جلس كيان وحيداً تماماً في وسط الكوخ الخشبي العتيق المنعزل، يلفه سكون الليل الثقيل الذي لا يقطعه سوى عويل الرياح الشمالية في الخارج التي تضرب الجدران المتداعية، وذلك بعد أن نجح بجهد جهيد في إقناع والدته ياسمين بالخلود إلى النوم في الغرفة المجاورة ليريح قلبها المثقل بالقلق والرعب على مصيره. أمام الموقد المشتعل الذي يصارع البرد القارس بآخر جذوع الحطب الشحيحة، رتّب الصبي العناصر العشرة الأسطورية بعناية فائقة ورهبة تسري في أوصاله؛ فصفّ المكونات النباتية الستة المجففة بعناية من جهة، ومكونات الوحوش الأربعة القاتلة والدموية من جهة أخرى، لتبدو كصفقة مع الموت.
أحضر وعاءً فخارياً قديماً ومتصدعاً توارثته العائلة، وبدأ بتنفيذ خطوات الوصفة الخيمائية المحرمة بدقة متناهية كما حفظها من قراءة أمه المتكررة للخوف من الخطأ. أولاً، قام بسحق الأعشاب والنباتات الستة الجافة تماماً حتى تحولت إلى مسحوق ناعم للغاية ذي رائحة نفاذة، أرضية وقوية تملأ الأرجاء. بعد ذلك، وبقلب يرتجف، أضاف قلب وشق الليل المفترس المخفي ومخلبه الأسود الصلب بعد طحنهما بصعوبة بالغة مستخدماً حجراً ثقلاً، ثم سكب فوق المزيج دم ذئب الغابة المخثر القاتم، واستخدم نابه الأيمن الحاد كأداة مقدسة لتحريك الخليط بنسق دائري منتظم وثابت لا ينقطع.
مع كل حركية دائرية للناب، كان المزيج العجيب يتغير لونه بسرعة من الأحمر القاتم والدموي إلى الأرجواني المشع والمضيء ببريق غريب وجذاب، وينبعث منه دفق حراري غير طبيعي يلفح وجه الصبي الأسمر. تدريجياً، تحول الخليط بالكامل إلى مادة طينية لزجة وكثيفة، تتصاعد منها هالة باهتة ومرعبة من الطاقة الوحشية المكبوتة التي تصرخ للتحرر. لقد اكتمل الترياق المحرم، وصار جاهزاً لكسر قواعد الطبيعة.
أخذ كيان نفساً عميقاً وعميقاً لتثبيت دقات قلبه المتسارعة التي كادت تخلع صدره من شدة الإثارة والرعب. خلع معطفه المرقع وقسمه العلوي، وبدأ بيدين مرتجفتين كلياً بأخذ كميات من هذه المادة اللزجة ودهنها ببطء على كامل جسده الضئيل والنحيل. بدأ بذراعيه، ثم صدره، وظهره، وصولاً إلى قدميه وقامته القصيرة المنسية، حتى غطت المادة الأرجوانية المشعة كل إنش من بشرته السمرة، محولة إياه إلى مسخ قادم من عالم آخر.
في الدقائق الأولى الطويلة، لم يحدث شيء يذكر. ساد الصمت أرجاء الكوخ مرة أخرى، وظن كيان لفترة وجيزة خائبة أن الوصفة قد فشلت، وأن الكتاب ما هو إلا خدعة أودت بماله وجهده.
ولكن فجأة... ودون أي سابق إنذار، انفتحت أبواب الجحيم في عروقه وجسده!
اجتاحت جسده موجة ألم حارق، ممزق وغير مسبوق في تاريخ حياته، وكأن آلاف الإبر المشتعلة بالنار الحية تخترق مسام جلده ومفاصله دفعة واحدة وبلا رحمة. كانت المادة اللزجة الأرجوانية تمتص بشراهة طاقة المانا الشحيحة والضعيفة من أجواء جبال المانا البيضاء المحيطة بالكوخ، وتدفعها قسراً، بعنف، وبقوة هائلة ومدمّرة إلى داخل مسارات جسده الراكدة، الضيقة والمغلقة منذ لحظة ولادته.
انقبضت عضلات كيان بشدة مميتة، وجثا على ركبتيه فوق الأرض الخشبية المتربة، ضاغطاً بأسنانه بقوة جنونية على شفتيه حتى سال منها الدم القاني بغزارة لكي لا يطلق صرخة دويّ واحدة قد توقظ أمه وتفطر قلبها المتعب. كانت دماء ذئب الغابة الشرس وقلب الوشق الغدار يصارعان بشراسة وحشية لكسر القيود الطبيعية لجسمه البشري العادي. شعر وعقله يوشكان على الغياب عن الوعي من شدة الانصهار، والتمزق، وإعادة البناء الذي يحدث في أعماق داخله.
استمر هذا العذاب الطويل والوحشي لعدة ساعات دهست روحه، ومع اقتراب تباشير الفجر الأولى، بدأ الألم الحارق يتلاشى تدريجياً وببطء، ليحل محله إحساس غريب، ولطيف بالخفة المفرطة والدفء الشديد يتغلغل عميقاً في عظامه ومفاصله.
انتبه كيان إلى أن المادة الأرجوانية التي كانت تغطي جسده بالكامل قد جفت تماماً وتحولت إلى قشور سوداء متفحمة سقطت وتناثرت على الأرض الخشبية، كاشفة عن بشرة جديدة تبدو أكثر حيوية، نقاءً، وقوة لم يعهدها جسده الضعيف من قبل. وقف الصبي ببطء شديد، ولم يعد يشعر بثقل التعب المضني أو برد الليل القارس للقرية المنسية المعتاد.
أغلق كفه الصغيرة بقوة وعزم، وفجأة، اتسعت عيناه العسليتان بذهول عارم وصدمة لا توصف؛ لقد شعر بوضوح شديد بتيار دافئ، سلس وقوي يتدفق داخل عروقه ومساراته صعوداً وهبوطاً بحرية كاملة ودون أدنى عائق، مستجيباً بدقة متناهية لإرادته ونبضات قلبه المتلهف. التفت نحو الموقد الذي انطفأ ناره منذ فترة طويلة، وحرك يده في الهواء بحركة خاطفة، لتنبعث من أصابعه هالة شفافة وضغط غير مرئي هز أوراق الشجر القريبة من النافذة بقوة، وأحدث دوياً خافتاً رن في أرجاء الكوخ.
لم يعد هناك مجال واحد للشك أو الظن؛ لقد تكسرت القيود الطبقية، وتم إيقاظ قوة المانا الراكدة داخل جسده الصغير بنجاح باهر، ومن قلب جبال المانا البيضاء الأضعف، ولد مستيقظ جديد تماماً بقواعد محرمة وخارجة عن القانون ستقلب موازين العالم!