4 - الانصهار والتحول الجذري

الظلام داخل جذع الشجرة كان مطبقاً، ورائحة الخشب المتعفن امتزجت برائحة الرطوبة الغابية، مما جعل التنفس عملية واعية تتطلب جهداً. بطلنا جلس في وضعية القرفصاء، ظهره مستند إلى الجدار الداخلي للجذع، وعيناه مثبتتان على النواة الصغيرة في كفه. كان الضوء الخافت المتوهج منها هو المصدر الوحيد للرؤية، يرقص ببطء كأنما ينبض بقلب كائن ميت.

​لم يكن الاندفاع هو أسلوبه. في حياته السابقة – التي يتذكر منها فقط المنطق والقواعد – كان يعلم أن أي مادة غريبة تُدخل إلى الجسد قد تحمل سموماً أو طاقة غير متوافقة. "امتصاص الطاقة" ليست عملية فيزيائية بسيطة؛ إنها عملية دمج كيميائي حيوي مع النواة العصبية للنظام.

​فتح واجهة النظام:

​[الخيار المتاح: تفعيل النواة (دمج مباشر)]

[ملاحظة: النواة "مشوهة"، مما يعني أن احتمالية حدوث آثار جانبية عصبية تبلغ 35%]

[هل ترغب في المتابعة؟]

​ابتسم ببرود. 35% هي نسبة مخاطرة مقبولة في سوق المضاربات، فكيف إذا كانت تتعلق بالبقاء والارتقاء؟ في هذا العالم، عدم المخاطرة هو الخيار الأكثر خطورة.

​"متابعة،" قال بصوت خافت.

​بمجرد أن أعلن قراره، بدأت النواة في كفه تتلاشى. لم تذُب، بل تحولت إلى خيوط من الضوء البارد التي اخترقت جلد راحة يده، وسرت في عروقه كتيار كهربائي حارق. الألم كان مفاجئاً وعنيفاً، كأن عروقه تمتلئ بالزجاج المطحون. ارتجف جسده بقوة، وعض على شفته السفلى حتى سالت الدماء، لكنه لم يصدر صوتاً. الصوت يعني كشف الموقع، وكشف الموقع يعني الموت.

​داخل عقله، كان النظام يعرض بيانات التحول لحظة بلحظة:

​[بدء عملية التوافق العصبية... 10%... 25%...]

[تنبيه: عدم استقرار في تدفق الطاقة الروحية! النظام يقوم بضبط التردد...]

[الجسد يمر بعملية إعادة بناء قسرية للأنسجة العضلية...]

​شعر بتمزق في عضلاته، تلاه إحساس بالبرودة الشديدة التي كانت تعيد ترميم الألياف. كانت هذه "عملية التطور"، وهي المرحلة التي يُصقل فيها الجسد ليتحمل الطاقة السحرية. لم يكن الأمر مريحاً؛ كان أشبه بأن يُصلحك أحدهم بينما أنت لا تزال حياً.

​بعد ساعة بدت كأنها دهر، هدأ الألم. الضوء الخافت الذي كان يسري في عروقه تلاشت حدته، واستقر داخل صدره، وتحديداً في منطقة مركز الطاقة التي يحددها النظام.

​[تمت عملية الدمج بنجاح]

[تم فتح المسار الطاقي الأول]

[تحديث الإحصائيات...]

​نظر إلى الواجهة الجديدة:

​[الاسم: لا يزال غير مسجل]

[المستوى: 1 (المرحلة الابتدائية - تعزيز جسدي)]

[القوة البدنية: 7 / 10 (+3)]

[الرشاقة: 8 / 10 (+3)]

[التحمل: 6 / 10 (+3)]

[القدرة الخاصة: "عين المحلل" (نشطة - تتيح رؤية نقاط الضعف في الكائنات الحية)]

​"عين المحلل..." تمتم وهو يغمض عينيه ويفتحهما. في البداية، لم يلاحظ فرقاً، ثم ركز بصره على جدار الجذع الخشبي. فجأة، ظهر خط أحمر باهت يمتد على طول شق في الخشب. "إنها ليست مجرد رؤية، إنها تحليل هيكلي. يمكنني رؤية نقاط الضعف في أي هيكل، سواء كان حياً أو جماداً."

​هذه المهارة وحدها ترفع من كفاءته القتالية بشكل جنوني. إذا واجه عدواً بشرياً، فلن يضطر للقتال، بل يكفيه أن يرى نقطة الضعف في درعه أو في طريقة وقوفه.

​لكن، لم يكن هذا كل شيء. أحس بجوع شديد، جوع ليس للمواد الغذائية، بل للطاقة. لقد أصبح جسده الآن مثل محرك يحتاج للوقود باستمرار ليحافظ على هذا المستوى.

​"هذا يغير قواعد اللعبة،" فكر بجدية. "أحتاج إلى مصادر طاقة مستمرة. العيش على أكل القوارض أو الوحوش الصغيرة لن يكفي طويلاً. يجب أن أبحث عن نباتات طاقية أو موارد معدنية مشحونة."

​استيقظت الغابة في الخارج. أصوات العواء في الليل أصبحت أكثر قرباً. كانت الغابة المحرمة تنبض بالحياة، وحياة تعني صراعاً دائماً على البقاء.

​قرر البطل الخروج من الجذع. بحركاته الجديدة الأكثر خفة وسرعة، شعر وكأنه خلع عن كاهله ثقلاً. تحرك بين الأشجار، مستخدماً "عين المحلل" بشكل متقطع. كانت الرؤية تستهلك جزءاً من طاقته، لذا كان يستخدمها فقط عند الضرورة.

​فجأة، توقف. أمام عينيه، على بعد عشرين متراً، كان هناك كائن لم يره من قبل: ذئب ضخم، جلده مغطى بطبقة من الطحالب، وعيناه تلمعان بضوء أخضر غامض. كان الذئب يشم الأرض، يبحث عن أثر.

​"عين المحلل."

​ركز بصره على الذئب. ظهرت فوراً نقاط الضعف: نقطة الضعف: العنق الأيسر، تحت القفص الصدري مباشرة.

​لم يتردد. التقط حجراً صغيراً وألقاه في الاتجاه المعاكس للذئب، باتجاه شجيرة كثيفة. عندما التفت الذئب نحو الصوت، اندفع البطل من خلف ظله. لم يكن اندفاعاً متهوراً، بل كان تحركاً صامتاً تماماً كخيال.

​وعندما أصبح على مسافة قفزة واحدة، قفز. لم يستهدف العنق هذه المرة، بل غرز الخنجر في نقطة الضعف تحت القفص الصدري. غاص النصل بعمق، مخترقاً الرئة والقلب.

​لم يصرخ الذئب. سقط على الأرض وهو يرتجف، ثم سكن تماماً.

​[تم القضاء على: ذئب الغابة الطحلبي (مستوى 2)]

[اكتساب خبرة: 120 نقطة]

[الحصول على: نواة وحش مستوى 2]

​تأمل النواة في كفه. كانت أكبر وأكثر بريقاً. "ذئب مستوى 2، وهذا يعني أنني أستطيع صيد كائنات أقوى بكثير مما كنت أتخيل."

​كانت هذه هي البداية الحقيقية. لم يعد مجرد لاجئ ملاحق، بل أصبح صياداً في هذه الغابة. والأهم من ذلك، أنه أدرك شيئاً جوهرياً: في هذا العالم، القوة ليست في العدد أو الحجم، بل في القدرة على فهم القواعد واستغلال الثغرات، سواء في الخصوم أو في النظام نفسه.

​وضع النواة في كيسه، وتطلع نحو أعماق الغابة مرة أخرى. الضباب بدأ ينقشع قليلاً مع بزوغ شمس النهار الحقيقية. "أين تقع هذه الغابة بالضبط، وما هي القوى التي تحكمها؟" هذا السؤال كان يلح عليه. إذا كان هناك "إيرل" في هذا العالم يمتلك جيوشاً تمسح قرى بأكملها، فمن المؤكد أن هناك كيانات أكبر تحكم الغابات والمناطق المحرمة.

​قرر أن يتبع مجرى مائي صغير لاحظه على الخريطة. الأنهار غالباً ما تقود إلى المستوطنات أو إلى مناطق غنية بالموارد.

​بينما كان يسير، بدأ يشعر بوجود طاقة غريبة في الهواء، طاقة تختلف عن طاقة الوحوش. كانت أهدأ، وأكثر تنظيماً. وعندما وصل إلى ضفة النهر، رأى شيئاً جعله يتوقف في مكانه.

​لم تكن هناك وحوش. بدلاً من ذلك، كان هناك هيكل حجري قديم، مغطى بالنباتات المتسلقة، وبداخله نقش غريب يشع بضوء أزرق خافت. كان هذا مكاناً للعبادة أو ربما بقايا حضارة قديمة سادت ثم بادت.

​"هذا المكان ليس طبيعياً،" همس. "النقش... يبدو وكأنه خريطة أو بوابة."

​اقترب ببطء، مستخدماً "عين المحلل" على الهيكل الحجري.

​[تحليل الهيكل: بوابة نقل مفقودة (مستوى 3)]

[حالة: متضررة بنسبة 70%]

[المتطلبات لإعادة التفعيل: 5 نوى وحش من مستوى 3 أو أعلى]

​خمس نوى من مستوى 3؟ هذا هدف بعيد المدى، لكنه هدف يستحق السعي. إذا كانت هذه بوابة نقل، فقد تقوده إلى مكان بعيد عن نفوذ الإيرل، أو ربما إلى كنز مخفي أو منطقة سرية غنية بالموارد.

​البطل جلس أمام البوابة. لم يعد يخطط للبقاء فقط، بل بدأ يخطط للسيطرة. العالم كان يفتح أبوابه أمامه، والنظام كان يتطور، وهو – كشخص لا يعرف الرحمة أو التردد – كان مستعداً لدفع أي ثمن مقابل الوصول إلى القمة.

​سحب الخنجر وبدأ يحفر علامة على الهيكل الحجري. "هذا المكان ملكي الآن."

2026/07/11 · 1 مشاهدة · 1045 كلمة
نادي الروايات - 2026