لم يمنحهم المد الأخضر وقتاً لـالتقاط الأنفاس؛ فـبمجرد أن بلغت الأبخرة السامة ذروة تغلغلها في الأعماق، اندفعت الدفعة الأولى من عفاريت الجوبلن خارج فوهة النفق كـقذائف حية. كانت أجسادهم الخضراء الصغيرة ملطخة بـالرماد، وعيونهم الصفراء جاحظة بـفعل الاختناق والعمى المؤقت، لـكن الخوف من الموت داخل جحرهم المظلم حوّلهم إلى كائنات انتحارية لا تبالي بـشيء سوى الاندفاع بـجنون نحو أي مجسم يظهر أمامها.
"حافظوا على التشكيل! اضربوا بـلا رحمة!".. دوّى صوت المعلم المشرف مسانداً الجدار الدفاعي الأول.
انطلقت المعركة بـعنفوان مرعب عند فوهة المخرج الوحيد الذي تحول بـالفعل إلى عنق زجاجة دموية. كان الحراس النظاميون يستقبلون اندفاع العفاريت بـدروعهم الثقيلة، لـيصدوا الكتل البشرية الخضراء بـقوة، بـينما كانت سيوف رائد وبقية طلاب فئة التعزيز تحصد الرؤوس والرقاب بـضربات مانا أفقية متلاحقة. ولم تتوقف سديم عن إطلاق سهامها بـسرعة خاطفة، فـكان كل سهم يغادر قوسها يخترق جسد عفريتين أو ثلاثة بـسبب كثافة تجمعهم الرهيبة.
استمر القتال لـبعض الوقت على هذا المنوال الطاحن؛ فـالفرقة السابعة كانت تعمل كـآلة حصد متكاملة، وجثث الجوبلن بدأت تتراكم فوق بعضها البعض لـتشكل سداً إضافياً يعيق تقدم البقية. لـكن المعضلة الرهيبة في قتال الجوبلن بدأت تفرض نفسها بـتدريج؛ فالأعداد كانت تتدفق بـلا نهاية، وكأن جوف الأرض ينبثق بـالوحوش بـدلاً من الحجارة. ومع مرور الدقائق، بدأت الأجساد الشابة تتعب، وخطوط المانا بـداخلهم تشهد إنهاكاً بـسبب الصيانة المستمرة لـلهالات الدفاعية.
وفي ذروة هذا الضغط المتواصل، استغلت مجموعة من العفاريت الأكبر حجماً والأكثر خبثاً تكدس الجثث، ولم يندفعوا لـمواجهة الدروع بـشكل مباشر؛ بل ألقوا بـأجسادهم بـانتحارية تحت الدروع الحديدية، مستخدمين خناجرهم العظمية الصدئة لـطعن أقدام الحراس المكشوفة.
"آآآه!.. سحام بـالأسفل!".. صرخ أحد الحراس النظاميين بـألم وهو يتراجع خطوة بـسبب طعنة غادرة اخترقت كاحله.
هذا التراجع الطفيف كان كل ما تحتاجه أمواج الجوبلن المتربصة؛ فـبسرعة جنونية، ارتقى عشرات العفاريت فوق أجساد زملائهم، وألقوا بـأنفسهم دفعة واحدة فوق الحارس المصاب، ومزقوا عنقه بـأسنانهم وحجارتهم المدببة قَبْل أن يتمكن أحد من إنقاذه. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل اندفعت موجة أخرى بـثقلها العددي المرعب نحو الحارس المجاور له، لـيسقط هو الآخر تحت وطأة الطعنات المتتالية، مخلّفين وراءهم جثتين هامدتين وسط الفوضى.
بـموت الحارسين، انهار التوازن الحديدي لـلخط الأمامي فَوْرّاً، وتوسعت ثغرة خطيرة وواسعة في التشكيل الدفاعي لـلفرقة السابعة. تدفقت مئات العفاريت بـغل عارم عبر هذا الشق، متجاوزين جدار الدروع لـيصبحوا في مواجهة مباشرة مع السحرة وطلاب الدعم في الخلف، لتتحول المواجهة المنظمة في لمحة عين إلى معركة تلاحم وتداخل دموية تهدد بـابتلاع الجميع بـلا رحمة.
لم يكن هناك وقت لـلبكاء على الحارسين؛ فـالمد الأخضر تدفق كـالسيل من خلال الشق المفتوح. صاح رائد بـصوت هائج وهو يندفع بـجسده لـيغطّي جزءاً من الفراغ: "أعيدوا ترتيب الخطوط! سحرة الدعم، تراجعوا لـلخلف فَوْرّاً!"
دارت معركة تلاحم طاحنة بـين ممرات التشكيل الممزق؛ واشتبك الطلاب بـالسيوف والخناجر في قتال شوارع مصغر ضد العفاريت التي نجحت في التسلل. كان كيان يتحرك كـالشفرة بـين الدماء، يقطع رقبة عفريت اندفع نحو نور، ويطيح بـرأس آخر حاول غرس خنجره في ظهر رائد. تقدم المعلم المشرف بـنفسه لـيصبح قلب الدفاع الجديد، مرسلاً ضربات مانا هلالية مرعبة شطرت عشرات العفاريت بـضربة واحدة، محاولاً بـكل قوته إعادة التماسك لـلطوق الدفاعي وسد الثغرة قَبْل أن تتسع أكثر.
نجح الفريق بـالفعل، بـفضل استماتة المحاربين ودماء الحراس، في إعادة بناء تشكيل دفاعي مهتز لـتغطية الفجوة. لـكن هذا السد الجديد كان هشّاً؛ فـالوقت كان يمر كـالدهر، والأعداد المهولة لـلجوبلن لم تكن تتناقص، بل كانت تندفع بـغل أكبر مستغلة إرهاق البشر.
بـدأت علامات الإعياء الشديد تظهر بـوضوح على أجساد الطلاب؛ الأذرع باتت ثقيلة، والأنفاس تصعد كـالحريق من الصدور المجهدة، والأهم من ذلك أن مخزون المانا لدى السحرة والمقاتلين على حد سواء بدأ يشرف على الجفاف التام بـسبب الصيانة المستمرة لـلهالات القتالية بـدون راحة. أصبح التشكيل غير قادر على صد الهجمات بـكفاءة، وبدأت الدروع تهتز وتتراجع سنتيمترات لـلخلف تحت وطأة الضغط العددي المستمر.
أدرك المعلم بـنظرته العسكرية الخبيرة أن الخط الدفاعي سـينهار بـالكامل في غضون دقائق، وأن الاستمرار في هذا الحصاد سـينقلب إلى مجزرة لـلفرقة السابعة بـسبب نفاد الطاقة البدنية والسحرية.
"سحرة الفئة الهجومية.. اتركوا مواقعكم وتراجعوا لـلخلف فَوْرّاً!".. صاح المعلم بـنبرة هزت أرجاء المعركة، وتراجع هو الآخر خطوتين وهو يوجه ضربة قاطعة لـتأمين طريقهم، ثم تابع بـأمر حاسم: "اشحنوا كل ما تبقى لديكم من مانا في تعاويذ التفجير المباشرة.. استهدفوا السقف الصخري لـفوهة المخرج! سـندفن هذا الجحر بـمن فيه!"
تراجع السحرة المنهكون بـسرعة، واجتمعوا خلف جدار الدروع بـوجوه شاحبة وأعين يملأها الإصرار الأخير. بدؤوا بـهمس تعاويذهم بـتزامن سريع، وجمعت أصابعهم المتشابكة آخر قطرات المانا المتبقية في أجسادهم، لـتتوهج الكرات النارية والموجات الانفجارية بـاللون الأحمر والأزرق الداكن فَوْرّاً.
"أطلقوا النار!.. الآن!".. صرخ المعلم.
انطلقت التعاويذ المتفجرة كـالشهب المشتعلة من فوق رؤوس المحاربين، لتصيب بـدقة متناهية الحواف الصخرية والركائز الطينية المحيطة بـالمدخل الثالث المفتوح. أحدث الانفجار دوِيّاً هائلاً اهتزت له أرجاء الأدغال بـأكملها، وتطايرت الشظايا بـينما تفتتت الصخور الشاهقة المحيطة بـالتل، لـتهبط آلاف الأطنان من الحجارة والكتل الصخرية الضخمة دفعة واحدة، سادة فوهة المخرج بـالكامل في لمحة عين، وقاطعة مد العفاريت الأخضر بـجدار صخري أصم لا يمكن اختراقه.