الظلام لم يكن ممتداً، بل انقطع دفعة واحدة كشاشة أُطفئت فجأة.
لم يكن هناك نفق من الضوء، ولا صوت إلهي يرحب به، ولا خيارات لتوزيع نقاط القوة. فقط وعيٌ حاد وعنيف عاد ليعمل في جزء من الثانية، يرافقه شهيق حارق ملأ رئتيه بهواء غريب، ثقيل برائحة العفونة والرماد.
فتح عينيه.
الرؤية كانت مشوشة في البداية، لكن جسده استجاب فوراً لغريزة البقاء. كان مستلقياً على أرض طينية باردة، والمطر يهطل بغزارة ليغسل الدماء التي صبغت وجهه. لم يتساءل "أين أنا؟" أو "كيف مت؟". تلك أسئلة رفاهية لا مكان لها عندما تشعر بنصل بارد يقترب من عنقك.
على بعد خطوتين منه، كان هناك رجل ضخم الجثة، يرتدي درعاً جلدياً مهترئاً وملطخاً بالدماء، يحمل سيفاً قصيراً ويقوم بفتش الجثث المتناثرة حوله. كان يقلب جثة شاب صغير، ويبصق بنفاد صبر لأنه لم يجد شيئاً ذا قيمة.
حاول البطل تحريك يده. كانت أصابعه أصغر حجماً، والذراع نحيلة، لا تشبه ذراعه السابقة. إنه في جسد جديد، يبدو في أواخر سن المراهقة، وجسده الحالي يرتدي ملابس رثة ممزقة تخص جنود المشاة المستهلكين—أولئك الذين يُدفع بهم في الخطوط الأمامية ليكونوا مجرد دروع بشرية.
الموقف كان واضحاً كالشمس: معركة انتهت لتوها، وهو أحد الناجين القلائل وسط حقل من الجثث، وهناك "جامع غنائم" يجهز على الأحياء لسرقتهم.
أغلق عينيه نصف إغلاقة، مبقياً على تنفسه بطيئاً وثابتاً. لم يصرخ، ولم يحاول النهوض والهروب، فالهروب بجسد منهك ونحيل أمام رجل مسلح ومستعد هو انتحار محتم. البراغماتية تقتضي شيئاً واحداً: انتظار الفرصة المثالية.
اقتربت الخطوات الثقيلة منه. صوت الطين وهو ينضغط تحت حذاء الرجل كان يقترب.
ثلاث خطوات... خطوتان...
توقف الرجل عند رأسه. انحنى بجسده الضخم، وامتدت يده الخشنة لتمسك بياقة قميص البطل لتقليبه. في تلك اللحظة بالذات، عندما انحنى الرجل وتخلى عن توازنه، وتشتت انتباهه بالبحث عن غنيمة، فكّر البطل ببرود: الآن.
لم تكن هناك مهارة سحرية، ولا وميض ضوئي. كانت مجرد حركة غريزية مدفوعة بذكاء قاتل. استغل البطل وزن الرجل المنحني، واندفع بيده اليمنى التي كانت تختبئ تحت الطين، قابضاً على قطعة حجر مدببة وحادة كان قد حدد موقعها بملمس يده قبل ثوانٍ.
بكل ما يملكه الجسد الجديد من قوة ضئيلة، دفع بالحجر نحو الأعلى، مستهدفاً أضعف نقطة في التشريح البشري والتي لا تحميها الدروع: الحنجرة.
سحق!
اخترق الحجر المدبب نسيج الرقبة الناعم. اتسعت عينا الرجل الضخم بذهول ورعب، وحاول إطلاق صرخة، لكنها تحولت إلى حشرجة دموية مكتومة. تراجع إلى الخلف غريزياً وهو يمسك رقبته التي تنزف بغزارة، مسقطاً سيفه من يده.
البطل لم يضيع جزءاً من الثانية في تأمل مشهد احتضار الرجل أو الشعور بالندم. تدحرج فوراً على الطين، التقط السيف القصير الساقط، واندفع نحو الرجل الذي كان يترنح على ركبتيه. وبحركة أفقية سريعة وحاسمة، مرر النصل على عنق الرجل ليقطع الشريان بالكامل.
سقط الجسد الضخم في الطين، واختلطت دماؤه بمياه المطر.
تنفس البطل ببطء، مهدئاً ضربات قلبه المتسارعة. وقف فوق الجثة، ونظر إلى السيف الملطخ بالدماء في يده. يده كانت ترتجف قليلاً بسبب الأدرينالين والضعف الجسدي، لكن عقله كان بارداً تماماً كالمطر الذي يحيط به.
لم ينظر إلى السماء ليتساءل عن سبب وجوده هنا، بل انحنى فوراً وبدأ يفتش جثة الرجل الذي قتله لتوها. في هذا العالم الجديد، القوة والعتاد هما الفارق بين الحياة والموت.
وجد كيس عملات جلدياً صغيراً، قطعة قماش نظيفة، وخنجراً إضافياً مثبتاً على حزام الرجل. أخذ كل شيء، ثم نزع الحذاء المتين للرجل وارتداه بدلاً من حذائه الممزق، رغم أنه كان واسعاً قليلاً، إلا أنه س يحميه من الطين والحجارة.
مسح السيف بملابس القتيل، ثم غمده في الحزام الجديد الذي استولى عليه.
التفت حوله. كان حقل الجثث يمتد على طول وادٍ ضيق محاط بمرتفعات صخرية. في الأفق، كانت هناك أعمدة دخان تتصاعد من قرية أو معسكر محترق. الرياح حملت إليه أصوات عواء ذئاب، أو ربما كائنات أسوأ من الذئاب، بدأت تقترب مدفوعة برائحة الدماء الطازجة.
"البقاء هنا يعني الموت، والذهاب نحو الدخان قد يعني السقوط في يد الأعداء الذين أبادوا هذا الجيش،" فكّر ببرود وهو يحلل خياراته.
قرر التحرك بمحاذاة المرتفعات الصخرية، مستغلاً الظلال والمطر ليخفي أثره، باحثاً عن مأوى مؤقت ليفهم طبيعة هذا العالم وقوانينه قبل أن يتخذ خطوته القادمة. ووسط خطراته الأولى في هذا الطين، شعر فجأة بوخزة غريبة في مؤخرة رأسه، وكأن شيئاً ما بدأ يستيقظ داخل وعيه...