الجزء الثاني

_"بحر الأنقاض"

بعد أن نطق إدموند بهذه العبارة, أصابتني دهشة و إستغراب, ماهذا المكان؟ لم أسمع به من قبل.

حسنا من الواضح أنه بحر ما, و لكن ماقصة الأنقاض؟ كيف يمكن أن يكون هناك بحر مليئ بالأنقاض؟ هل كان يتحدث عن مكان حقيقي أم أنه كان يستخدم هذا التعبير لوصف شعور ما؟

تساءلت في نفسي, فقررت أن أسئله عن مزيد من التفاصيل:

_"ماذا تقصد ب…."

_"يا سيد إدموند, أين أنت؟"

قبل أن أكمل كلامي سمعنا صوت رجل ما خارج الإسطبل ينادي الرجل العجوز, بعدها بلحظات فتح باب الحظيرة بقوة, دخل رجل في منتصف العمر ضعيف البنية مقارنة مع أقرانه, كان الرجل طويل القامة بشكل لافت للنظر, كانت خطواته تثير إهتزازا خفيفا في الأرضية,يتسم بوجه مشرق و إبتسامة واسعة.كان يحمل كتابا قديما بيده, وتبدو عليه أثار الغبار.نظر الرجل حوله بسرعة,و كأنه يبحث عن شخص ما, إقترب مني ثم وجه حديثه لي قائلا:

_"معذرة و لكن هل رأيت السيد إدموند؟ إننا ننتظره من أجل بدأ يوم الحصاد"

نظرت إليه بإستغراب شديد, إذ كان الرجل العجوز يقف بجانبي تماما.فأجبته بدهشة:

"إنه هنا بقربك, ألم تره؟"

أشرت بأصبعي نحو إدموند, بعدها أفصح عن مكانه:

_"أنا هنا, يا كرافت. إرتدي نظارتك, لم تنساها مجددا, صحيح؟"

ابتسم الرجل بخجل, على ما يبدو أن إسمه "كرافت", و أخرج نظارته من جيبه ليرتديها ثم أومأ برأسه بإمتنان عندما أدرك وجود إدموند.

ضحك كرافت ضحكة هادئة و مكتومة واضعا يده خلف رأسه, قال:

_"أنا أسف يا سيدي, يصبح من الصعب أكثر فأكثر التعود على هذه العدسات"

_"لا بأس, لا بأس, خد وقتك في التأقلم معها, فهي هدية خاصة مني"

يبدو أن كرافت شخص لطيف وأخرق في نفس الوقت, كان هذا انطباعي عنه.

نظر إلي , و قام بانحناءة خفيفة لي, من أجل تحيتي, ثم تكلم:

_"ماذا كنت تفعل هنا يا سيدي, لقد كنا ننتظرك جميعا في الحقل بفارغ الصبر"

ضحك إدموند بتفاخر و قال:

"هل أنا محبوب لتلك الدرجة؟"

اطلع نحوي بسرعة و أبعد نظره بنفس السرعة و تابع:

_"لقد كنت أوقظ فحسب, بعض الماشية الكسولة "

رد عليه كرافت بوجه مشرق و بريئ كالعادة:

_"حقا! كما هو متوقع من سيدي, أنت تهتم لكل شيئ حتى الحيوانات قد تجرعت جزئا من رأفتك"

بدا على وجه الرجل العجوز تعابير رضى و تبجح مما سمعه من مدح.

لذلك قلت بصوت خافت لكنه مسموع :

"إذا كنت تراني كماشية, فيبدو أنك تحتاج للنظارات أكثر من كرافت"

إرتعشت يده قليلا لكي تكوّن ببطء قبضة كانت من الواضح أنها كانت ستتجه مباشرة نحو وجهي و لكنه حاول الحفاظ على هدوئه, لكن تعابير وجهه خانته, حيث إرتسمت على وجهه إبتسامة متكلفة, تشبه تلك التي يبتسمها المرء عندما يعض على ليمونة حامضة و يحاول التظاهر بالإستمتاع, ومن الواضح أيضا أن كرافت لم يسمع إهانتي, سرعان ماتجاهلني إدموند ليضع يده على كتف كرافت وأجبره على أن يستدير ناحية الباب, بدأ في الكلام وهو يتحرك للأمام:

"حسنا هيا بنا, لكي نبدأ الحصاد , لقد تأخرنا كثيرا"

نظر نحوي بنظرة صارمة و تابع بنبرة أمرة:

"أنت أيضا تحرك فلديك عمل مضاعف اليوم"

شعرت بالصدمة, سحقا! في النهاية لم ينفع تملقي له, لماذا؟ لقد ظننت أنني قمت بتلطيف كلامي معه اليوم (مقارنة بالأيام السابقة)

"لماذا؟ ماذا فعلت لأستحق هذا ؟

رد علي بغضب مكبوت:

"كف عن إدعاء البراءة, و تحرك بسرعة"

لقد كانت محاولة يائسة مني للتهرب من العمل و لكنه ضحدها بسرعة,تذكرت موضوع بحر الأنقاض الذي أخبرني عنه, وتركني حائرا بدون أن يشرح لي مقصده لذلك حاولت معرفة المزيد فقلت بحيرة:

"ماذا عن بحر الأنقاض ماذا تقصد بها, لم تشرح شيئا"

أجابني ببرود تام:

"لاحقا, كما أنني لست مجبرا بإخبارك"

في تلك اللحظة تدخل كرافت بنبرة معتذرة:

"هل قاطعت حديثكم"

إبتسم إدموند و قال:

"بالطبع لا,لا تشغل بالك بالأمر, الأن بسرعة لقد تأخرنا لقد أشرقت الشمس بالكامل"

تنهدت طويلا و شعرت بالإحباط,و قلت على مضض:

"حسنا, أيها العجوز الخرف."

ثم بدأنا جميعا في التحرك نحو الحقول, كانت الشمس قد أشرقت بالكامل, تسلط أشعتها الدافئة على حقول القمح الممتدة نحو الأفق.

البيوت كانت تصطف على جانبي الطريق, بواجهاتها المبنية من الحجارة البيضاء و أسطحها المغطاة بالبلاط الطيني الأحمر,كانت نوافذها صغيرة مفتوحة, مما يسمح للهواء النقي و رائحة الخبز الطازج بالتسلل إلى الخارج. رأيت بعض النسوة يقمن بإعداد الإفطار بينما يلهو الأطفال في الشارع و أمام البيوت,توقف إدموند فجأة, و طلب من كرافت مرافقته لشراء بعض الحاجيات في المحل. فسألته عن المحل الذي سيقتانون منه, أجابني وهو يشير بيده:

_"إنه هناك, إنتظر هنا وإذا أردت يمكنك الذهاب قبلنا, المهم أننا سنلحق بك قريبا"

أومئت برأسي و أجبته: "حسنا"

كان يشير إلى محل صغير على زاوية الشارع. كان قديم الطراز, واجهته خشبية باهتة بفعل الزمن, تعلوه لوحة خشبية تحمل صورة منجل و مجرفة مما يدل على أنه متجر للأدوات الزراعية.

دخل إدموند و كرافت إلى المحل, و تركت واقفا في الخارج. من نافذة المحل الكبيرة, رأيت رفوفا مليئة بأشياء تخص المعدات الزراعية من مناجل, أكياس حبوب, كان هناك أيضا حزم من الحبال و ألياف القنب لربط الحزم بعد جمع القمح. بينما كنت أنتظرهم, لفتت انتباهي مجموعة من الأطفال يلعبون أمام أحد البيوت القريبة.

كانوا يركضون ويضحكون, يتقاذفون الكرة و يرسمون على الأرض بأغصان صغيرة.كنت أشعر بشيئ من الغيرة والحسد تجاههم.

"يا لهم من ملاعين محظوظين!" همست. يستمتعون بوقتهم دون التفكير بالعمل الشاق طوال اليوم, و لا يقلقون بشأن إستيقاظهم فجأة بركلة قوية من رجل عجوز متطفل.

2024/08/13 · 10 مشاهدة · 836 كلمة
Rod ralla
نادي الروايات - 2026