مع اكتمال شروق الشمس، لم يمنحهم النهار الدفء المأمول، بل كشف بـوضوح عن الوجوه الشاحبة والعيون الغائرة التي لم تذق طعم النوم. غادرت الفرقة السابعة التل الصخري بـخطى مثقلة بـالتحذير، وهبطت مجدداً نحو الجحيم الأخضر، مستهدفة عمق الأدغال الكثيفة حـيث الرطوبة الخانقة والظلال الممتدة بـلا نهاية، حـيث تحجب المظلة الشجرية الضخمة أشعة الشمس لـتحول النهار إلى غسق دائم يعمّق من وحشة المكان.

تغيرت ملامح التكتيك الميداني بـالكامل بـإيعاز من المعلم؛ فـبات التقدم أبطأ وأكثر حذراً من أي وقت مضى. لم يعد السحرة يحتفظون بـالمانا لـلحظات الحسم فقط، بل تناوبوا بـانتظام على إطلاق نبضات كاشفة خفيفة، وهي موجات مانا رادارية تمشط الحشائش الطويلة والشجيرات المتشابكة قَبْل أن تطأها أقدام المحاربين بـخطوة واحدة. كان هذا الإجراء يستنزف طاقتهم بـبطء، لـكنه كان الثمن الإجباري لـتجنب لسعة غادرة أخرى من ثعابين السوط.

ولكن الأدغال العميقة كانت تخفي ما هو أعتى وأكثر شراسة. فـمع التوغل لـبضعة أميال داخل هذا الخط الأخضر الكثيف، بدأت الفرقة تواجه هجمات متفرقة ومباغتة من وحوش برية مختلفة الأشكال والقدرات، وكأن الغابة بدأت تستشعر جسارتهم وترسل دفاعاتها لـسحقهم.

انطلقت الشرارة الأولى عندما اهتزت الجذوع الميتة بـعنف، واندفعت نحوهم مجموعة من «سحالي المستنقعات قاطعة الأطراف» . كانت زواحف رمادية ضخمة يتجاوز طول الواحدة منها المترين، وتملك قدرة عالية على التمويه بـحيث تتلون بـلون الطحالب واللحاء الجاف، والأخطر من ذلك أنها كانت مسلحة بـفكوك منشارية مرعبة قادرة على قضم الحديد والدروع بـضغطة واحدة.

"هجوم جهة اليمين! تثبيت الخطوط ولا تسمحوا لها بـتشتيت التشكيل!".. صاح أحد الحراس المخضرمين وهو يتقدم بـخطوة واسعة ويرفع درعه الحديدي لـيصد اندفاع سحلية ضخمة ارتطمت بالدرع بـقوة مرعبة أحدثت رنيناً مدوّياً، مما جعله يتراجع لـلخلف بـضع سنتيمترات وغرقت قدماه في الطين الرطب.

دارت مناوشات سريعة ودموية بـين الأشجار المتشابكة والسرخسيات العالية. كان ضيق المساحة وكثافة الجذوع يمنعان السحرة من إطلاق تعاويذ واسعة المدى أو كرات نار متفجرة خوفاً من إحراق زملائهم أو إشعال الأدغال بـأكملها ومحاصرة أنفسهم؛ لذا، اعتمد القتال بـالكامل على مهارة فئة التعزيز وقوة السيوف الفولاذية الجديدة التي استعاروها بـالأمس.

التحم رائد بـشجاعة مع أحد تلك الوحوش، مشحذاً المانا الخاصة به نحو نصل سيفه، وموجهاً طعنة مانا متفجرة أصابت عين السحلية بـدقة لـيجبرها على التراجع والاضطراب، بـينما استغلت سديم تلك الفجوة وأطلقت سهمين متتاليين بـقوسها المشحون، لـيخترقا رقبة كاسر آخر ويثبتا رأسه بـالأرض بـقوة.

وبـالرغم من اليقظة العالية والتنسيق، إلا أن ضريبة الدم لم تتوقف في هذا المحيط الغادر؛ فـأثناء الصدام والكر والفر، تمكنت إحدى السحالي الذكية من الالتفاف بـسرعة عبر ظل شجرة شاهقة، واخترقت الجانب الأيسر لـلتشكيل بـاندفاع لولبي، ومزقت بـمخالبها الطويلة الحادة ذراع أحد الطلاب من القرى. سقط الطالب على ركبتيه صارخاً من شدة الألم والدم يتدفق من كتفه بـغزارة، وقَبْل أن تجهز عليه السحلية، تدخل المعلم بـقوة مستخدماً سيفه العريض لـيفصل رأس الوحش بـضربة واحدة حاسمة.

وفي ذات الوقت، وفي زاوية أخرى من المعركة، أصيب حارس نظامي بـكسر في أضلاعه بـسبب ضربة ذيل عنيفة ومباغتة من وحش مدرع فاجأهم من بـين الأعشاب بـعد أن تفادى نبضة الكشف السحرية بـذكاء.

وسط هذه الفوضى والمناوشات المتفرقة، كان كيان يتحرك كـالظل تماماً بـين الفراغات، مستغلاً خفة درعه الجديد وهدوء روعه الصارم؛ فـلم يكن يندفع لـلهجوم بـاندفاع عاطفي أو رغبة في الاستعراض، بل كانت عيناه تلاحقان النمط الحركي لـلزواحف. كان ينتظر بـصبر وثبات اللحظة الدقيقة التي ينكشف فيها بطن الوحش أو رقبته أثناء اندفاعه نحو بقية الطلاب، لـيمرر نصل سيفه بـزاوية مائلة وطعنة واحدة نافذة تستغل قوة اندفاع الكاسر نفسه لـتخترق دماغه وتنهي خطره بـأقل مجهود ممكن وبـلا ضوضاء.

انتهت الهجمات المتفرقة بـعد دقائق من القتال العنيف، وبـمقتل جميع الوحوش المهاجمة التي تناثرت جثثها الرمادية الضخمة وسط برك من الدماء اللزجة، لـكن المعركة خلفت إصابات جديدة وجروحاً غائرة في صفوف الفرقة المنهكة. وقف الجميع وسط الأنفاس المتلاحقة ورائحة الدم التي بدأت تجذب حشرات الغابة الطفيلية، وأسرعت نور بـتعقيم جرح الطالب المصاب وتثبيت ذراعه بـأربطة ضاغطة بـينما تنهد المعلم بـثقل، مدركين جميعاً أن الأدغال بدأت تبتلعهم بـتدريج، وأن عمق هذه البرية ما زال يخبئ المفاجآت الأقسى والأشد فظاعة في الساعات القادمة.

أجبروا أجسادهم المتعبة على التحرك مجدداً، فـالتوقف في بقعة تفوح منها رائحة دماء سحالي المستنقعات الطازجة كان بـمثابة دعوة مفتوحة لـكل مفترسات الأدغال التي تقتفي أثر الدماء. واصلت الفرقة السابعة سيرها بـخطى حذرة ومتثاقلة، مخترقة ممرات شجرية تزداد ضيقاً وعتمة بـمرور الوقت، حـيث بدأت الرطوبة تتصاعد من الأرض كـبخار خانق يحبس الأنفاس داخل الدروع الحديدية الثقيلة، ويزيد من إنهاك الطلاب الذين لم ينالوا قسطاً من الراحة منذ الليلة الماضية.

​استمر التقدم لـساعتين كاملتين بـلا انقطاع، حـيث كان الصمت هو سيد الموقف، والكل يترقب اللسعة القادمة بـخوف مكتوم. وفجأة، بدأت الطبيعة الخخضراء لـلأدغال تتغير بـشكل مريب ومفاجئ؛ تراجعت الأشجار العملاقة قَلِيلاً لـتحل محلها تلال طينية منخفضة متناثرة على مساحات شاسعة، مـليئة بـالفتحات والأنفاق الضيقة المحفورة بـعشوائية تامة في كتل الطين والصخور. كانت هناك عظام حيوانات برية ضخمة نظيفة تَمَامّاً من اللحم ومتناثرة في كل مكان كـأنها شواهد قبور، وانبعثت في الأجواء رائحة عفونة حادة جِدّاً لـفضلات وقاذورات تزكم الأنوف وتزحف نحو الحناجر بـثقل.

​أشار المعلم بـيده لـلتوقف فَوْرّاً، وتراجع الحراس خطوة لـلخلف بـتلقائية وهم يشدون قبضاتهم على مقابض الأسلحة بـأصابع متصلبة. لم تكن هناك حاجة لـنبضات المانا الكاشفة هذه المرة؛ فـقد ظهرت الحقيقة عارية وبـأبشع صورها أمام أعينهم بـمجرد النظر إلى تلك التلال الحجرية والطينية المتآكلة التي بدأت تتحرك بـحياة خفية غريبة.

​لقد وصلوا إلى جوف «جحر عفاريت الجوبلن».

​لم يكن الجوبلن بـمفرده وحشاً قوِيّاً بـأي معيار قتالي؛ فـتلك المخلوقات الخضراء الضئيلة، بـآذانها الطويلة المدببة وأجسادها الهزيلة المقوسة ذات الجلد الخشن، لا تملك مانا قتالية عالية، وأسلحتها غالباً ما تكون خناجر عظمية صدئة أو هراوات خشبية بدائية مدببة بـالحجارة. لـكن خطورة هذا الكاسر لم تكن تكمن أَبَدّاً في قوته الفردية أو مهارته في استخدام النصل، بل في شيء آخر كابوسي مرعب: الأعداد المهولة.

​فـفي عالم البرية المظلم، لا تعيش عفاريت الجوبلن في مجموعات صغيرة أو أسراب متفرقة، بل تقدر أعداد تجمعاتهم عاطِلّاً بـالآلاف في المستعمرة الواحدة. يتناسلون بـسرعة جنونية كـالحشرات، ويتحركون كـأمواج جراد أخضر لا تبقي ولا تذر، مستخدمين تكتيك الإغراق العددي بـشكل مرعب لـسحق أي خصم مهما بلغت رتبته بـتوجيه مئات الطعنات في آن واحد ومن كل الزوايا، حـيث يغطون جسد الضحية بـأجسادهم الصغيرة حتى يسقط جثة هامدة تحت ثقلهم.

​ومن بـين الفتحات المظلمة لـلأنفاق المنتشرة كـقرص العسل، بدأت تظهر مئات، بل آلاف الأعين الصفراء الصغيرة والمتوهجة بـخبث دفين. تصاعدت في أرجاء المكان قعقعة أسنان مقززة تضرب العظام، وضحكات هزلية حادة ومتقطعة تتردد بـين التلال كـأنها صدى الموت الساخر الذي يحتفل بـوصول وليمته الجديدة.

​"تباً.. هذا ليس مجرد جحر عابر على أطراف الغابة، هذه مستعمرة أم كاملة!".. همس رائد بـصوت متحشرج والعرَق البارد يتصبب على جبينه وهو يرى الرؤوس الخضراء القبيحة تبدأ بـالخروج والزحف من جوف الأرض كـالنمل الثائر، مستشعرة وجود اللحم البشري الطازج الذي دخل حماها بـأقدامه.

​ضاق حِمى عيني كيان وهو يقيس بـنظراته الباردة أبعاد المنطقة، والمداخل المتعددة لـلأنفاق، والمسافات الفاصلة بـين التلال. لقد أدرك بـعقله وبـلمحة عين أن أي صدام جبهوي هنا يعني الفناء الحتمي لـلفرقة بـأكملها؛ فـالمانا التي يمتلكونها سـتنفد، والأجساد سـتكل بـسبب الإنهاك البدني أمام هذا المد البشري الأخضر الذي لا ينتهي. ثبت قدمه بـهدوء حذر على الأرض الطينية، وضغط على مقبض سيفه الفولاذي وهو يراقب أول موجة من الجوبلن وهي تشهر خناجرها العظمية وتستعد لـلانقضاض بـشكل جنوني، منتظراً بـفارغ الصبر أمر المعلم المشرف لـمعرفة ما إذا كانت وجهتهم القادمة هي القتال المستميت لـشق طريق خارجي، أم المناورة السريعة لـتجنب السقوط في هذا السيل القاتل.

رغم أن أمواج الجوبلن الخضراء كانت تتلمظ بـجوع خلف التلال الطينية، إلا أن المعلم المشرف لم يفقد رباطة جأشه العسكرية. رفع يده بـإشارة خفيضة تأمر الجميع بـالانبطاح خلف شجيرات السرخسيات العالية والكتل الصخرية القريبة، حـيث التفت نحوهم بـملامح صلبة وهمس: "الاندفاع الآن انتحار.. علينا دراسة هذه المنطقة وفهم جغرافية جحرهم قَبْل أن نخطو خطوة واحدة."

​وبـالفعل، بدأت الفرقة بـالتحرك بـتنسيق حذر لـجمع المعلومات؛ فـبينما تولى الحراس مراقبة الأعين المتوهجة في الظلام لـتوفير غطاء حماية، انبرى كيان بـعقله الراصد، مستعيناً بـالموجات الكاشفة الخفيفة التي كان السحرة يطلقونها بـحذر، لـتحديد المداخل والمسارات المؤدية إلى قلب هذه المستعمرة القذرة.

​بـعد دقائق من الفحص الدقيق والترقب المحبوس الأنفاس، اتضحت الخريطة الميدانية لـلجحر؛ فـقد تبين أن هناك ثلاثة مداخل رئيسية وضخمة تؤدي مباشرة إلى المعسكر الداخلي ومستودع المستعمرة الأم. كانت هذه المداخل محفورة بـعناية تحت جذوع أشجار ميتة، وتتدفق منها أعداد العفاريت بـاستمرار كـأنها شرايين تغذي جسد الكيان الأخضر القابع تحت الأرض.

​انزوى أعضاء الفرقة السابعة في بقعة منخفضة ومستورة لـتدور بـينهم مناقشات حادة ومصيرية حول الخطوة القادمة. كانت الأنفاس متلاحقة، والانقسام بـين الخوف والرغبة في النجاة من مقصلة القوانين يملأ الصدور الشابة.

​"الهجوم على ثلاثة مداخل دفعة واحدة ضرب من الجنون!".. قالت نور بـصوت خفيض ممتلئ بـالرعب، وتابعت: "أعدادهم تتزايد كل دقيقة، وإذا حوصرنا داخل أحد تلك الأنفاق، فـسندفن أحياء."

​رد رائد بـنبرة حازمة وهو يضغط على مقبض سيفه: "ولكن التراجع الآن له ثمن باهظ جِدّاً! لقد فقدنا تسعة من رفاقنا وحراسنا بـالأمس.. إن عدنا إلى المدينة بـأيدي فارغة وبـتقرير يملأه الفشل والانسحاب، فـسيعتبرنا معسكر الألف فرقة عاجزة. المدينة لا تهتم بـتضحياتنا ولا تبالي بـمن مات أو عاش، هدفها الوحيد والمن من الحصانة هو حماية حدودها وتأمين أسوارها بـأي ثمن. إن لم نعد بـإنجاز حقيقي يثبت أننا قمنا بـتأمين هذا القطاع، فـسنتحول إلى مجرد أرقام فاشلة يتم استبدالها فَوْرّاً."

​أيد أحد الحراس كلام رائد قائلاً: "رائد على حق.. الأوامر العسكرية الصادرة لـنا واضحة، والانسحاب بـدون تمشيط بؤرة رئيسية تهدد أمن الأسوار سـيعرضنا لـلمحاكمة بـسبب الفشل في تنفيذ الأوامر. لكي نعود إلى المدينة بـشكل المنتصر ونضمن عدم طردنا، علينا أن ننفذ المهمة بـنجاح ونمحو هذا التهديد القريب من الحدود."

​التفتت الوجوه نحو كيان، الذي كان يراقب المداخل الثلاثة بـعينين باردتين كـالجليد. قال بـهدوء تام: "التراجع يضمن النجاة المؤقتة لـكنه ينهي وجودنا في الأكاديمية، والهجوم العشوائي يضمن الموت السريع. لكي نعود منتصرين ومنفذين لـلأوامر بـأقل الخسائر ونرضي قادة المدينة الذين لا يرحمون الفاشلين، علينا استغلال هذه المداخل الثلاثة لـصالحنا.. لا أن ندخل فيها بـلا خطة، بل بـتكتيك يحول أعدادهم المهولة إلى نقطة ضعفهم."

​ساد الصمت بـين الأعضاء، وبدأت ملامح الخطة التكتيكية ترتسم في عقل المعلم المشرف الذي نظر إلى كيان بـإعجاب مكتوم؛ فـقرار البقاء قد اتخذ بـالفعل، وثمن تأمين الحدود سـيُكتب بـحد السيوف في قلب جحر العفاريت

2026/06/24 · 4 مشاهدة · 1583 كلمة
نادي الروايات - 2026