بينما كانت الضحكات ما زالت تتردد في أرجاء المعسكر، والدفء يملأ صدور الطلاب وهم يتناولون بقايا لحم الشواء، تبددت هذه السكينة بـلمحة عين وبـأكثر الطرق فظاعة.
توقفت المضغات في الأفواه، وتجمدت الابتسامات على الوجوه؛ فـقد التقطت الآذان المتيقظة لـلحراس والمعلم حركـةً مريبة بـين الأعشاب الداكنة المحيطة بـالمعسكر. كان هناك هسيس خافت وخبيث، يتداخل معه صوت زحف سريع ومكتوم ينساب بـين الأوراق الجافة، كـأن شبحاً ينساب وسط الظلال لـتطويقهم.
"رصوا الصفوف! تشكيل دفاعي مُغلق فَوْرّاً!".. دوى صوت المعلم حاسماً وقاطعاً الأنفاس، وهو يقفز واقفاً وسيفه بـالفعل في يده، وعيناه تدوران في الظلام لـتحديد الثغرة.
انتفض الطلاب بـذعر غريزي، وقاموا بـالتجهز بـسرعة لـلمعركة، ساحبين سيوفهم المستعارة بـأيدي ترتجف قليلاً من مفاجأة الليل البري. تلاحمت الدروع وتراجع الجميع لـلخلف لـتضييق الدائرة الدفاعية، بـينما تراجع الضوء بـعدما سحق أحد الحراس النيران بـقدمه لـحرمان العدو من الرؤية الواضحة، لـكن الظلام أصبح الآن يلف المعسكر كـكفن أسود.
وفي تلك اللحظة التي ساد فيها صمت مطبق ترقباً لـلهجوم، اندفعت ومضة سوداء خاطفة من بـين الشجيرات الكثيفة بـسرعة لا يمكن لـعين بشرية مجردة ملاحقتها. كانت الومضة تستهدف مؤخرة التشكيل بـطريقة غادرة، وتحديداً نحو مروان، الذي كان ما زال يمسك بـسيفه ويبحث بـارتباك بـعينيه عن مصدر الصوت جهة اليمين.
لم يصدر الكاسر أي زئير أو جلبة؛ بل اندفع كـالسهم مُمزقاً عنق مروان بـأنياب دقيقة وحادة لـتنتهي حياته فَوْرّاً وبـدون أن يعلم حتى كيف مات أو ما الذي ضربه. سقط جسد مروان بـارتخاء على الأرض الرطبة، وسيفه الفولاذي الجديد الذي كان يتفاخر به قبل دقائق يرتطم بـالحصى بـرنين حزين، والدم يتدفق بـغزارة لـيصبغ العشب بـاللون القرمزي.
"مروان! استيقظ.. مروان!".. صرخت نور بـرعب وهي تتراجع بـخطوات متخبطة، وقد اهتزت ثقتها بـالكامل وهي ترى زميلها الذي كان يمازحها قبل ثوانٍ يتحول إلى جثة هامدة بـلمحة بصر.
انكشف المهاجم لـجزء من الثانية تحت ضوء جمر النار الخافت؛ لقد كان **«ثعبان السوط»**، وسمي بـذلك الاسم بـسبب أسلوب هجومه الخاطف والأشبه بـلسعة سوط لا تُرى. كان الثعبان قاتم السواد بـالكامل، بـطول أقل من متر واحد، ولكن صغر حجمه وجسده النحيل كانا بـأكملهما لـصالح تفوقه؛ فـهو يستطيع التسلل والهجوم على فرائسه بـمهارة فائقة وبـدون حَتْمِيَّةِ أن يدرك الضحايا مصدر الهجوم أو زاوية الاندفاع.
"تراجعوا عن الجثة! إنه ثعبان السوط، سمه يقتل في ثوانٍ!".. صاح المعلم بـتحذير وهو يتقدم لـسد الثغرة بـجسده، موجهاً مانا قتالية كثيفة نحو نصل سيفه لـيضيء المكان بـوهج أزرق خافت.
تبدلت ملامح كيان بـسرعة، وضاق حِمى عينيه وهو يراقب بـبرود صارم المسار الحركي لـدم مروان المتدفق والزوايا المظلمة للمعسكر. ثبت قدميه في الأرض وسحب سيفه بـهدوء حذر؛ فـالخطر الآن لـم يعد قطيعاً ضخماً وبليداً يمكن صده بـحائط الدروع كـالضفادع، بل قاتل خفي وصغير الحجم، يتحرك كـالظل لـينتزع الأرواح واحداً تلو الآخر بـلا رحمة وسط عتمة الغابة المفترسة، وأي حركة غير محسوبة تعني لـسعة أخرى وموتاً مـحققاً لـشخص آخر.
"السحرة.. أطلقوا تعاويذكم الكاشفة والهجومية على محيط الأعشاب فَوْرّاً! لا تتركوا بقعة ظلام واحدة بـدون فحص!".. دوى أمر المعلم كـالرعد وسط ذعر الطلاب.
انتقل المقاتلون والمحاربون بـسرعة لـيشكلوا جداراً بشرياً مصمتاً أمام السحرة لـحمايتهم أثناء إلقاء التعاويذ. تراجع رائد وسديم بـخطوات ثابتة إلى مركز الدائرة، وبدأت مانا السحرة تتدفق بـاضطراب؛ فـالموقف كان مرعباً والخوف ينهش القلوب.
بدأ السحرة هجومهم بـشكل عشوائي ومكثف، فـالمهاجم الأسود مختفٍ تَمَامّاً بـين الحشائش الطويلة الكثيفة، ولم يكن هناك هدف واضح لـتوجيهه. انطلقت كرات النار المتفجرة وشظايا الجليد بـلا هوادة، لـتحرق وتجرف مساحات شاسعة من النباتات، ومظلمةً أطراف الغابة بـأدخنة كثيفة حلت بـدلاً من سكون الليل.
ولكن هذا الهجوم العشوائي فتح ثغرات لم تكن في الحسبان. وبـسبب النيران الكاشفة، تبينت الحقيقة المرعبة: لم يكن ثعبان سوط واحداً.. بل كانت أعدادهم كبيرة جِدّاً، وتحيط بـالمعسكر من كل حدب وصوب كـأمواج من الظلام الزاحف.
استغلت الأفاعي الذكية جلبة التعاويذ، وبدأ عدد من الثعابين بـالهجوم الانتحاري الخاطف نحو التشكيل. صرخ رائد وهو يوجه صدمة مانا أرضية: "إنهم قادمون من جهة اليمين أيضاً!"
استطاع بعض الطلاب والحراس الخبراء الدفاع بـاستبسال، وارتطمت السيوف الفولاذية بـأجساد الثعابين القاسية لـتقطعها نصفين في الهواء، بـينما تطايرت الدماء السوداء السامة في كل مكان. ولكن، بـسبب السرعة الفائقة لـهذه الكواسر النحيلة، اخترقت مجموعة أخرى من الثعابين التشكيل الدفاعي بـسلاسة مرعبة كـأنها خيوط سوداء تمر عبر الإبرة.
تجاوزت الأفاعي الدروع الأمامية، وانقضت بـلسعاتها القاتلة على خطوط الدفاع؛ وبـالرغم من مهارة ودروع حامية المدينة، إلا أن سم ثعبان السوط كان أسرع من أي علاج. وفي غضون ثوانٍ قليلة، سقط عدد من الحراس النظاميين صرعى بـعد أن اخترقت الأنياب دروعهم الجلدية عند المفاصل، لـيلقوا حتفهم بـذات الطريقة الخاطفة التي مات بها مروان.
انقلب المعسكر إلى فوضى حقيقية، واختلطت أصوات الانفجارات السحرية بـصرخات الموت؛ بـينما وقف كيان يترقب بـبرود صارم ونظرات ثاقبة، يراقب تشتت السحرة وسقوط الحراس، ويبحث بـعينيه بـين ومضات النار عن النمط الحركي لـهذه الأمواج الأسود لـيجد ثغرة ينقذ بها رفاقه قَبْل أن يلتهمهم سم الغابة بـالكامل.
تحولت الساحة المظلمة إلى جحيم مستعر؛ غبار طيني يختلط بـدخان الأعشاب المحترقة، ورائحة الدم الزكية تلف المكان بـكآبة مجزرة جديدة.
اندفع المعلم المشرف نحو الأمام لـيقود الهجوم بـنفسه، وانبعثت من جسده هالة زرقاء كثيفة لـرتبة «محارب». لوّح بـسيفه العريض بـقوة، مرسلاً شفرات مانا هوائية قطعت ثلاثة ثعابين في الهواء بـضربة واحدة، وصاح بـصوت هادر: "لا تتراجعوا! التراجع يعني الموت! سدوا الثغرات فَوْرّاً!"
ولكن المناوشات كانت شرسة وغير متكافئة من حيث الطريقة؛ فـالثعابين لم تكن تقاتل بـوجوه مكشوفة، بل كانت تستغل جثث الحراس الساقطة وجذوع الأشجار لـلاختباء ثم القفز بـشكل لولبي خاطف.
انقض ثعبان ضخم من خلف صخرة نحو طالب فئة التعزيز الذي كان يقف بـجانب سديم، لـكن سديم استدارت بـرشاقة لـم يعهدوها منها، واستخدمت قوسها ليس لـإطلاق سهم، بل لـضرب رأس الثعبان بـحافته المعدنية لـتبعده عنها بـأعجوبة، وصرخت بـأنفاس متلاحقة: "رائد! تحت أقدامك!"
قفز رائد إلى الأعلى بـسرعة غريزية، بـينما مر الثعبان الأسود من تحت قدميه كـالسهم المتفجر، لـيرتطم بـجذع شجرة قريب، ويستدير فَوْرّاً لـإعادة الهجوم. وفي تلك اللحظة من التشتت، التفت الثعبان نحو رائد وهو في الهواء، وفكاه مفتوحان على وسعيهما لـبث السم.
لكن نصلًا فولاذِيّاً بـراقاً قطع مسار الثعبان بـدقة خيالية؛ كان كيان قد تحرك بـدون صخب، مستغلاً خفة درعه الجديد، ومرر سيفه بـزاوية مائلة لـيفصل رأس الأفعى عن جسدها قَبْل أن تلمس رفيقه. سقط رائد على الأرض يتنفس بـصعوبة وقال: "تباً.. إنها في كل مكان!"
استمر تبادل الضربات العنيفة والمناوشات القاتلة في كل زاوية؛ حارس مصاب يضغط على جرحه بـيد ويضرب بـسيفه بـاليد الأخرى، وطالبان من القرى يتلاحمان بـالظهر لـصد هجوم ثعبانين حاولا الالتفاف حولهما. كان صوت ارتطام حديد السيوف بـالحراشف القاسية لـلأفاعي يصدر رنيناً متواصلاً، يشبه ضرب المطارق في حدادة مظلمة.
بدأ السحرة يدركون خطأ هجومهم العشوائي بـعد أن كادت إحدى كرات النار تطبخ أقدام زملائهم؛ فـغيروا تكتيكهم بـأمر من المعلم لـيطلقوا ومضات مانا ساطعة ومتقطعة لـإضاءة الأرض بـاستمرار، مما كشف مسارات الزحف السوداء لـلأفاعي بـين العشب المشتعل.
ثبت كيان قدميه في مركز إحدى الثغرات، تاركاً عينيه تلاحقان حركة الأعشاب بـدون ذعر؛ كان يراقب زوايا الاندفاع لـلثعابين بـتركيز حاد، مدركاً أن كل ثعبان يسحب جسده لـلخلف لـجزء من الثانية قَبْل أن ينطلق كـالسوط. وبـفضل هذا الرصد الدقيق، تحول سيفه إلى جدار دفاعي صامت؛ فـكلما اندفعت أفعى سوداء بـسرعتها الجنونية نحو دائرته، كان يستقبلها بـطعنة دقيقة مستقيمة تستغل اندفاع الوحش لـتخترق دماغه فَوْرّاً، لـتتراكم جثث الثعابين تحت قدميه وسط ذهول الطلاب المحيطين به والذين بدأت معنوياتهم ترتفع بـرؤية هذا الصمود العنيد.