رغم أن صدى حفر العفاريت وجنونهم خلف الجدار الصخري المهدم كان يصل إلى مسامعهم كـطنين مريب ومستمر مخترقاً جذوع الأشجار الكثيفة، إلا أن المعلم المشرف أدرك بـعقله العسكري وبـخبرته الميدانية الطويلة بـأن الاندفاع لـلتحرك الآن بـأجساد مستنزفة وقوى خائرة هو انتحار حتمي لا يقل خطورة أَبَدّاً عن البقاء أمام فوهة النفق مباشرة. التفت بـبطء نحو وجوه أفراد الفرقة السابعة التي غطاها السواد، والرماد، والدماء الجافة، وأشار بـيده بـإشارة خفيضة حاسمة أجبرت الجميع على الانبطاح التام والتزام الصمت المطبق.
"سـنأخذ استراحة قسرية هنا لـالتقاط الأنفاس واستعادة المانا".. قال المعلم بـنبرة جافة وهمس حاد اخترق صدورهم، وتكأ بـثقل على نصل سيفه المغروس في التربة لـيتابع بـصرامة لا تعرف اللين: "المهمة التكتيكية التي خرجنا من أجلها من أسوار المدينة غير مكتملة بـعد، وقادة معسكر الألف لا يقبلون التقارير الناقصة، ولا يرحمون من يترك واجبه بـمنتصف الطريق بـسبب التعب. حماية الحدود وتأمين الأسوار من خطر هذا الطوفان الأخضر يتطلبان سحق هذا الوكر بـالكامل من جذوره، ولن نبرح هذه الأدغال الخانقة حتى ننهي ما بدأناه بـأيدينا."
هبطت هذه الكلمات الصارمة على الطلاب كـجرعة من الواقع البارد والقاتم؛ فـلم يكن هناك أي مجال لـلهرب، أو التراجع، أو العودة إلى الديار كـالفاشلين لـنيل عقاب الطرد. انزوى الطلاب والحراس بـين الجذور العملاقة لـلأشجار الميتة والسرخسيات الشاهقة الكثيفة، وبدؤوا بـاستغلال كل دقيقة تمر عليهم في مواجهة الإعياء الجسدي الشديد الذي حل بـأطرافهم، حـيث أخرجوا بـأيدٍ مرتعشة ما تبقى لديهم من مؤن شحيحة وجرعات مياه قليلة لـترطيب حلاوقهم الجافة، بـينما ركز السحرة فَوْرّاً على الدخول في حالة التأمل السريع والعميق، لـإعادة شحن خطوط المانا الجافة في عروقهم ولو بـنسبة ضئيلة تسمح لـهم بـإطلاق تعاويذ قتالية دافعة ومباشرة بـمجرد الالتحام القادم.
كانت خطة المعلم الذكية تعتمد في الأساس على الترقب الستراتيجي الواعي، بـانتظار اللحظة المناسبة لـبدء الاستعداد لـلهجوم مرة أخرى على جوف المستعمرة؛ فـهو يعلم يقيناً بـأن انفجار الدخان السام في الأعماق، واختناق الأنفاق بـأبخرة الأعشاب والسموم اللزجة، يـليه هدم المخرج الرئيسي بـالحجارة والصخور الضخمة، قد بث الرعب، والذعر، والفوضى الشديدة في قلوب العفاريت بـالداخل. هذا الرعب الشديد سـيدفع بـالتأكيد معظم تلك الأعداد المهولة القابعة في الجحر إلى الهروب، والفرار بـجنون عبر السراديب الخلفية العميقة والأنفاق الفرعية المظلمة البعيدة تَمَامّاً عن السطح بـحثاً عن النجاة بـحياتهم من الموت اختناقاً.
بـين الظلال الكثيفة لـلأشجار، كان كيان يجلس صامتاً، يراقب الأفق بـعينين متيقظتين بـالكامل بـالرغم من شدة التعب والإنهاك البدني، يتلمس بـأصابعه بـهدوء حذر نصل سيفه الفولاذي الجديد، مستشعراً نبرات الطبيعة من حوله، بـينما كان رائد يجلس على مقربة منه ويشد الضماد الأبيض حول معصمه بـغل مكتوم وإصرار عنيد على القتال. لقد أدرك الجميع في تلك اللحظات أن جحر الجوبلن بـات بـعد هذه الفوضى العارمة أضعف بـكثير من السابق، وأن خروج وهروب معظم العفاريت نحو الأعماق سـيجعل من الهجوم الخاطف القادم فرصة سانحة وجوهرية لـتطهير البؤرة بـالكامل، وبـأقل خسائر بشرية ممكنة لـلفرقة المتبقية.
ساد الصمت الثقيل والمخيف أجواء المستنقع والأدغال المحيطة بهم، ولم يعد يُسمع سوى حفيف الأوراق بـفعل الهواء، والكل يحبس أنفاسه ويتشرب القوة بـبطء من هذه الهدنة المؤقتة القسيرة، شاحذين أسلحتهم، وعزيمتهم، وإرادتهم الحديدية لـتوجيه الطعنة الأخيرة والقاتلة في قلب المستعمرة الأم قَبْل أن يدركهم ليل الغابة المظلم.
انتهت الهدنة المؤقتة بـمجرد أن أعلن المعلم المشرف بـإشارة كف حازمة وصارمة عن دقات ساعة الصفر. تنفس الطلاب الصعداء بـعد أن استعادت أجسادهم المنهكة جزءاً من عافيتها البدنية، وتدفقت في عروق السحرة قَطَرَاتٍّ جديدة ونقية من المانا، كانت كافية بـالكاد لـخوض جولة قتالية حاسمة وأخيرة لـتقرير مصير الفرقة بـالكامل. تحركت الفرقة السابعة بـأقدام ثابتة ونوايا صلبة وسط حفيف أوراق الشجر، مخترقة السرخسيات العالية والأشجار الكثيفة بـاتجاه التلال الطينية مجدداً، وهم مستعدون بـنفسية مغايرة لـلهبوط مباشرة إلى جوف المستعمرة وتطهيرها بـالكامل من دنس العفاريت.
لـكن قَبْل أن تطأ أقدامهم عتبة المنفذ المهدم، وقَبْل الدخول بـالفعل إلى معسكر العفاريت الداخلي القابع تحت الأرض، تفاجأت الفرقة بـأن الطريق لم يكن خالِياً أو مفروشّاً بـالنجاح كما ظنوا بـعجلة؛ فـقد كانت هناك مقاومة شرسة، وعنيفة، وغير متوقعة تنتظرهم عند أطراف النفق الخارجي. تمثلت هذه المقاومة في الفلول الهاربة من العفاريت من الأعماق بـسبب الاختناق الشديد، والتي كانت لا تزال تتدفق بـذعر وجنون نحو السطح عبر شقوق صخرية ستراتيجية وضيقة قريبة من موقع التل بـالخارج.
"الفلول تندفع بـاتجاهنا من بين الشقوق!.. ثبّتوا الخطوط الدفاعية فَوْرّاً ولا تتراجعوا شِبرّاً واحداً!".. صاح رائد بـأعلى صوته محذراً الجميع، وهو يشهر سيفه الثقيل الذي توهج بـسرعة بـهالة تعزيز ذهبية خفيفة من المانا المتجددة.
لم تكن هذه الفلول الهاربة من الموت اختناقاً تتحرك بـتكتيك عسكري منظم أو بـأوامر قيادية، بل كان يقودها يأس الكائنات البرية الغريزية التي سُدّت في وجوهها سبل النجاة بـالداخل؛ فـاندفعت عشرات العفاريت الخضراء بـأجساد مقوسة، وعيون صفراء محتقنة بـالدماء نتيجة الدخان السام الكثيف، مشهرين هراواتهم الخشبية الثقيلة وخناجرهم العظمية الصدئة بـجنون عارم وبـصراخ يمزق سكون الأدغال. ألقوا بـأنفسهم نحو صفوف الفرقة السابعة بـاندفاع انتحاري رهيب ومباغت، محاولين بـشتى الطرق شق مسار واسع لـلهرب نحو أحضان الغابة الكثيفة بـأي ثمن قَبْل أن يُحاصروا بـين نيران السطح وجحيم الأبخرة القابع في الأعماق.
دارت معركة تلاحم خاطفة، وعنيفة، وحامية الوطيس عند حافة التل قَبْل دخول النفق؛ حـيث اشتبك مقاتلو الخط الأمامي مع تلك الفلول بـشكل مباشر وبـتبادل ضربات سريع جِدّاً لا مجال فيه لـلتفكير المتأني. تقدم المعلم المشرف بـخطوات واثقة وسريعة حاصداً بـنصل سيفه الأزرق ثلاثة عفاريت بـضربة قاطعة واحدة أطاحت بـرؤوسهم، بـينما كان كيان ينسل كـالظل الصامت بـين الصخور المتناثرة والركام، يوجه طعنات دقيقة، وباردة، وقاتلة لـحناجر الجوبلن المستعرة بـالجنون واليأس، مجهضاً بـذلك كل محاولاتهم الخبيثة لـالتسلل وتطويق السحرة وطلاب الدعم القابعين في الخطوط الخلفية.
استبسل الطلاب بـشكل ملحوظ بـفضل قواهم التي استعادوها خلال الاستراحة القصيرة، وأطلقت سديم سيلّاً متتابعاً من السهام السحرية الدقيقة التي اخترقت صدور العفاريت المندفعة من فوق الهضاب الطينية، مما منع تلك الفلول بـشكل حاسم من إحداث أي ثغرة جديدة أو فوضى في التشكيل الدفاعي للفرقة.
استمر قتال الفلول الهاربة لـبعض الوقت وسط صرخات الجوبلن الحادة والمرتعبة، وحفيف السيوف الحادة التي كانت تقطع اللحم الأخضر بـلا هوادة أو رحمة، حـيث صمم جميع أفراد الفرقة على سحق هذه المقاومة الخارجية تَمَامّاً وبـالكامل، لـتأمين ظهر الفرقة بـشكل مطلق قَبْل الإقدام على الخطوة التالية والأكثر خطورة في مهمتهم: الهبوط الفعلي إلى عمق الجحر المظلم لـإتمام أوامر قادة المدينة الصارمة، وتأمين حدود الأسوار بـشكل نهائي لا رجعة فيه.