وقف كيان في وسط الكوخ، يتأمل يديه بنظرات يملؤها الذهول والفخر. التيار الدافئ الذي يسري في عروقه لم يكن مجرد وهم؛ لقد أصبح حقيقة ملموسة تطيع إرادته.
جلس على الأرض الخشبية المتهالكة متربعاً، وأغلق عينيه العسليتين ليركز بكل جوارحه على هذا الشعور الجديد. في هذا العالم، تنقسم قوة المستيقظين في كل جبل من جبال المانا إلى مستويات عدة، وكل مستوى ينقسم بدوره إلى ثلاثة أقسام دقيقة: منخفض، ومتوسط، ومرتفع.
حين تلمس كيان الطاقة المتدفقة في مساراته التي فُتحت قسراً، أدرك أين يقف بالضبط؛ لقد استقر في المستوى الأول المنخفض.
رغم أنه القسم الأقل في سلم القوة، ورغم أن مستيقظاً مثل العم عاصم—الذي يقف في المستوى الثاني المتوسط—يعتبر أقوى منه بمراحل، إلا أن هذه الخطوة بالنسبة لكيان كانت بمثابة معجزة. لقد كسر القاعدة التي تقول إن جبال المانا البيضاء عاجزة عن منح القوة للبشر، وفعل ذلك دون الحاجة لأحجار إيقاظ باهظة الثمن يحتكرها أغنياء المدن وجبال المانا الصفراء.
بينما كان يستكشف طاقته، لاحظ كيان أمراً غريباً؛ المانا التي تتدفق في عروقه لم تكن هادئة أو نقية كباقي البشر، بل كانت تحمل مسحة شرسة وضارية، متأثرة بدم ذئب الغابة وقلب وشق الليل اللذين صُهرا في جسده. شعر وكأن حواسه أصبحت أقوى؛ بات بإمكانه سماع حفيف أوراق الشجر في أطراف الغابة البعيدة، ورؤية تفاصيل الكوخ المظلمة بوضوح أكبر، بل وشعر بخفة غريبة في حركته رغم بنيته الصغيرة وقصر قامته.
انفتح باب الغرفة المجاورة ببطء، وتسللت والدته ياسمين بخطوات قلقة. تجمدت في مكانها وهي تنظر إلى الأرض المليئة بالقشور السوداء المتفحمة، ثم ركزت عينيها على ابنها الذي كان يقف بثبات، يشع ببشرة أكثر حيوية وهالة خفيفة وغير مرئية تحيط به.
"كيان..." همست ياسمين بصوت مرتعش والدموع تترقرق في عينيها. "هل... هل نجحت؟"
ابتسم كيان ابتسامة واسعة، وتقدم نحوها بخطوات سريعة وخفيفة، ثم أمسك يدها وقال بنبرة مليئة بالثقة: "نعم يا أمي، لقد نجحت. أنا الآن مستيقظ في المستوى الأول المنخفض. لم نعد عاجزين بعد اليوم."
أجهشت ياسمين بالبكاء وضمت ابنها الصغير إلى صدرها؛ كانت تبكي فرحاً بنجاته وتحقيقه للمستحيل، وخوفاً في الوقت نفسه من المستقبل الغامض الذي ينتظر طفلاً يحمل سراً قد يقلب العالم رأساً على عقب.
شعر كيان بدفء حضن أمه، وتطلع من فوق كتفها نحو النافذة حيث بدأت الشمس تشرق وتضيء قمم جبال المانا البيضاء. علم الصبي في قرارة نفسه أن هذه ليست سوى البداية، وأن طريق "سليل الوحوش" الطويل نحو القمم السبع الأعلى قد بدأ لتوه. لم يستغرق كيان وقتاً طويلاً للاستغراق في أحلام اليقظة؛ فالجوع لا ينتظر، والمسؤولية الملقاة على عاتقه لا تزال قائمة.
ارتدى معطفه المرقع، وأمسك بسلته الخشبية المعتادة، ثم توجه بخطوات سريعة ونشيطة نحو أطراف الغابة ليجمع الفطر والنباتات البرية كعادته اليومية لتأمين طعام يومهما. لكن هذه المرة، كانت الرحلة مختلفة تماماً؛ فبفضل حواسه الجديدة الناتجة عن بلوغه المستوى الأول المنخفض، كان يتحرك بخفة مذهلة بين الأشجار، ويلتقط حبات الفطر بسرعة ودقة أكبر، وكأن الغابة نفسها أصبحت ترحب به وتكشف له عن أسرارها.
أنهى جمع الطعام في نصف الوقت المعتاد، وعاد مسرعاً إلى الكوخ الخشبي. وضع السلة أمام والدته ياسمين، ثم جلس في زاويته المفضلة وبدأ يفكر بعمق وعيناه العسليتان شاخصتان نحو السقف الخشبي.
"إذا كانت هذه الوصفة الخيميائية المحرمة قد نجحت في إيقاظ مسارات المانا الراكدة وصهرها داخل جسدي..." حدّث كيان نفسه بتساؤل أثار حماسه، "فهل يقتصر مفعولها على الإيقاظ فقط؟ أم أن طبيعتها الشرسة المستمدة من دماء الوحوش يمكنها أيضاً أن تعزز سرعة تجميع وتكثيف المانا داخل عروقي لتسريع ارتقائي في المستويات؟"
كان السؤال يلح عليه بشدة. التفت نحو الوعاء الفخاري، وتذكر أنه عندما أحضر له العم عاصم جثتي الوحشين، كانت كمية الدماء والمكونات وفيرة، وحين خلطها مع النباتات الستة، زادت الكمية عن حاجته؛ مما يعني أنه لا يزال يحتفظ بجزء من تلك المادة الأرجوانية اللزجة مخبأً بعناية في جرة صغيرة تحت لوح خشبي في الأرضية.
لم يتردد كيان كثيراً. اتخذ قراره وحسم أمره؛ سيخوض التجربة مجدداً ليرى إن كان هذا الترياق سيمنحه قفزة جديدة نحو المستوى المتوسط، أم أن جسده سيعجز عن تحمل طاقة الوحوش للمرة الثانية.
أخرج الجرة الصغيرة، وتمدد على الأرض مستعداً لدهن المادة على جسده من جديد، وعقله يترقب ما سيحدث بجوار جبال المانا البيضاء...