة في مهاجع أبناء القرى، بين شحذ النصال الرخيصة، وتفقد الدروع الجلدية المهترئة، وجمع جرعات الشفاء البسيطة. الكل يعلم أن المعركة القادمة في الأدغال هي مسألة حياة أو موت.
وفي ظهر اليوم الثاني، توجه كيان بـخطى هادئة نحو ساحة المعسكر الرئيسية، حيث كان يتجمع المئات من طلاب المعسكر يتبادلون المخاوف والنقاشات الحادة حول التطهير القادم.
وسط هذا التوتر المشحون، دخل كيان بـين الجموع وبدأ يتحدث بـصوتٍ مسموع، في حوار بدا لـلجميع وكأنه عفوي ووليد اللحظة، ولكنه في الحقيقة كان مكبراً ومُدبراً بـعناية فائقة من عقله التحليلي الصاحي؛ فقد قال وهو يتأمل نصل سيفه العادي بـأسى مصطنع: "لقد فقدنا سبعين رفيقاً بـالأمس لأننا كنا الدروع البشرية للأسوار.. والآن، يرسلوننا إلى الغابة لـتطهير تجمعات الوحوش بـنفس العتاد المتهالك! أليس من واجب الأكاديمية مساعدتنا بـبعض التجهيزات والعتاد لـنصمد؟ أم أن أرواحنا رخيصة إلى هذا الحد؟"
وقعت الكلمات كـالصاعقة في قلوب الطلاب الذين يغلي بـداخلهم الغضب مكبوتاً. سرعان ما التقط الطلاب الخيط، ودارت المناقشات الساخنة بـين الجموع كـالنار في الهشيم؛ حيث تعالت الأصوات المؤيدة: "كيان على حق!"، "لا يمكننا دخول الغابة بـأجساد عارية!"، "النبلاء يملكون كل شيء ونحن لا نملك درعاً يحمينا من مخالب سيد وحوش!"
بـفعل هذا التوجيه الذكي وغير المباشر من كيان، تحول الخوف الجماعي إلى حركة منظمة. وفعلاً، تكتل الطلاب وقرروا بـإجماع حاشد التقدم بـطلب رسمي وصارم لـإدارة الأكاديمية، يطالبون فيه بـإمدادهم بـعدد من الأسلحة والدروع النظامية كـحق أساسي لـهم قَبْل الانطلاق للمهمة.
راقب كيان المشهد من بعيد وهو يتراجع بـهدوء وسط الظلال، وعيناه تعكسان عناداً حديدِيّاً متوهجاً بـالانتصار؛ لقد نجح في تحويل رفاقه من ضحايا مستسلمين إلى جبهة ضاغطة، واضعاً الأكاديمية أمام خيارين: إما إمدادهم بـالعتاد، أو مواجهة تمرد علني يعطل حملة التطهير.
وفي صباح اليوم الأخير، توجه عدد من الطلاب المختارين كـممثلين عن طلاب معسكر الألف بـخطى ثابتة نحو المبنى الإداري للأكاديمية، وحملوا مطالب رفاقهم بـشجاعة أمام الإدارة، مؤكدين أنه لا يمكنهم خوض حملة التطهير في الأدغال بـدون حد أدنى من الحماية العسكرية والعتاد المناسب لـمواجهة الوحوش.
وصلت الأنباء سريعاً إلى مكتب المدير، وفعلاً، واجه البروفيسور أرسلان الموقف بـعقليته القيادية؛ فـقد أدرك أن عناد الطلاب وغضبهم المكتوم بعد مجزرة الأسوار قد يتطور إلى تمرد علني يهدد استقرار الأكاديمية ويفشل الحملة تَمَامّاً. ولـتجنب هذا الصدام، وافق أرسلان على المطالب وقرر فتح مستودع الأسلحة والدروع الاحتياطي لـأول مرة أمام أبناء القرى، مٌصدراً أمراً بـأن يستعير كل طالب سلاحاً ودروعاً نظامية مناسبة له لـفترة الحملة.
ضج المعسكر بـصيحات الارتياح والحماس بـمجرد صدور القرار، واندفعت الفرق نحو المستودعات الضخمة لـتلقي العتاد الجديد.
وسط هذا الزحام، كان كيان يسير بـهدوء وعيناه التحليليتان تراقبان الأسلحة المصطفة؛ فـبرغم أن هذه الأسلحة المستعارة هي أسلحة حديدية نظامية وليست معززة بـجواهر المانا، إلا أنها تظل طفرة هائلة بـالنسبة لـسيوفهم الصدئة القديمة وسـترفع من احتمالية نجاة رفاقه بـشكل كبير.
مد كيان يده لـيختار درعاً جلدياً مبطناً بـالحديد وسيفاً متزناً طويل الفولاذ، وابتسم بـعناد خفي في سره؛ لقد نجحت خطته وتأمنت الحماية لـرفاقه بـدون أن يضع نفسه في دائرة الشبهات كـمحرض علني، والآن.. أصبحت الفرقة السابعة مستعدة لـدخول الغابة بـأنياب حقيقية.