ومع بزوغ فجر اليوم الموعود، انطلقت صافرات التحرك بـنبرات قاطعة؛ حيث حزمت الفرقة السابعة، فرقة كيان، عتادها المستعار بـإحكام. توجهت الفرقة بـخطى منضبطة وبـقيادة أحد معلمي الأكاديمية الصارميين من رتبة «محارب»، وبـجانبهم الحراس العشرة الذين تولوا تأمين الأطراف بـعيون متيقظة ونظرات خبيرة.

دخلت المجموعة عمق الأحراش الكثيفة المحيطة بـالمدينة الخارجية، حيث تحجب الأشجار الشاهقة ضوء الشمس لـتحوله إلى ظلال رمادية باردة. وبـناءً على الخرائط العسكرية، بدأوا في تمشيط المنطقة بـحذر شديد، والبحث عن أي تجمعات أو بؤر لـلوحوش مختبئة في المغارات والمنحدرات الصخرية لـتدميرها قَبْل أن تستفحل خطورتها.

استمر السير بـترقب وسط صمت مطبق، لم يقطعه سوى حفيف الأوراق الرطبة تحت الأقدام، حتى بدأت رائحة العفن والمياه الراكدة تفوح في الأجواء. اهتزت الأغصان الأمامية بـعنف، ودوى صوت نقيع وضيع ومألوف أعاد لـلطلاب ذكريات المجزرة؛ لقد كانت بؤرة من بقايا وحوش **«ضفادع الأنياب»** التي تراجعت من هجوم الأسوار وتحصنت في هذه الأحراش بـأعداد غير يستهان بها.

"تراجعوا إلى الخلف! كونوا دائرة دفاعية فَوْرّاً!".. صرخ المعلم المشرف بـصوت جهوري مفعم بـالمانا، آمراً الطلاب بـالتحرك التكتيكي وهو يسحب سيفه العريض.

امتثل الجميع للأمر بـسرعة غَذَّتها صدمة المعركة السابقة؛ فـشكل الطلاب دائرة متلاحمة بـسرعة، وتقدم الحراس بـدروعهم الحديدية لـصد الصدمة الأولى.

اندفعت الضفادع الضخمة بـألسنتها اللزجة وأنيابها البارزة من بـين الشجيرات. صرخ أحد الحراس الخبراء وهو يرفع درعه: "احذروا من قفزاتها العالية! ركزوا على نقاط الضعف أسفل الأعناق!"

تطايرت الوحوش في الهواء بـشراسة، وارتطمت بـالعائق الدفاعي بـقوة مرعبة. تراجع طالبان من القرى بـسبب الصدمة، وصاح أحدهما بـذعر: "إنها سريعة جِدّاً، سيوفنا القديمة لم تكن لـتخترق هذا الجلد!"

رد عليه رائد بـثبات وهو يشحن تعويذته السحرية: "توقف عن الصراخ واثبت خلف درعك! سديم، غطي الجانب الأيمن فَوْرّاً!"

أطلقت سديم سهم مانا مشحوناً بـسرعة، لـيخترق عين ضفدع كان على وشك قضم كتف أحد الطلاب، فـسقط الوحش يتخبط في دمائه بـينما استمر تبادل الضربات العنيفة بـين الوحوش وأفراد الفرقة لـبضعة من الوقت. كانت الأسلحة والدروع الجديدة التي استعاروها بـفضل ذكاء كيان هي الفارق الحقيقي في هذا الصدام؛ فـقد صمدت الدروع المبطنة بـالحديد أمام الأنياب القاطعة، وقصعت السيوف المتزنة رقاب ضفادع الأنياب بـكفاءة لم يعهدوها من قبل.

انخرط كيان في القتال بـتركيز حاد، راصداً بـعينه المدربة زوايا الهجوم والارتداد لـكل كاسر. اندفع ضفدع ضخم نحوه بـفك مفتوح، فـتحاشى كيان الهجوم بـمناورة جانبية خاطفة، ومستغلاً توازن سيفه الفولاذي الجديد، أطلق طعنة نافذة اخترقت أسفل عنق الوحش بـسلاسة تامة لـيسقط جثة خامدة.

التفت المعلم لـيلمح ضربة كيان، وصاح بـتشجيع لـلجميع: "أداء جَيِّد! القطيع بدأ يتراجع، اضغطوا عليهم ولا تتركوا لهم مساحة لـتنظيم صفوفهم!"

تلاحم الطلاب بـقوة وثقة متجددة، ودارت معركة طاحنة بـين حديد مستعار وأنياب وحشية، حتى تمكنت الفرقة بـفضل التنسيق الحازم والعتاد القوي من تحقيق الانتصار بـالكامل وتطهير البؤرة الأولى دون خسائر في الأرواح. تنفس الطلاب الصعداء بـين جثث الضفادع المتناثرة، وازدادت ثقتهم بـأنفسهم لـلمرة الأولى في هذه البرية القاسية، مدركين أنهم لم يعودوا مجرد وقود حرب سهل المنال.

أمر المعلم بـجمع الغنائم بـسرعة، ثم تقدمت الفرقة مجدداً لـمتابعة مسارها في الأحراش، مٌستمرة في البحث عن أي تجمعات أخرى لـلوحوش بـالقرب من حدود المدينة. ظلوا يمشطون الوديان الضيقة والمنحدرات حتى بدأ الشفق الأحمر يختفي خلف الأفق، وحلّ الليل بـظلامه الدامس وبرودته القارسة على الغابة.

عندها، توقف المعلم المشرف وأشار بـيده قائلاً: "سـنتوقف هنا.. المكان مرتفع ومحصن طَبِيعِيّاً. استعدوا لـبناء معسكر التخييم فَوْرّاً."

توزع الطلاب بـسرعة ونشاط؛ فـمنهم من نصب الخيام الجلدية، ومنهم من تولى الحراسة بـالتعاون مع حراس المدينة. جمع رائد وبعض الطلاب الأغصان الجافة، وبـلمسة سحرية خفيفة، أشعلوا النار في وسط المعسكر لـتبدد الدفء والضوء عتمة المكان.

ولأن الجوع نال من الجميع بعد ساعات القتال الطويلة، أحضر الطلاب قطعاً نظيفة من لحوم ضفادع الأنياب التي اصطادوها صَبَاحّاً؛ فـالجميع يعلم أن لحوم وحوش المانا، بـالرغم من قسوتها، تعد مصدراً غَنِيّاً جِدّاً بـالطاقة والبروتين وممتازة لـاستشفاء العضلات المنهكة. وضعوا اللحوم على أسياخ خشبية مرتجلة لـشويها على لهب النار، وبدأت رائحة الشواء الشهية تفوح وتُنسي الطلاب وعثاء السفر.

ومع نضوج الطعام وتناوله، ذابت الحواجز والوجوم الذي خلّفته الأيام الماضية بـفعل حرارة النيران؛ فـالخطر المشترك يملك قدرة غريبة على صهر النفوس وتقريب القلوب. بدأت محادثات دافئة تدور بـين أفراد الفرقة، وبدأوا في التعرف على بعضهم البعض بـشكل أعمق؛ فـهذه هي المرة الأولى التي يجمعهم فيها سقف واحد بـعيداً عن صرامة قاعات الدراسة وجفاء طلاب المدن الكبرى الذين كانوا دائماً يضعون حاجزاً طَبَقِيّاً بـينهم وبين أبناء الريف.

أخذ رائد قضمته الأولى، ثم مسح فمه بـظهر يده وقال بـنبرة ممتنة وهو ينظر لـلدرع الحديدي الملقى بـجانبه: "لولا هذا العتاد النظامي الذي حصلنا عليه بـالأمس، لكان نصفنا الآن بـحاجة لـجرعات شفاء متقدمة.. جلود تلك الضفادع كانت كـالصخر."

هز طالب يدعى «مروان»، قادم من قرية تقع على أطراف السهول الشرقية، رأسه بـتأييد وتابع بـضحكة خافتة: "هذا صحيح يارجل! في قريتي «كفر السنديان»، لو رأى العمدة هذا السيف الفولاذي المتزن الذي أحمله الآن، لـظنه سلاحاً أسطورِيّاً وعلقه في قاعة الضيافة! أقصى ما كنا نملكه هناك هي مناجل الحصاد القديمة التي نعززها بـكسرات المانا الرديئة لـطرد الذئاب البرية."

انفجرت مجموعة من الطلاب بـالضحك على وصف مروان، وتدخلت طالبة تدعى «نور» من قرية جبلية بـصوت يحمل حنيناً دافئاً: "على الأقل كان لديكم مناجل حديدية يا مروان! في قريتنا، كان العجوز «صالح» يدّعي أنه خيميائي عظيم، وصنع تعويذة لطرد الكواسر بـاستخدام مسحوق عظام الأسماك المجففة.. وفي أول هجوم لـثعالب الأرض، هربت الثعالب ليس خوفاً من السحر، بل لأن رائحة المسحوق كانت كريهة جِدّاً ولم تطقها!"

تعالت الضحكات العفوية في أرجاء المعسكر، وبدأت القصص تتوالى كـالسيل؛ تذكر كل منهم قريته البعيدة بـكل تفاصيلها البسيطة وحياتها الهادئة. روى أحدهم عن موسم حصاد القمح وعيد الماندرين الذي يجمع القرى بـأكملها في احتفالات تدوم لـثلاث ليالٍ، حـيث ينسى الجميع الفقر بـفضل الرقص الغجري والأنغام الريفية.

التفت رائد بـخبث نحو كيان الجالس في الظل، وابتسم قائلاً لـلجميع: "إن كنتم تتحدثون عن المواقف الغريبة، فـعليكم بسماع قصة كيان عندما كنا صغاراً؛ لقد تاه في التلال بـسبب ملاحقة أرنب بري ذكي من فئة المانا المنخفضة.. ظن كيان بـعقله التحليلي الصارم أن الأرنب يتبع مساراً هندسِيّاً منتظماً، وظل يلاحقه بـالورقة والقلم حتى وجدنا أنفسنا في وادٍ مهجور ومحاصرين بـقطيع من الماعز البري!"

ضج المعسكر بـصيحات الارتياح والحماس بـسبب هذه القصة، ونظر الجميع نحو كيان بـدهشة ومحبة؛ فـهم لم يعتادوا رؤية هذا الجانب البشري والعفوي من الطالب المتميز بـبروده المعتاد في فئة التعزيز.

ابتسم كيان بـخفة، وهز رأسه بـقلة حيلة دون أن ينفي التهمة، تاركاً رفاقه يستمتعون بـهذه اللحظة النادرة من الأمان.

استمرت السهرة لـبضع ساعات، وتداخلت الحكايات بـين الحراس والطلاب؛ حـيث بدأ الحراس الخبراء يشاركونهم بـعض النصائح الميدانية حول كيفية رصد مسارات الوحوش في الليل بـاستخدام حركة الطيور وأصوات الحشرات. ومع خفوت نيران المعسكر وتحولها إلى جمر أحمر متوهج، تراجع الطلاب تِبَاعّاً نحو خيامهم لـلنوم، والكل يشعر بـأن هذه الليلة لم تطعم أجسادهم بـاللحم الغني بـالبروتين فحسب، بل شحنت أرواحهم بـرابطة دم قوية وعزم حديدي، واضعين نصب أعينهم هدفاً واحداً: أن يعودوا جميعاً إلى ديارهم بـأمان، وألا يتركوا أحداً خلفهم في هذه الغابة المظلمة.

2026/06/23 · 5 مشاهدة · 1076 كلمة
نادي الروايات - 2026