بـعد أخذ ورد، وتبادل حاد ومحتد لـلآراء بـين الطلاب والحراس حول أفضل طرق الهجوم بـدون السقوط في فخ الإغراق العددي الكابوسي، تقدم المعلم المشرف نحو منتصف حلقة النقاش وهو يغرس نصل سيفه العريض في الأرض بـحسم أطاح بـكل الهمسات الجانبية. التفتت الأنظار الشاحبة والمجهدة إليه بـانتظار القرار النهائي الذي سـيحدد مصير الفرقة السابعة بـالكامل في هذه البرية الغادرة.

"يكفي نقاشاً، لقد اتخذ القرار".. قال المعلم بـنبرة خفيضة ولكنها قاطعة هبطت كـالمطرقة، وتابع وهو ينظر نحو كيان بـإيماءة تقدير صامتة تعترف بـذكائه التحليلي: "الاقتراح التكتيكي لـكيان هو الخيار الوحيد الذي يضمن لـنا تحقيق هدف المدينة وحماية رقابنا من مقصلة الفشل أو الإقصاء من الأكاديمية. لن ندخل بـأنفسنا إلى جحورهم المظلمة لـنُذبح بـدون مساحة لـلمناورة، بل سـنجبر جحورهم على قذفهم نحو نيراننا وسيوفنا بـشروطنا وتحت خطتنا نحن."

التف الجميع بـأجساد متلاصقة حول المعلم وهو يرسم بـطرف خنجره الحاد مخططاً مبسطاً على التراب الرطب لـلمداخل الثلاثة المكتشفة، وبدأ بـشرح تكتيك الحصار والمباغتة بـصوت خفيض: "خطتنا تعتمد بـالكامل على شل حركتهم العشوائية وتقليص خياراتهم بـنسبة ثلثين. سـنقوم بـإغلاق مدخلين من المداخل الثلاثة بـشكل محكم بـاستخدام الكتل الصخرية والحجارة الضخمة، لـنترك منفذاً واحداً فقط مفتوحاً لـيكون بـمثابة عنق الزجاجة الضيق الذي تتدفق منه أعدادهم المهولة بـشكل مجزأ، طابوراً بـعد طابور، مما يتيح لـنا السيطرة عليهم بـسهولة وبـأقل استهلاك لـلمانا."

أصدر المعلم أوامره بـتوزيع المهام بـسرعة جافة وتكتيكية لـتجنب إضاعة أي دقيقة قَبْل أن يكتشف العدو وجودهم؛ فـانقسم الطلاب إلى مجمعات صغيرة متكاملة تحت غطاء حماية من الحراس المخضرمين. وبدأ المحاربون وطلاب فئة التعزيز بـجر ودحرجة الصخور الثقيلة والحجارة الصلبة المتناثرة حول التلال بـأقصى درجات الحذر والهدوء، وقاموا بـرصها وتثبيتها بـقوة مستخدمين قواهم الجسدية المشحونة بـالمانا لـسد فوهات المدخلين المستهدفين بـإغلاق تام ومصمت، لـيضمنوا تماماً عدم خروج أي عفريت منهما بـأي شكل من الأشكال.

وفي ذات الوقت، كانت المجمعات الأخرى تنبري لـتنفيذ الشق الثاني من الخطة بـجمع كميات ضخمة من الأعشاب الجافة والأغصان سريعة الاشتعال المنتشرة على أطراف الأدغال، وتداخلت أصابعهم بـحذر شديد لـقطف نباتات المستنقعات السامة ذات الأوراق العريضة واللزجة، والتي عُرفت بـقدرتها على نفث أبخرة صفراء خانقة ومسببة لـلعمى المؤقت بـمجرد تعرضها لـالحرارة المباشرة.

وبـإشراف مباشر ودقيق من كيان ورائد، قام الطلاب بـلف وتكديس تلك الأعشاب والنباتات السامة بـإحكام شديد لـصنع كرات ضخمة ومصمتة تتجاوز أحجامها طول الطالب الواحد، لـتكون جاهزة لـالعمل.

كانت الخطة التكتيكية تقضي بـوضع هذه الكرات السامة قُرْب المدخل الثالث الذي تُرِك مفتوحاً عن عمد، وإشعال النيران في جوفها، لـيتولى السحرة فَوْرّاً دفع الدخان السام الكثيف بـواسطة تعاويذ وتيارات الهواء بـاتجاه العمق لـيخترق دهاليز الأنفاق الأرضية، مما سـيجبر الجوبلن على الهروب بـذعر شديد والاندفاع بـعشوائية تامة نحو المخرج الوحيد المتبقي، حـيث تنتظرهم نصل السيوف الفولاذية بـالخارج في كمين منظم ومحكم.

كانت الأنفاس محبوسة في الصدور، والقلوب تدق بـعنف كـالطبول بـينما كان الطلاب يحكمون إغلاق المنافذ بـالحجارة ويجهزون فخ الدخان بـصمت قاتل، مدركين أن أي صوت عابر أو ومضة مانا خاطئة قد تنبه آلاف الأعين الصفراء القابعة في جوف التلال الطينية، لـتبدأ المجزرة بـالعكس قَبْل أن يكتمل الطوق بـإحكام.

بـمجرد أن استقرت الصخور الضخمة في فوهات المدخلين المغلقين بـإحكام، وتأكد الحراس بـأنفسهم من سد الثغرات بـالكامل بـحيث لا تسمح حتى لـجرذ بـالمرور، التفت المعلم المشرف نحو بقية أفراد الفرقة بـملامح تجمدت فيها كل مشاعر الرحمة وتحولت إلى صرامة عسكرية بحتة. استل سيفه بـبطء، وومضت مانا زرقاء حادة وباردة حول نصله الفولاذي، لـتكون هذه هي الإشارة الصامتة المنتظرة التي حبست أنفاس الجميع.

​"أشعلوا الفتيل.. وافتحوا بوابات الجحيم عليهم!".. جرت الكلمات من فم المعلم كـالأمر العسكري الصارم الذي لا يملك أحد ترف التفكير فيه.

​بـلا تردد أو تراجع، تقدم السحرة بـأيدٍ ترتجف قَلِيلاً من فرط التوتر لكنها حاسمة، وأطلقوا شرارات نارية مكثفة من أصابعهم نحو كرات الأعشاب والأغصان الجافة والنباتات السامة الضخمة التي تم إعدادها بـعناية. وفي ثوانٍ معدودة، التهمت النيران الجائعة الحشائش، وبدأت الأوراق السامة اللزجة بـالانكماش والتحلل تحت تأثير الحرارة، لـتطلق سحباً كثيفة وخانقة من الدخان الأصفر اللزج الذي يزكم الأنوف بـرائحة الموت الحارقة التي تهاجم الرئتين فَوْرّاً.

​بـاستخدام قواهم الجسدية المشحونة بـالمانا المتدفقة في عروقهم، وبـإشراف ميداني مباشر من رائد وكيان، بدأ طلاب فئة التعزيز بـدحرجة ودفع تلك الكرات المستعرة بـأقصى ما يملكون من قوة ودقة، لـيلقوا بها بـتتابع سريع ومتتالٍ نحو عمق جحر العفاريت من خلال المدخل الثالث المتبقي كـمنفذ وحيد. وما إن استقرت الكرات المشتعلة في جوف النفق المظلم وبدأت تحجب الضوء بـأبخرتها، حتى تقدم سحرة الرياح بـالتناوب بـخطى ثابتة، مطلقين تعاويذ مانا هوائية على شكل تيارات دافعة بـاتجاه الداخل، لـتضخ تلك الأبخرة السامة والخانقة بـقوة وتجبرها على التغلغل بـسرعة فائقة داخل كل التفرعات، والدهاليز، والغرف الأرضية الضيقة لـلمستعمرة الأم بـالكامل.

​ولم يكد يمر بضع قليل من الوقت، حتى بدأت الأرض الطينية تحت أقدامهم بـالاهتزاز بـفعل الفوضى العارمة والذعر المشتعل في الأعماق. تصاعدت من جوف النفق أصوات عواء مكتومة، وصيحات ذعر حادة تتردد بـين الصخور تعكس الاختناق والعمى الفوري الذي أصاب آلاف العفاريت في مخابئها، بـسبب الدخان الأسود والأصفر الذي طاردهم في زوايا أنفاقهم بـلا رحمة وبـلا مفر.

​"تراجعوا فَوْرّاً لـلخلف!.. شكلوا الطوق الدفاعي وتأهبوا لـلحصاد!".. صرخ المعلم بـقوة هزت أرجاء المكان مستنهضاً همم الطلاب بـعنف.

​تراجع السحرة وطلاب الدعم إلى الخلف بـسرعة لـاستعادة أنفاسهم، مفسحين المجال بـالكامل لـمقاتلي الخطوط الأمامية المخضرمين والطلاب الأقوياء. وفي ثوانٍ معدودة بـفعل التدريب الصارم والتنظيم العسكري، تشكل الفريق في خط دفاعي نصف دائرى متلاحم ومحكم يحيط بـفوهة المخرج الوحيد المفتوح؛ حـيث تقدم الحراس النظاميون بـدروعهم الثقيلة لـيشكلوا الجدار الحديدي الأول، وخلفهم مباشرة وقف رائد بـسيفه المشحون وسديم بـقوسها المتأهب وبقية المقاتلين بـأسلحة مستعدة بـالكامل لـبذل كل قطرة مانا، بـينما اتخذ كيان موقعه الستراتيجي بـهدوء بـين الظلال على الجانب الأيمن كـصياد محترف يترقب خروج طريدته بـأعين باردة لا تعرف الوجل.

​كانت الأسلحة تهتز طَفِيفّاً في القبضات المشدودة، والعيون مثبتة بـرعب وعناد نحو فوهة النفق التي بدأت تقذف بـالفعل أولى دفعات العفاريت الخضراء الهاربة بـجنون لـالتقاط الأنفاس والنجاة من الموت اختناقاً، مستعدة لـبدء معركة حصاد دموية طاحنة لا مجال فيها لـأي خطأ أو تراجع.

2026/06/26 · 6 مشاهدة · 919 كلمة
نادي الروايات - 2026