الارتجاف لم يكن بسبب الخوف، بل كان استجابة فيزيولوجية بحتة من جسد مراهق نحيل يمر بصدمة الأدرينالين بعد عملية قتل أولى ناجحة. المطر لم يتوقف، بل تحول إلى رذاذ كثيف يلتصق بالجلد كغشاء زجاجي بارد.
تحرك البطل بمحاذاة الحافة الصخرية للوادي، حريصاً على ألا يترك آثار أقدام عميقة في الطين، مستغلاً النتوءات الحجرية الصلبة ليمشي عليها. السيف القصير الذي استولى عليه كان يرتطم بفخذه مع كل خطوة، وزنه غير المعتاد يذكره في كل ثانية بأن قواعد اللعبة قد تغيرت بالكامل. لم يعد هناك خلف شاشة، ولا توجد لوحة مفاتيح؛ إنه يختبر الموت والحياة بكل حواسه.
بعد مئتي خطوة تقريباً، اشتدت تلك الوخزة الغريبة في مؤخرة رأسه التي شعر بها لأول مرة وهو يغادر حقل الجثث. تحولت الوخزة من مجرد ألم طفيف إلى شعور بالحرارة، وكأن قطعة معدنية دافئة يتم غرسها ببطء داخل جمجمته. تنفس بعمق، وضغط بأصابعه على مؤخرة عنقه محاولاً السيطرة على الألم. لم يتوقف عن السير، فالتوقف في مكان مكشوف يعني تحوله إلى هدف سهل.
فجأة، انقطعت الرؤية الطبيعية لكسر من الثانية، وحلت محلها خطوط نيون باهتة بلون أخضر فوسفوري، بدأت تتشابك أمام عينيه لتشكل أحرفاً ورموزاً غريبة. لم تكن هذه الرموز تطفو في الهواء، بل كانت تُعرض مباشرة على شبكية عينه، وكأنها جزء من نظامه البصري الجديد.
توقف غريزياً، وظهره ملتصق بالصخر البارد، وراقب ببرود الرموز وهي تترتب لتشكل الكلمات التالية:
[تم استقرار الوعي الوافد... نجاح عملية الدمج العصبية]
[تحليل المضيف الحالي: جسد بشري، ذكر، السن: 16 عاماً. الحالة الفيزيائية: سوء تغذية حاد، إرهاق من الدرجة الثالثة، جروح سطحية متفرقة]
[تحذير: مؤشرات الحيوية منخفضة. الطاقة المتبقية للجسد: 14%]
لم يبتسم، ولم يشعر بالراحة. بالنسبة لشخص يمتلك عقلية براغماتية تجارية، وجود "نظام" (System) ليس هبة إلهية مجانية، بل هو أداة لإدارة الموارد. وإذا كان هناك نظام، فهذا يعني أن هذا العالم محكوم بقوانين صارمة تشبه ألعاب الفيديو، مما يسهل عليه حساب خطواته بدقة رياضية.
"أظهر الواجهة الكاملة،" قالها بصوت منخفض جداً، مجرد همس ابتلعه صوت المطر.
استجاب النظام فوراً، وتغيرت الشاشة لتظهر تفاصيل أكثر دقة:
[الاسم: لا يوجد (لم يتم تسجيل الهوية بعد)]
[المستوى: 0 (فاني)]
[القوة البدنية: 4 / 10]
[الرشاقة: 5 / 10]
[التحمل: 3 / 10]
[الطاقة الروحية / السحرية: مقفلة (تتطلب تفعيل النواة)]
[المهارات: لا يوجد]
[الوظيفة الحالية: جندي مشاة مستهلك (متوفى رسمياً في سجلات الجيش)]
"القوة 4 والتحمل 3..." فكر بمرارة وهو ينظر إلى ذراعيه النحيلتين. "هذا يفسر لماذا كدت أفقد أنفاسي وأنا أطعن رجلاً مستلقياً. هذا الجسد هو حثالة حقل المعركة. إذا واجهت جندياً مدرباً واحداً في معركة وجهاً لوجه، فستكون احتمالية نجاتي أقل من 5%."
تجاهل الأرقام السلبية وركز على الجانب الإيجابي:
متوفى رسمياً في سجلات الجيش
بينما كان يستعرض الواجهة، ظهر سطر جديد وامض باللون الأحمر في أسفل الرؤية:
[مهمة نجاة أولية نشطة: اعثر على مأوى آمن قبل انخفاض الطاقة إلى 5%]
[الوقت المقدر للوصول إلى الحافة الحرجة: 22 دقيقة]
[المكافأة: تفعيل صندوق المؤن الأساسي + فتح خريطة المنطقة المحلية]
[العقوبة في حال الفشل: الموت الفعلي بسبب التوقف العضوي]
"22 دقيقة،" فكر ببرود. الوقت لا يرحم. نظر يميناً ويساراً. المرتفعات الصخرية على يساره كانت تتصاعد ببطء، وتتحول إلى جرف جبلي حاد. المشي نحو القرية المحترقة في الأفق انتحار، لذا فإن الخيار الوحيد المنطقي هو صعود الجرف والبحث عن أي تجويف صخري أو كهف صغير غير مرئي من الأسفل.
بدأ يتسلق ببطء، مستخدماً يديه وقدميه. الحذاء الجديد الواسع الذي سرقه من جامع الغنائم كان يترنح في قدمه، مما جعل التوازن صعباً، لكن النعل المتين كان أفضل بمئات المرات من الأحذية الجلدية المهترئة التي كان يرتديها الجسد سابقاً. في منتصف الصعود، زلقت قدمه وكاد يسقط، لكنه ضغط بأصابعه على نتوء حاد حتى نزفت، مستمداً القوة من غريزة البقاء الباردة التي ترفض الاستسلام.
بعد خمس عشرة دقيقة من الجهد العنيف، حيث تحول تنفسه إلى حشرجة حارقة في صدره، وجد ما يبحث عنه: شق ضيق في الجدار الصخري، يمتد للداخل لمسافة ثلاثة أمتار فقط. المدخل كان مغطى بنباتات برية جافة وبعض الشجيرات الشائكة، مما يجعله مخفياً تماماً عن أي شخص يسير في الوادي الأسفل.
زحف لداخل الشق. المكان كان جافاً نسبياً، ورائحة التراب الساخن طغت على رائحة العفونة التي كانت تلاحقه. استلقى على ظهره، وأنفاسه تتصاعد كالبخار في الهواء البارد.
لم تمر ثوانٍ حتى ومضت الشاشة الخضراء مجدداً:
[تم إنجاز مهمة النجاة الأولية بنجاح]
[تأمين المأوى: تمت المحاذاة بنسبة 100%]
[جاري توزيع المكافآت...]
شعر بوعكة خفيفة في معدته، وفجأة ظهرت أمامه على أرض الكهف الحجرية قطع ملموسة مادية تجسدت من العدم. لم تكن مجرد أوهام رقمية. انحنى ليفحصها بعيون خبيرة تزن قيمة كل شيء.
المكافأة كانت تتكون من:
حصة غذائية عسكرية مركبة: قطعة من مادة تشبه الخبز الجاف الصلب، لكنها مغلفة بورق شمعي غريب.
قنينة ماء صغيرة: مصنوعة من مادة جلدية سميكة تحتوي على سائل شفاف ورائحة خفيفة من الأعشاب.
جرعة شفاء أساسية: زجاجة صغيرة جداً تحتوي على سائل قرمزي لزج.
بدون أي تردد، فتح ورق الشمع وقضم قطعة من الخبز الجاف. كان طعمها سيئاً للغاية، يشبه طعم الطحين المخلوط بالدهن، لكنه استمر في المضغ والبلع بآلية ميكانيكية. هو لا يأكل للمتعة، بل يشحن بطارية هذا الجسد المتهالك. أتبع الخبز بجرعات محددة من الماء.
بمجرد الشبع، لاحظ أن مؤشر الطاقة في النظام بدأ يرتفع ببطء من 6% إلى 18%.
أمسك بالزجاجة القرمزية الصغيرة (جرعة الشفاء). نظر إليها وحللها بذكائه البراغماتي. "الجسد يحتوي على جروح سطحية، لكنه ليس في حالة خطر مميت حالياً. الجرعات السحرية في العوالم البدائية تكون نادرة وباهظة الثمن. استخدامها الآن لعلاج خدوش بسيطة هو سوء إدارة مالي فادح. سأحتفظ بها للحظة التي أكون فيها بين الحياة الموت." خبأ الزجاجة بعناية داخل الكيس الجلدي الصغير الذي سرقه من جامع الغنائم.
"الآن، أظهر المكافأة الثانية: خريطة المنطقة المحلية،" أمر النظام في عقله.
انفتحت خريطة ثلاثية الأبعاد باهتة الضوء أمام وعيه. كانت الخريطة ترسم التضاريس المحيطة به بدقة ملحوظة. رأى النقطة الوميضية التي تمثله داخل الكهف الصغير. ورأى الوادي الأسفل منه، والذي كان يسمى بحسب الخريطة: "وادي العظام الرمادية" .
على بعد كيلومترين إلى الشمال الشرقي، كانت هناك النقطة التي تصدر منها أعمدة الدخان، وتم تحديدها على الخريطة باسم: "قرية أوزور" . وبجانب الاسم، كان هناك وصف قصير مكتوب بخط أحمر صغير:
(تمت إبادتها بواسطة فرقة مشاة النخبة التابعة لإيرل براندون - التطهير الثالث)
"إيرل براندون... التطهير الثالث..." تمتم البطل، وعقله يبدأ في ربط الخيوط التاريخية والسياسية لهذا العالم. "نحن في نظام إقطاعي صارم. الرتب العسكرية والنبلاء يمتلكون سلطة مطلقة هنا. والجيش الذي كنت جزءاً منه وتعرض للإبادة كان على الأرجح جيشاً محلياً متمرداً أو فصيلًا معادياً تم سحقه بلا رحمة."
بينما كان يتأمل الخريطة، لاحظ وجود مسار فرعي ضيق يمر خلف الجبل الذي يختبئ فيه، يتجنب الوادي والقرية المحترقة بالكامل، ويؤدي نحو الجنوب إلى منطقة شاسعة مغطاة باللون الرمادي الداكن مكتوب عليها: "الغابة المحرمة - النطاق الخارجي" .
الغابات في روايات الفانتازيا والواقع دائماً خطيرة، لكنها بالنسبة لشخص ملاحق وبدون هوية هي أفضل مكان للاختباء، وجمع الموارد، والارتقاء في المستوى بعيداً عن أعين النبلاء وجيوشهم المنظمة. الصراعات البشرية حالياً هي الخطر الأكبر عليه؛ فالجنود يمتلكون عقولاً، وإستراتيجيات، وتشكيلات عسكرية، أما الوحوش في الغابة ف حركتها محكومة بالغريزة، والغريزة سهلة التنبؤ والتحليل لمن يملك عقلاً بارداً.
"الخطة القادمة واضحة،" فكر وهو يتكئ على جدار الكهف، مستمعاً إلى صوت المطر الذي بدأ يخف تدريجياً مع اقتراب الليل. "سأرتاح هنا لعدة ساعات حتى يستعيد الجسد قوته الكاملة، ومع بزوغ الفجر، سأتسلل عبر المسار الجنوبي نحو حافة الغابة المحرمة. الهدف الأول هو الوصول إلى المستوى 1 وتفعيل النواة السحرية. القوة البدنية المجردة في هذا العالم لها حدود، والوصول إلى السحر أو القوى غير الطبيعية هو السبيل الوحيد لبناء رأس مال حقيقي."
أغلق واجهة النظام، ووضع يده على مقبض السيف القصير، مبقياً حواسه متيقظة لأي صوت غريب قد يأتي من مدخل الكهف. النوم لم يكن عميقاً، بل كان غفوة حذرة لحيوان مفترس ينتظر فرصته في الظلام. في هذا العالم الجديد، الذي بدأ من رماد معركة منسية، وضع البطل أولى خطواته في معادلة البقاء... وبداية الارتقاء.