1 - بحر الأنقاض، الجزء الأول

الفصل الأول :بحر الأنقاض

الجزء الأول

أفاقت عيناي فجأة على مشهد غير محبب

رجل عجوز بوجهه المتجهم و عيناه الحادتان, يضع قدمه على بطني و يناديني بصوت غاضب: "إستيقظ أيها الصعلوك"

شعرت بالألم من ضغط قدمه على بطني. هذا المسن هو شخص أعرفه جيدا ,هو العجوز الذي أعيش معه في نفس البيت قبل أشهر قليلة مضت, أو بالأحرى أعيش في الإسطبل المجاور و التابع لمنزله.

إسمه "إدموند" كان شخصية مهيبة و قوية, رغم تجاعيده العميقة وكثرة الندوب الموجودة في مختلف مناطق جسده التي تحكي عن ماضي طويل مليئ بالمشقات و معارك مأساوية, عينيه كانت تلمعان بحكمة و سلطة,وجهه يشع بصلابة و إستقامة تعكس حزما لا يلين. رغم مظهره الهزيل و الهرم بسبب تقدم السن, إلا أنه كما يتبين لي يتمتع بصحة جيدة تكفي لكي يجعلني أتقيأ دما.

لقد توضح في الأخير أنني كنت أسرح في حلم غير مرغوب فيه, أو بمعنى أصح كان كابوسا مرعبا.

تراجع إدموند بخطوات بطيئة إلى الخلف و قال بنبرة متسلطة :

"إلى متى ستظل تشخر كالخنازير؟ إنهض بسرعة و ساعدني في الحقل"

شعرت بإهانة شديدة كالعادة عندما تلقيت هذه الكلمات, احتقن وجهي و احمر, و بدأت أقطب حاجبي بشدة. إرتفع صوتي و أنا أرد بغضب:

_"من الذي تنعته بالخنزير أيها العجوز الخرف"

وضع إدموند إبتسامة صغيرة على وجهه ورد بنبرة هادئة:

_"نعم معك حق لقد أهنت الخنازير عندما شبهتهم بمخلوق عديم الفائدة مثلك, على الأقل نستفيد من لحمها أما أنت فلا"

كدت أن أرد عليه بكل ما أعرف من شتائم وألفاظ بذيئة, و لكنني تذكرت ألم بطني و التعبير الذي صنعه العجوز على وجهه الذي يسبق دائما كل يوم مليئ بالعذاب و المشقات و عرفت بعد ذلك أنني إذا أضفت إهانة واحدة أخرى فلن أرتاح ولو لدقيقة واحدة طيلة اليوم من كثرة الأعمال التي سيضعها على عاتقي

ضممت شفتيّ و رفعت حواجبي قليلا, صنعت إبتسامة ملتوية على وجهي بتعبير ساخر و شعرت بتجعد خفيف عند أنفي يدل على عدم الرضا و قلت على مضض:

_"ايييه! أيها العجوز الخرف كما هو متوقع منك, لديك رد لكل شيئ"

ثم صمت قليلا و تابعت بنبرة خانقة كأنني أفشي أحد أسرار المملكة :

_"أنا أسف …كان كلامي وقحا"

بدا على إدموند أنه عرف ماكان خلف كلماتي , و لكنه رغم ذلك لم يعلق على تصرفي, و

رضيَّ بفوز غير مستحق (في نظري) في هذه المعركة , و لكنه لم ينتصر في الحرب بعد,

إستدار و وجه ظهره نحوي و قال بنبرة مستفزة دون أن ينظر إليَّ:

_"عجيب!لم أكن أعلم أن الخنازير يمكنها الإعتذار"

احتقن وجهي بالدماء حتى أصبح أحمر اللون من الغضب و قلت له:

_"أسحب كلامي أيها العجوز الخرف!!"

إنطلقت بسرعة و مددت قبضتي لأوجهها نحو مؤخرة رأسه, و لكنه فاجأني تحركه السريع و تفاديه لضربتي بدون أن ينظر إليها رفع عكازه لأعلى و لطمني بها في أسفل دقني لكي أفقد توازني , تراجعت بضع خطوات للخلف و لكن و من حيث لا أعلم أحسست بضربة في أسفل قدمي تحديدا عند عضلة السمانة لكي أطرح أرضا فوق كومة قش مختلطة مع روث الأبقار الذي كان يبعث رائحة قوية لن يحتملها إلا شخص قد قضى ليال عديدة مع من وضعها , و هكذا هزمت على يد عجوز في أقل من دقيقة.

رغم الألم والغضب، وجدت نفسي أطرح سؤالًا لم أكن أتوقعه:

_"أيها العجوز الخرف"

إقترب مني بخطوات بطيئة حتى أصبح فوقي تماما و قال بنبرة هادئة تليق بكبر سنه:

_"نعم, ماذا تريد"

_"كم عمرك"

وضع يده على فمه ليكتم سعالا متقطعا من حلقه, و أردف قائلا:

_"في السبعينات من عمري"

_"لا يبدو عليك ذلك, أنت قوي جدا!"

ضحك قليلا و قال:

_"حقا!؟, أظن أنني أهون بأضعاف من ما كنت عليه من قبل"

نظر في عيناي مباشرة و تابع:

_"بل أنت ضعيف جدا "

كنت مستلقيا على الأرض, أشعر بألم حاد في أسفل قدمي. رغم ذلك, شعرت بواجب ملح يدفعني للنهوض. تحملت الألم ودفعت بنفسي لأقف. نظرت إلى الرجل العجوز الذي كان ينتظر ردا مني. فلم أجعله ينتظر كثيرا و قلت:

_"لست ضعيفا , فقط لم أخرج ما لدي بعد"

بعد سماع كلامي تغير تعبير إدموند المرح إلى نظرة جادة تحمل مشاعر تحسر لم أشهد عليه من قبل, وضع يده على كتفي و نطق:

_"إسمع يا فتى لقد صاحبت العديد من الأشخاص الذين صرحوا بنفس الكلام و لكنهم عجزوا عن فعل شيئ ,هل تعرف لماذا؟"

هززت رأسي نافيا, و تابع:

_"لأنهم لم يبذلو جهدا من أجل تحقيق أهدافهم, لأنهم لم يكونوا ملتزمين بما يكفي لتحقيق مبتغاهم, و لأنهم تشبثوا بفكرة أنهم لم يخرجوا ما بجعبتهم بعد لأنهم يؤمنون بأنهم أفضل من نفسهم الحالية,و لكن لأنهم كانوا متخاذلين إنتهى بهم المطاف إلى أن يعيشوا حياة مليئة بالتأسف و الحسرة على الماضي"

أبعد يده عن كتفي ثم نظر ناحية السماء متأملا شروق الشمس بعد ذلك نظر إلي وتابع:

_"القوة تتطلب العمل الجاد و التضحية و الصبر بدون هذه العناصر, ستبقى قوتك المزعومة غير مستغلة و سوف تواجه بعد ذلك شيئا يسمى بالندم"

تفاجأت بخطاب العجوز فلم أتأمل منه هذا الصدق في الكلام طوال المدة التي عرفته فيها, هممم الندم ذكرتني هذه الكلمة بأحداث لا أرغب في إستذكارها, هو إحساس جعلني أعاني في بعض لحظات حياتي, إذا كان هناك مسار في الحياة يُمَكِنُني من خلاله أن أتجنب هذا الشعور, فأنا أريد إتباعه.

سألت إدموند بدون تردد و بنبرة حازمة:

_"هل تشعر الأن بالندم من ماضيك "

ظهر على وجهه علامات تعجب من السؤال و لكنه ضحك قليلا و قال: " لا "

_"أيها العجوز الخرف أرجوك أخبرني, ماهو الشيئ الذي جعلك كذلك"

قضب حاجبيه بغضب و لكنه سرعان ما كتم ذلك و نطق:

_"سليط اللسان كالعادة"

تنهد و تابع: "أظن أن أهم محطات حياتي و التي أيضا جعلتني على ما عليه أنا الأن, كانت عندما عبرت لذلك المكان"

سألت باستغراب: "ذلك المكان؟!"

نظر إلي بحزم و بعينان تعكسان الكثير و قال:

_"بحر الأنقاض"

2024/08/13 · 18 مشاهدة · 911 كلمة
Rod ralla
نادي الروايات - 2026