مع تباشير الصباح الأولى، امتدت يد كيان السمراء لتمسك بفأس الحطب القديمة الثقيلة. لم يكن لديه وقت ليضيعه؛ فالالتزام بعهده للعم عاصم كان خطوة أساسية لحماية سره. خرج الصبي ذو الاثني عشر عاماً متوجهاً صوب أطراف الغابة، وبدأ يضرب بجسده الضئيل وقامته القصيرة جذوع الأشجار الجافة.

لكن هذه المرة، لم يكن التعب ينهك جسده كما في السابق؛ فالمستوي الأول المنخفض الذي بلغه ضخ في عضلاته قوة جديدة. كانت ضربات الفأس تهبط بدقة وسرعة، وبدا تقطيع الخشب وجمعه أسهل بكثير. ومع حلول الظهيرة، كان قد أنجز كمية من الحطب تفوق ما كان يصنعه في أيام كاملة، ليثبت لنفسه أن طاقة المانا تغير كل شيء.

بعد أن أنهى مهامه اليومية الشاقة ووضع الحطب في مكان آمن، تنحى كيان جانباً تحت ظلال شجرة بلوط عتيقة. جلس متربعاً على الأرض الرطبة وبدأ تدريبات جمع المانا المعتادة. أغمض عينيه العسليتين وحاول سحب الطاقة الشحيحة لجبال المانا البيضاء. لكن الفارق كان مؤلماً؛ فبدون المادة الأرجوانية، بدت المانا وكأنها قطرات شحيحة تنساب ببطء شديد في مساراته، شتان بينها وبين التدفق الأسطوري الذي عادل الجبال الحمراء بثلاثة أضعاف القوة.

فتح كيان عينيه والتفت نحو عمق الغابة المحرمة، وعقله يدور في حلقة مفرغة من التفكير. "المادة جفت تماماً، وأنا بحاجة إليها يومياً لأواصل هذا الارتفاع السريع.. لكن كيف؟"

عاد بذاكرته إلى جثتي ذئب الغابة ووشق الليل اللتين أحضرهما صديق والده. كان كيان يدرك تماماً، بنظرته الواقعية، أن هذه الوحوش—رغم تصنيفها كوحوش ضعيفة أمام مستيقظ من الدرجة الثانية المتوسطة كالعم عاصم—لا تزال أعلى بكثير من مستواه الحالي الأول المنخفض. مواجهتها وجهاً لوجه بمفرده وبجسده الصغير تعني الموت المحتم، فقوته الحالية بالكاد تكفي لتعزيز حواسه وحركته، وليست لخوض معارك دموية ضد مخالب حادة وأنياب ممزقة.

أخذ كيان غصناً صغيراً وبدأ يرسم خطوطاً على التراب، مفكراً بطريقة ذكية وغير مباشرة لجمع المكونات دون القتال. "إذا كان جسدي ضعيفاً، فعقلي يجب أن يكون أقوى. الوحوش تعتمد على غريزتها، والغريزة يمكن التنبؤ بها."

بدأ يضع استراتيجية تعتمد على المكر؛ فكر في استغلال مهارته في جمع النباتات لصنع سموم طبيعية ومخدرة من أعشاب الغابة، وطلاء فخاخ خشبية حادة بها. كما فكر في مراقبة مسارات وموارد المياه التي ترتادها الذئاب والوشاق في الأطراف، ليرى إن كان بإمكانه نصب مكائد تعتمد على السقوط أو الحبال المتينة التي يصنعها من لحاء الشجر المقوى بالمانا. كان بحاجة إلى فخ يقتل أو يشل الحركة تماماً دون أن يضطر للوقوف أمام الوحش.

بينما كان غارقاً في حساباته وتخطيطه، تحركت أذناه بحذر؛ فبفضل حواسه الشرسة المستمدة من دماء الوحوش، التقط صوتاً غريباً يأتي من عمق الأشجار المتشابكة.. صوت أنفاس ثقيلة وخطوات تبتعد عن المعتاد، وكأن هناك من يراقب الصبي الصغير من وراء خط الخطر.

سكنت حركة كيان تماماً، وتراجعت يده عن الغصن الذي يرسم به على التراب. التفَّ ببطء، وعيناه العسليتان تبحثان بحذر بين الشجيرات الكثيفة، ليتفاجأ بثلاثة وجوه مألوفة تخرج من بين الأغصان والضحكات تملأ وجوههم.

لم تكن تلك الأنفاس لوحش كاسر، بل كانت لثلاثة من أصدقائه المقربين في القرية، والذين كانوا يراقبونه بفضول وهو غارق في تفكيره العميق.

"ما الذي تفعله وحدك هنا يا كيان؟ تبدو وكأنك تخطط لغزو الغابة بمفردك!" صاح أحدهم ضاحكاً وهو يربت على كتف كيان الضئيل.

تنفّس كيان الصعداء وأخفى ملامح الجدية سريعاً وراء ابتسامته المعتادة. التف حوله أصدقاؤه، وطلبوا منه بحماس أن يترك الفأس والعمل جانباً ليرافقهم في جولة للتنزه والتجول في سوق القرية النابض بالحركة في هذا الوقت من اليوم. ولأنه كان بحاجة لتصفية ذهنه وإبعاد أي شكوك قد تحوم حول تحركاته الأخيرة، وافق كيان واصطحبهم نحو وسط القرية.

كان السوق بسيطاً، يعكس طبيعة الحياة الشاقة بجوار جبال المانا البيضاء؛ أكشاك خشبية لبيع الفطر البري، والجلود، والأقمشة البالية. وبينما كانوا يسيرون وسط الزحام، تراجع أصدقاء كيان فجأة خطوة إلى الوراء، وخيمت نبرة من الاحترام والمهابة على وجوههم الصاخبة.

على الجانب الآخر من الممر، كان يمر عدد من شيوخ القرية الحكماء، يرتدون عباءات طويلة مطرزة بخيوط باهتة. شعر كيان بوضوح، وبفضل حواسه ومسارات المانا التي استيقظت في جسده، بالضغط المتزن والمستقر الذي ينبعث منهم؛ لقد كانوا مقاتلين راسخين في المستوى الثاني المرتفع. كانت طاقتهم قوية وكافية لحماية أطراف القرية من هجمات الوحوش العادية، وبدت هالتهم مرعبة مقارنة بمستوى كيان الأول المنخفض.

لكن المهابة الحقيقية لم تبدأ إلا عندما تحركت الحشود يمنة ويسرة لتفسح الطريق للرجل الأخطر والأقوى في هذه الأنحاء... زعيم القرية بنفسه.

مرّ الزعيم بخطوات ثقيلة وواثقة، وكان يحيط به هدوء غريب أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة. ركز كيان عينيه العسليتين عليه، وشعر بضغط غير مرئي كاد يحبس أنفاس جسده الصغير؛ إن طاقة الزعيم كانت تقبع في المستوى الثالث المتوسط.

بالنسبة لسكان القرية، يُعد الزعيم بمثابة الحصن المنيع والقمة الأسطورية التي لا تُقهر، والشخص الوحيد القادر على مجابهة قادة وحوش الغابة المحرمة.

وقف كيان وسط أصدقائه يطأطئ رأسه تماشياً مع الأعراف، لكن في أعماق قلبه، كان هناك بريق مختلف تماماً يشتعل. لم يعد يرى هؤلاء القادة كقوى مطلقة لا يمكن الوصول إليها؛ بل أصبح يعلم، بفضل سر الوصفة المحرمة التي تعادل الجبال الحمراء، أن مسألة تخطي هؤلاء الشيوخ والزعيم نفسه... ليست سوى مسألة وقت.

2026/06/13 · 0 مشاهدة · 780 كلمة
نادي الروايات - 2026