لم يضع كيان وقتاً ثبوتاً لعزيمته وفولاذية قراره؛ ففي الأيام القليلة التالية التي تلت اكتشاف السر المحرم، كان يخرج مع كل فجر شتوي بارد، والضباب لا يزال يعلق بالأرض، ليمشط أودية جبال المانا البيضاء الوعرة وأطراف الغابة بنشاط غير معهود وهمة عالية أثارت دهشة والدته. وبفضل معرفته الطويلة والدقيقة بالمنطقة التي نشأ فيها، استطاع خلال أسبوع واحد من البحث المتواصل جمع العناصر النباتية الستة كاملة وبجودة ممتازة: من فطر الظل المكتمل الأسود، وجذور العشب الفضي المدفونة، إلى طحالب الصخور وزهرة الفجر الجبلية النادرة. كان يعود كل مساء بجيوب ممتلئة، وقام بتجفيف تلك الأعشاب بعناية فائقة وتخزينها في فجوة سرية تحت ألواح الأرضية الخشبية في زاوية الكوخ لضمان عدم تلفها.
لكن المعضلة الكبرى والمستعصية بقيت قائمة أمام أحلامه: مكونات الوحوش الأربعة القاتلة. دم وناب ذئب الغابة، وقلب ومخلب وشق الليل. كان الصبي يعلم يقيناً، بنظرته الواقعية، أن الاقتراب من هذه الكائنات بمفرده وبجسده الضئيل الذي يخلو من طاقة المانا هو بمثابة انتحار محتم، وأن غابة الأمس لقنته درساً لن ينساه في فارق القوة المطلق.
بعد ساعات طويلة من التفكير العميق والجلوس في عتمة الكوخ، لمعت في ذهنه فكرة ذكية قد تخرجه من هذا المأزق دون أن يريق قطرة دم واحدة من جسده. قرر كيان اللجوء إلى "العم عاصم"، صديق والده الراحل المقرب وأوفى المقاتلين له. كان عاصم مستيقظاً قديماً للمانا، ويعيش في بيت خشبي متين عند أطراف القرية، ويُعد في أعين السكان من القلائل الذين يملكون الشجاعة والقدرة الجسدية على مواجهة خطر أعماق الغابة المحرمة وصد هجماتها.
توجه كيان بخطى ثابتة إلى كوخ العم عاصم، وعندما التقاه في الباحة الخارجية وهو يشحذ نصل سيفه الطويل، وقف الصبي بثبات ورباطة جأش تفوق سنه بكثير، وقال بنبرة واضحة: "أيها العم عاصم، جئتك طالباً يد العون والمساعدة في أمر خطير؛ أحتاج منك صيد ذئب غابة واحد ووشق ليل مفترس.. ولا أريد جثتيهما بالكامل، بل أحتاج إلى مكونات محددة وصغيرة منهما فقط."
توقف عاصم عن شحذ سيفه، ونظر إلى الصبي بدهشة عارمة، وتفحص بنيته النحيفة وقامته القصيرة، ثم أطلق ضحكة قصيرة رنت في أرجاء المكان: "صيد؟ وحوش الدرجة الأولى هكذا دفعة واحدة؟ ولماذا يحتاج طفل صغير في عمرك لم يبلغ رشده بعد إلى هذه الوحوش القاتلة والشريرة؟ هل تريد اللعب بأنيابها؟"
ولأن كيان يعلم علم اليقين خطورة كشف سر الكتاب وجلد الوحش المقشور، وأنه لو تسرب الخبر لنبلاء جبال المانا الصفراء لهلكت عائلته، أجاب بذكاء ومكر شديدين صبغهما بملامح الحاجة: "لقد التقيت بتاجر عابر غريب وافد من مدن جبال المانا الصفراء، ووجدته مهتماً بشراء هذه المكونات المحددة لأغراض الطبابة، وقد وعدني في مقابلها بمبلغ محترم من العملات قد ينقذني أنا وأمي من ذل الفقر والجوع. أرجوك يا عمي، في مقابل هذا الصيد الثمين، سأتكفل أنا بجمع وتقطيع الحطب لك ولبيتك مجاناً وبشكل يومي لمدة شهرين كاملين دون توقف أو تقاعس."
صمت عاصم طويلاً، ووضع كفه الخشنة على ذقنه مفكراً. كان العرض في حقيقته مغرياً للغاية؛ فجمع الحطب وتقطيعه في هذا البرد القارس عمل شاق يستهلك وقتاً طويلاً يفضّل المقاتل استغلاله في التأمل. وبالنسبة لمستيقظ مثله، لم تكن المهمة مستحيلة أو بالغة الخطورة؛ فعاصم كان مقاتلاً يتربع راسخاً في الدرجة الثانية المتوسطة (وهي الرتبة الثانية صعوداً من المرتبة الأضعف في عالم المانا المليء بالطبقات). ورغم أن ذئب الغابة ووشق الليل يمثلان كابوساً ورعباً حقيقياً لسكان القرية العاديين، إلا أنهما بالنسبة لمقاتل معزز بمانا الدرجة الثانية ليسا سوى وحوش ضعيفة وسهلة الصيد لا تستغرق مواجهتها بضع دقائق.
"موافق يا كيان، احتراماً وتقديراً لذكرى والدك الشجاع الذي مات يدافع عنا، ولأنني أرى في عينيك رجلاً يعتمد على نفسه ولا يطلب صدقة،" قال عاصم وهو يربت بقوة على كتف الصبي النحيل أحدثت ألما خفيفاً. "انتظرني هنا في المساء غداً، ولا تخبر أحداً من أهل القرية لكي لا يطمعوا في تجارتك."
وفي المساء التالي، مع اختفاء آخر خيوط الشمس خلف قمم الجبال، عاد العم عاصم من رحلته وهو يجر خلف ظهره جثتي الوحشين الضخمتين. وضع القتيلين أرضاً في باحة بيته الخلفية، وقام بعناية فائقة—تحت نظرات كيان المتلهفة وعينيه العسليتين اللتين تكادان تقفزان من مكانهما—باستخراج العناصر المطلوبة بدقة: فنزع دم ذئب الغابة المخثر في وعاء صغير واقتلع نابه الأيمن الحاد الذي يلمع ببريق فضي، ثم شق نصل سيفه صدر الوشق بحركة خبيرة ليستخرج قلبه الأسود الدافئ النابض بالطاقة المتبقية ومخلبه الأمامي الحاد كالشفرة.
سلّم عاصم المكونات الأربعة لكيان داخل صرة قماشية وهو يقول بنبرة تحذيرية حازمة: "خذها يا بني، وتوجه إلى ذلك التاجر وسلّمها له سريعاً لتأخذ مالك قبل أن يغير رأيه. ولا تنسَ عهدنا المقطوع.. أريد حطباً وفيراً يكفيني ويدفئ بيتي طوال أشهر الشتاء القاسية."
"لن أنسى عهدي وفضلك عليَّ أبداً يا عمي، سأكون هنا مع كل صباح،" أجاب كيان وهو يضم الصرة القماشية الثمينة إلى صدره بفرحة عارمة صبغت وجهه الأسمر ببريق الانتصار الأول.
ركض الصبي مسرعاً وجنونياً عائداً إلى كوخه والرياح الشمالية القاسية تصفع وجهه الصغير، لكنه في تلك اللحظة لم يشعر بالبرد أو الصقيع؛ فالعناصر العشرة الأسطورية أصبحت الآن مكتملة ومؤمنة تماماً داخل الكوخ الخشبي المنسي. أغلق الباب خلفه بإحكام، وجلس على الأرض مع والدته ياسمين يطالعان صفحات الكتاب المفتوح، مستعينين بنور الموقد الضئيل، ومستعدين لبدء الخطوة الأخطر: إعداد الترياق المحرم الذي سيفتح مسارات طاقته ويغير مسار حياته إلى الأبد.