كان المعسكر الذي سيطر عليه البطل يشتعل ببطء، ألسنة اللهب تلتهم الخيام الجلدية وتطلق في الهواء رائحة احتراق ممزوجة برائحة الدم البارد. وقف البطل وسط الساحة، لا يشعر بالتعب، بل كان وعيه يغلي كمرجل من الأرقام والخطط. لقد انتقل من مجرد "حيوان مطارد" في الغابة إلى "كيان يسيطر على نقطة إستراتيجية".

​نظر إلى نبع الطاقة الذي يملأ الحفرة في وسط خيمة القائد. الضوء الأزرق لم يكن مجرد إشعاع؛ كان نبضاً. كان يشعر بذبذباته تنتقل عبر الأرض إلى باطن قدميه، مما يمنحه إحساساً بالاستقرار الذي لم يعرفه منذ لحظة استيقاظه وسط جثث الوادي.

​إعادة تقييم الموارد

​بدأ البطل بتفقد غنائمه بدقة متناهية. العقل البراغماتي لا يترك شيئاً للصدفة. قام بجمع كل ما تركه المرتزقة خلفهم. أخرج دفتر ملاحظات صغير وجده في حقيبة "بروك". كان مكتوباً فيه بخط رديء أسماء مناطق، وتقديرات لأعداد الوحوش، والأهم من ذلك: جدول زمني لدوريات "فرقة إيرل براندون".

​الخريطة الميدانية: توضح أن المنطقة التي يسيطر عليها ليست معزولة تماماً، بل هي جزء من منطقة نفوذ أوسع تُعرف بـ "أراضي الرماد".

​العملات: جمع حوالي 150 قطعة نحاسية و5 قطع فضية صغيرة، وهو مبلغ قد يشتري له بعض الإمدادات الأساسية إذا وصل إلى قرية أو سوق حدودي.

​الأسلحة: بالإضافة إلى سيفه الذي صقله، وجد قوساً بحالة جيدة، وخمسة عشر سهماً برؤوس معدنية.

​بدأ يضع هذه الموارد في هيكل تنظيمي. "القوة ليست في السيف، القوة في الإمدادات"، همس لنفسه. قرر أن يحول خيمة القائد إلى "غرفة عمليات". أزال الجثث، وطهر المكان، وبدأ بتصميم نظام دفاعي يجمع بين الفخاخ التي طورها بفضل النظام، والحواجز الخشبية التي سيقيمها.

​هندسة التطور

​بينما كان يعمل، لم يتوقف النظام عن التحديث. فتح واجهة النظام ليدرس "مسارات الارتقاء". لقد أصبح الآن في المستوى 2، ولكن المستوى 3 يتطلب "كسر الحاجز الروحي".

​[تحليل كسر الحاجز الروحي]

​المتطلب الأساسي: دمج نواة "وحش مسمى" أو "نواة قديمة".

​المتطلب الثانوي: استقرار تدفق الطاقة داخل المسارات العصبية (تحتاج لتمارين استنزاف).

​المتطلب الثالث: الحصول على مهارة استباقية (Active Skill) متقدمة.

​"وحش مسمى..." تأمل البطل هذا المصطلح. هذا يعني أنه يجب عليه صيد زعيم (Boss) أو كائن يتمتع بذكاء يفوق ذكاء الوحوش العادية. الغابة المحرمة ليست مكاناً للصدف، بل هي هيكلية بيئية منظمة. إذا كان هناك ذئب طحلبي، فهناك بالتأكيد "سيد للذئاب".

​بدأ يخطط لاستدراج هذا "السيد". استخدم الموارد التي استولى عليها، وضع نوى المستوى 1 كطعم في مناطق مفتوحة، ونصب فخاخاً سحرية معقدة. كانت خطته تقوم على تحويل الغابة إلى "مصيدة" عملاقة.

​المونولوج الداخلي

​في هدوء الليل، بينما كان يراقب أعمدة الدخان تتلاشى، بدأ يتساءل عن طبيعة وجوده. هل هو مجرد "لاعب" في لعبة؟ أم أن هذا العالم حقيقي، وكل قرار يتخذه ينهي حياة بشر حقيقيين؟

​لم يكن لديه وقت للندم، لكنه كان يمتلك "المسؤولية". في عالمه السابق، كان يراقب كيف تنهار الأنظمة بسبب سوء الإدارة والتردد. هنا، هو "المدير". قرر ألا يكرر أخطاء الضعفاء. سيجعل من نفسه "قوة" لا يمكن تجاهلها. لم يعد يفكر في كيفية العودة إلى موطنه، بل في كيفية بناء "موطن" يمتلك فيه السلطة المطلقة.

بينما كان يغرق في أفكاره، التقطت حواسه صوتاً غريباً. لم يكن صوت حيوان، ولا صوت رياح. كان صوت "قرع خفيف" على الأرض، منتظم، وكأن شخصاً ما أو شيئاً ما يسير بوقار.

​نظر عبر نافذة الخيمة الممزقة باتجاه الغابة. رأى زوجاً من العيون المضيئة بلون أحمر قاني، ليس كعيون الذئاب، بل كعيون كائن يمتلك إدراكاً عالياً. لم تكن العيون تنظر إليه فحسب، بل كانت "تراقبه" كأنها تعرف مكانه تماماً.

​ومضت واجهة النظام فجأة:

​ [تنبيه: تم رصد طاقة "مستوى 4" في النطاق القريب!]

[خطر وجودي عالٍ! يُنصح بالتراجع الفوري!]

​ابتسم البطل، وقبض على مقبض سيفه ببرودة. "أخيراً... وحش مسمى."

العيون الحمراء في الظلام لم تكن مجرد انعكاس للضوء؛ بل كانت بؤراً للذكاء الحيواني الممزوج بوعيٍ كونيٍّ غريب. البطل لم يتحرك. في لحظات المواجهة مع كائنات متفوقة في القوة والمستوى، فإن الحركة العشوائية تعني الموت المحتم. ثبت جسده كتمثال من صخر، بينما كان عقله يحلل معطيات النظام المتلاحقة:

​ [تحليل الكائن: مبعوث "غابة الصمت" - مستوى 4]

[السمات: سرعة فائقة، التلاعب بالظلال، امتصاص المانا الحيوية]

[تحذير: لا تحاول المواجهة المباشرة. المسافة الآمنة: 20 متراً]

​"مستوى 4..." فكر البطل، وقلبه ينبض بانتظام مذهل رغم الخطر. لم يكن يشعر بالخوف الذي قد يشعر به بشر عادي؛ كان يشعر بـ "الفضول التكتيكي". كان يدرك أن النظام لا يضع هذه التحذيرات عبثاً، لكنه يدرك أيضاً أن الفرص العظيمة تأتي دائماً مغلفة بمخاطر وجودية.

​خرج الكائن من الظلال. لم يكن ذئباً، بل كان مزيجاً مرعباً بين نمرٍ أسود وجسدٍ مغطى بحراشف سوداء تلتصق بالجلد كأنها درع طبيعي. كانت أطرافه تنتهي بمخالب طويلة تلمع بضوء أرجواني. وقف الكائن على بعد عشرين متراً، تماماً عند "المسافة الآمنة" التي حددها النظام. كان يتنفس ببطء، وفي كل مرة يزفر فيها، كان الضباب يزداد كثافة في محيطه.

​أدرك البطل أن هذا الكائن ليس هنا للصدفة. ربما شعر بـ "نبع الطاقة" الذي امتص جزءاً منه، وربما كان حارساً قديماً لهذه الغابة، جاء ليتحقق من "المتسلل" الذي تجرأ على السيطرة على نقطة مركزية.

​بدأ البطل بتفعيل "عين المحلل" بأقصى طاقة ممكنة.

​ [جاري مسح الهدف...]

[الهدف في حالة تأهب قصوى]

[تم كشف نقطة الضعف: ندبة قديمة أسفل الجانب الأيمن من الرقبة - المنطقة الوحيدة التي يضعف فيها تدفق المانا]

​ابتسم البطل ببرود، رغم أنه كان يعلم أن الوصول إلى تلك النقطة في كائن بسرعة الضوء هو أشبه بمحاولة إصابة سهم طائر بإبرة خياطة.

​أمسك البطل بقطعة من الحجر كانت تحت قدمه ورماها بقوة نحو الجانب الآخر من الخيمة، بعيداً عن مكانه. رد فعل الكائن كان لحظياً؛ انقضّت عيناه الحمراوان نحو صوت الحجر، وتشنجت عضلاته استعداداً للهجوم. في تلك اللحظة، لم يهرب البطل، بل قام بحركة معاكسة لكل منطق: اندفع نحو الكائن.

​كان يعلم أن الكائن يتوقع منه الهروب أو التحصن. الاندفاع المباشر كان بمثابة "مقامرة تكتيكية". عندما رأى الكائن هذا المخلوق الصغير يندفع نحوه بجرأة جنونية، بدا للحظة متردداً – وهو التردد الذي كان البطل ينتظره.

​استخدم البطل "جوهر الظل" الذي كان مخبأً في يده، وقذف به في الهواء أمام عيني الكائن. انفجر الجوهر في ومضة أرجوانية قوية، مما أدى إلى تعمية الكائن للحظة.

​في هذه الأجزاء من الثانية، قفز البطل. لم يستهدف الرقبة، بل استخدم سيفه ليضرب الأرض بقوة، مسبباً سحابة من الغبار والتراب التي حجبت الرؤية للحظة، ثم انزلق تحت مخالب الكائن العملاقة. شعر بضغط الهواء يمر فوق رأسه كأنما سيفٌ عملاق يقطعه.

​سقط البطل على الأرض، لكنه لم يتوقف. دار حول نفسه، وغرز الخنجر في النقطة التي حددها النظام، لكن الحراشف كانت أقسى مما توقع. لم يقطع الخنجر الجلد، بل أحدث شرارة من المانا.

​صاح الكائن صرخة تردد صداها في أرجاء الغابة، صرخة جعلت الأشجار تهتز. تراجع الكائن للخلف، عيناه تشتعلان غضباً، وبدأ يفرز مادة سائلة سوداء من جسده بدأت تحرق الأرض حوله.

​أدرك البطل أن الجزء الثاني من خطته قد بدأ، وأن الغابة ليست وحدها في هذه المعركة؛ فالمعسكر الذي كان يظنه ملاذاً أصبح الآن ساحة قتال لزعيم غابة لا يرحم.

المادة السوداء التي أفرزها "مبعوث الغابة" كانت تلتهم الأرض كالحمض، وتتصاعد منها أبخرة سامة جعلت رئتي البطل تحترقان. كان يعلم أن البقاء في محيط هذه المادة لثوانٍ إضافية يعني ذوبان جلده. تراجع للخلف بخطوات واسعة، وعيناه لا تفارقان الكائن.

​النظام أرسل تحذيراً ملحاً:

​ [تنبيه: السم الحيو-كيميائي يمتص الأكسجين من محيطك]

[معدل استهلاك الطاقة البدنية: 300%]

[اقتراح: استخدم الفخاخ المحيطة التي نصبتها مسبقاً!]

​"الفخاخ..." ابتسم البطل رغم الألم. كان قد زرع نوى المستوى 1 في أربعة مواقع حول المعسكر كجزء من خطته الدفاعية. حان وقت تفعيل "حقل الإبادة".

​لم يركض بعيداً، بل ركض نحو المسار الذي حدده مسبقاً. كان الكائن يطارده، قفزاته تمزق الأرض وتقتلع الشجيرات. وصل البطل إلى النقطة "أ" ونقر بقدمه على الأرض، ليفعل الفخ الميكانيكي الذي كان عبارة عن ضغط على سلسلة نوى مترابطة.

انفجار متسلسل!

​لم يكن انفجاراً نارياً فحسب، بل كان إطلاقاً لتيار من المانا المركزة. اهتزت الأرض، وتطايرت الحجارة كشظايا القنابل. الكائن، الذي كان في ذروة اندفاعه، وجد نفسه وسط دوامة من الطاقة التي شلت حركته. كانت هذه هي اللحظة المثالية. استدار البطل، ورفع سيفه الذي بدأ يشع بضوء أزرق متوهج بفضل امتصاصه الجزئي لطاقة المكان.

​لم يهاجم بتهور. استخدم "عين المحلل" مرة أخرى. الندبة على الرقبة لم تعد محمية تماماً؛ الانفجار قد أضعف الحراشف في تلك المنطقة.

​اندفع البطل، ليس كجندي، بل كحاسوب يغلق ثغرة أمنية. في حركة دائرية انسيابية، طعن الهواء في مسار مستقيم، ووصل نصل سيفه إلى تلك النقطة بدقة متناهية. لم يكتفِ بالطعن، بل ضغط على زر المانا في سيفه ليطلق كل الطاقة المخزنة داخل النصل مباشرة إلى داخل جرح الكائن.

صوت تمزق داخلي مروع.

​سقط الكائن، مخالباً الأرض، وحاول التشبث بالحياة، لكن النظام كان قد حسم الأمر:

​ [تم القضاء على: مبعوث "غابة الصمت" (مستوى 4)]

[مكافأة غير مسبوقة: الحصول على "نواة المبعوث النقية"]

[مبروك! تم كسر الحاجز الروحي. الوصول للمستوى 3]

​سقط البطل على ركبتيه، أنفاسه متقطعة، وعضلاته ترتجف من فرط استهلاك الطاقة. نظر إلى جسده؛ كان قد تغير. شعور من القوة الفائقة يسري في عروقه، وكأن حواسه أصبحت قادرة على استشعار حركة النمل على بعد كيلومترات.

​لم ينتظر الاحتفال. وضع يده على النواة التي كانت تلمع بلون أحمر قاني، مخبأً إياها في كيسه الجلدي. الغابة المحرمة حوله بدأت تهتز، وكأنها تدرك أن "الحارس" قد سقط، وأن صياداً جديداً قد وُلد في منطقتها.

​وقف البطل، ونظر إلى جثة الكائن، ثم إلى البوابة في الأفق، ثم إلى المعسكر المحترق. لقد ربح المعركة، لكنه يعرف أن هذا المبعوث لم يكن سوى "رسالة" من شيء أكبر بكثير يسكن أعماق الغابة.

​"فليكن،" قال بصوتٍ خافت مليء بالتحدي. "طالما هناك مستويات للارتقاء، سأصعد فوق كل من يحاول الوقوف في طريقي."

​عاد إلى خيمته، وبدأ يخطط لخطوته التالية. لقد تغيرت المعادلة تماماً. الغابة لم تعد ساحة معركة، بل أصبحت "مصنعاً" لتطويره. غداً، سيبدأ في محاولة فهم "البوابة" باستخدام الطاقة الجديدة التي حصل عليها.

2026/07/11 · 0 مشاهدة · 1529 كلمة
نادي الروايات - 2026