لم تدم فرصة التقاط الأنفاس طويلًا؛ فـالبرية لا تمنح صكوك نجاة مجانية. بـالرغم من الصمود المستميت الذي أبداه كيان ورفاقه في تصفية الأفاعي المندفعة، إلا أن الطبيعة العددية لـثعابين السوط بدأت ترجح الكفة بـشكل مرعب؛ فـالمستنقعات المحيطة بـالمعسكر كانت تواصل قذف المزيد من تلك الخيوط السوداء القاتلة بـلا انقطاع.

ومع تزايد الدخان وضيق المساحة، بدأت الدفاعات تتآكل بـسرعة. صرخت طالبة من فئة التعزيز كانت تقف في الخط الخلفي عندما التفت أفعى حول ساقها بـلمحة عين، وقَبْل أن يتمكن الحارس القريب منها من التحرك، كانت أنياب ثعبان آخر قد استقرت في صدرها. سقطت الطالبة بـأعين متسعة بـالرعب، لـتكون الضحية الثانية من طلاب معسكر الألف في هذه الليلة المشؤومة.

توالت الصرخات مع اختراق الثعابين لـلحصار؛ فـوقع طالب آخر صريعاً بـعد أن أصابته لسعة غادرة في معصمه أثناء محاولته شحذ تعويذته، وسقط بـجانبه أحد الحراس المخضرمين وهو ينزف بـغزارة بـعد أن مزقت الأفاعي أوتار ساقه، مما جعل الدفاع بـالدرع أمراً مستحيلاً.

الدموع تداخلت بـالدماء، وبدا أن الدائرة الدفاعية سـتتحول إلى مقبرة جماعية بـالكامل. نظر المعلم المشرف حوله، ورأى جثث طلابه وحراسه تتساقط، وأدرك بـخبرته العسكرية أن البقاء هنا يعني الفناء التام لـلفرقة السابعة.

"تراجعوا! هذا الكمين فوق طاقتنا!".. هدر المعلم بـصوت زلزل أرجاء المكان، وهو يطيح بـثعبانين بـضربة رأسية من سيفه، وتابع بـأمر صارم: "اشحذوا ما تبقى من مانا! سـنشق طريقاً عبر الجبهة الغربية وننسحب نحو التلال الصخرية! السحرة في المنتصف، والمحاربون يحمون المؤخرة.. تحركوا فَوْرّاً!"

بدأت الفرقة المنكوبة بـالتحرك بـتكتيك انسحابي بـاستخدام القوة الغاشمة لـشق طريق الهرب وسط العشب الكثيف. تقدم المعلم وبقايا الحراس النظاميين في المقدمة لـتفكيك الطوق الأسود بـضربات سيف عريضة ومتلاحقة، بـينما كان رائد وسديم يطلقان كل ما لديهما من مقذوفات مانا لـإجبار الأفاعي على التراجع بـعيداً عن مسار الهرب.

ولكن الانسحاب في ليل الغابة وأمام عدو بـهذه السرعة الفائقة له ثمن باهظ جِدّاً؛ فـأثناء الاندفاع السريع والمتخبط بـين الجذوع، تعثر طالبان بـسبب جذور الأشجار البارزة. لم يمهلهما سواد الليل فرصة لـلنهوض؛ فـقد انقضت عليهما مجموعة من الثعابين كـالسياط المتفجرة وسط صراخ عاجز من رفاقهم الذين لم يستطيعوا التوقف لـإنقاذهم، لأن أي توقف كان يعني موت المجموعة بـأكملها.

حتى الحراس الذين تولوا حماية المؤخرة دفعوا ضريبة الدم؛ فـقد تلقى حارسان ضربات قاتلة في الأعناق والأطراف أثناء تراجعهم بـخطى خلفية لـتأمين ظهر الطلاب.

كان كيان يتحرك بـخفة في التشكيل الجانبي، وسيفه المستعار لا يتوقف عن الحركة بـحسم دقيق؛ فـقد كان يدرك بـأن أي ثانية تردد ستكلفه حياته أو حياة رائد وسديم. مرر نصل سيفه لـيقطع أفعى كانت طائرة في الهواء مستهدفة كتف رائد، ودفع بـجسده طالباً آخر قَبْل أن تسقط عليه أفعى من فوق شجرة.

استمرت رحلة الموت والهروب بـضع دقائق بـدت كـأنها دهر كامل، حـيث كان الطلاب يركضون بـأنفاس محترقة فوق جثث رفاقهم وأجساد الثعابين بـلا وعي، مسترشدين بـالوهج السحري لـسيف المعلم، تاركين وراءهم معسكراً كان قَبْل قليل يضج بـالضحكات والحنين، ليتحول الآن إلى ذكرى سوداء أخرى بـطعم الفقد والسم.

انقشعت الأحراش الكثيفة أخيرًا، وبدأت تضاريس الأرض ترتفع بـشدة وتتحول إلى صخور صلبة جرداء. ومع صعود أقدامهم المنهكة لـمنحدر التل الصخري، تراجعت أصوات الهسيس المرعبة بـتدريج؛ فـثعابين السوط تفضل الأرض الرطبة والأعشاب الكثيفة، ولا تجيد الحركة بـكفاءة فوق الصخور المكشوفة والباردة.

"توقفوا هنا!.. نحن في منطقة آمنة مؤقتاً!".. أطلق المعلم هذا الأمر وهو يتكئ بـثقل على جدار صخري، والأنفاس تخرج من صدره بـصصعوبة كـحشرجة حارقة.

انهر الطلاب تِبَاعّاً على الأرض الصلبة كـالجثث الهامدة، وتصاعدت أنفاسهم المتلاحقة في سكون الليل، ممتزجة بـأصوات البكاء المكتوم والنحيب. تراجعت سديم بـظهرها نحو صخرة كبيرة، وضمت قوسها إلى صدرها بـأيدٍ ترتجف بـعنف، بـينما جلس رائد وهو يلهث بـعجز، وعيناه مثبتتان على الفراغ بـذهول لـم يستوعب بعد سرعة الكارثة.

تحرك كيان بـين الصفوف بـملامح هادئة، لـكن عيناه كانتا تسجلان كل تفصيلة بـدقة دموية. توجه بـخطى ثابتة لـمساعدة بقايا الحراس في معالجة المصابين؛ فـقد بدأت نور وبعض الطلاب بـإسعاف الجرحى بـأربطة قماشية بسيطة وجرعات شفاء أولية لـوقف النزيف، وبـخاصة أولئك الذين أصيبوا بـخدوش سطحية ولم يخترق السم عروقهم بـشكل كامل.

وقف المعلم المشرف في المنتصف، وبـصوت يملأه الأسى والوجوم، وجه حديثه لـكيان وأحد الحراس الناجين: "اجردوا الأعداد.. أريد معرفة من تبقى معنا في هذه الفرقة."

بدأ كيان بـالمرور على التجمعات الصخرية، يعاين الوجوه الشاحبة والمصعومة، لـيضع تقريراً حاسماً بـالخسائر. وعندما عاد إلى المعلم، كان نبر صوته خالياً من التردد ومفعماً بـواقعية مؤلمة:

"من أصل عشرين طالباً من معسكر الألف.. قُتل خمسة طلاب، على رأسهم مروان في البداية، واثنان تعثرا أثناء الانسحاب بـين الأشجار، واثنان اخترق السم جسديهما داخل التشكيل."

وتابع كيان وهو ينظر نحو الحراس: "أما حامية المدينة، فقد فقدنا أربعة حراس نظاميين بـسبب اللسعات الغادرة في المؤخرة والخطوط الأمامية.. لـيصبح إجمالي الوفيات تسعة أفراد في أقل من ساعة."

ساد صمت ثقيل كـالجبال فوق التل الصخري؛ فـالفرقة السابعة خسرت بـالفعل قريباً من ثلث قوتها الضاربة في أول ليلة لـها في البرية. نظر الطلاب بـحسرة نحو عتمة الغابة بـالأسفل؛ فـالأسلحة والدروع المستعارة التي ظنوا أنها سـتحميهم، لم تكن سوى قشرة رقيقة أمام غدر الكواسر الخفية.

تأمل كيان النجوم بـعينين تعكسان عناداً صامتاً؛ لقد أدرك بـوضوح أن هذه الحملة لـن تكون مجرد تمشيط عسكري، بل هي معركة بقاء وحشية، والخطأ القادم سـيعني أن أسماءهم سـتكون طي النسيان في هذه القفار المظلمة.

بمجرد الانتهاء من حصر الوفيات، لم يمنحهم المعلم المشرف وقتّاً لـلاستسلام لـلحزن؛ بل صاح بـنبرة حازمة ومبحوحة: "الندب لـن يحمينا إن قررت وحوش أخرى صعود التل! من يستطيع تحريك يديه، فـليتحرك لـتأمين المحيط فَوْرّاً!"

تحرك الطلاب بـأجساد منخورة بـالتعب؛ فـقاموا بـجر الصخور الثقيلة المتناثرة لـبناء ساتر دفاعي دائري مرتجل يحيط بـالتجمع فوق قمة التل الصخري، ووقف الحراس الخمسة المتبقون على الأطراف، مشهرين سيوفهم بـأعين متيقظة ترصد أسفل المنحدر بـينما تولى رائد وسديم مراقبة الأجواء الجوية لـمنع أي مباغتة من كواسر طائرة.

وفي مركز هذا الطوق الصخري، استمرت عمليات معالجة المصابين تحت إشراف نور وكيان؛ فـقد كانت الحالات حرجة جِدّاً بـسبب طبيعة سم ثعبان السوط. كان أحد الحراس يئن بـقوة والسم الأسود يحاول التسلل عبر عروق ذراعه، فـتقدم المعلم بـلا تردد، ومستخدماً خنجره المحمي بـالمانا، صنع شقّاً عميقاً في الجرح لـيطرد الدم الملوث قَبْل أن يسكب عليه جرعة مضاد سموم متوسطة الفعالية، مما جعل الحارس يغيب عن الوعي بـسبب الألم الحارق.

ومع استقرار حالة الجرحى بـشكل نسبي، جلس بقايا أعضاء الفرقة السابعة متلاحمين بـالأكتاف لـاستمداد الدفء بـعد أن مُنع إشعال أي نار كاشفة. ووسط هذه العتمة، بدأت مناقشات هامسة وحادة تدور بـينهم حول الخسارة القوية التي تلقوها.

قال أحد الطلاب بـصوت يرتجف وهو ينظر إلى يده الملطخة بـالدماء: "تسعة قتلى في ليلة واحدة.. ولم نتوغل بعد في عمق الغابة! الأسلحة النظامية لم تنقذ مروان، فـكيف سـنكمل هذه المهمة الانتحارية؟"

ردت نور بـنبرة منكسرة ومتعبة: "التراجع هو الحل الأفضل.. الأكاديمية لا يمكنها لومنا بـعد أن فقدنا ثلث قوتنا وحراسنا. إن استمرينا، فـسندفن جميعاً تحت هذه الأشجار."

"والتطهير؟" .. قاطعها رائد بـصوت خفيض وعناد مكتوم، وتابع: "إن تراجعنا الآن دون تمشيط البؤر، سـتتكاثر الوحوش وتندفع نحو أسوار المدينة الخارجية بـأعداد تضاعف ما رأيناه في الهجوم السابق. عائلاتنا وقرانا هناك بـالأسفل.. التراجع يعني نقل المقبرة إلى بيوتنا."

احتدت النقاشات بـين مؤيد لـلانسحاب حماية لـما تبقى من أرواح، وبين رافض له خوفاً من العواقب الكارثية على خطوط الدفاع؛ بـينما ظل المعلم يراقبهم بـصمت عاجز، فـالقرار ليس سهلاً وقوة فرقتهم قد شُلت بـالفعل.

التفتت الأنظار تِبَاعّاً نحو كيان الذي كان يمسح نصل سيفه بـخرقة قماشية بـهدوء تام. نظر إليهم بـعينين حادتين تعكسان ضوء النجوم، وقال بـنبرة قاطعة: "الأكاديمية لن تسمح بـالتراجع، والمعلم يعرف هذا جَيِّدّاً.. بـمجرد فتح المستودعات لـنا، أصبحت المهمة إلزامية بـثمن الدم. بدلاً من التفكير في الهرب، سـنغير تكتيكنا؛ لا تمشيط بـدون كواشف مانا مستمرة، ولا تخييم بـالقرب من رطوبة الأعشاب. سـنكمل المهمة.. لـيس لـأجل الأكاديمية، بل لـنضمن ألا تذهب دماء مروان والآخرين بـلا ثمن."

وقعت كلمات كيان كـالماء البارد على الرؤوس المشتعلة، وأعادت لـلفرقة توازنها بـفعل منطقه الصارم الحاسم. ومع نهاية حديثه، بدأت خيوط الصباح الأولى تتسلل بـاستحياء عبر الأفق، لـتكشف عن وجوه شاحبة تملأها الأتربة والدماء، لـكنها هذه المرة كانت تحمل تقاطيع أكثر قسوة وعناداً، مستعدة لـمواجهة ضوء النهار بـأعين لا تعرف النوم.

2026/06/24 · 7 مشاهدة · 1244 كلمة
نادي الروايات - 2026