رأيت فتاة صغيرة في مثل سني تقريبا بشعر مموج بني مائل قليلا إلى لون الأحمر الداكن تتقاذف الكرة مع صبي أصغر منها, و ضحكتهما كانت تملأ الجو بالفرح . بينما كان هناك طفل أخر يجلس على عتبة البيت يراقبهم بعينين متسعتين و حزينة, و كأنه يتمنى الإنضمام إليهم في أية لحظة, و لكن شيئا ما يمنعه من ذلك.

بينما كنت أفكر في ذلك, شعرت بشيئ يصطدم بقدمي. نظرت إلى الأسفل و رأيت الكرة التي كانوا يتقاذفونها قد تدحرجت نحوي.التقطتها و لمحت تلك الفتاة تهرول نحوي,ابتسمت و مددت لها الكرة : "هاهي, أعتقد أن هذه تخصكم."

إقتربت مني, أخذت الكرة و قالت بعفوية تلائم سنها: "شكرا لك"

نظرت حولي و رأيت الصبي الجالس على عتبة البيت يراقبنا. عندما تلاقت أعيننا, أبعد نظره بسرعة. شعرت بالفضول و سألت الفتاة:

_"لماذا لا يلعب ذلك الصبي معكم؟ يبدو حزينا."

ما إن أكملت كلامي, حتى تغيرت ملامح الفتاة بسرعة. في لحظة واحدة أصبح وجهها مشدودا و إحمر قليلا, انكمشت حاجباها واقتربا من بعضهما البعض , عقدت ذراعيها و أجابت:

_"هذا ليس من شأنك,كما أن ذلك الشخص لا يستحق أن يتنفس نفس الهواء الذي أتنفسه, فقط أتركني و شأني"

ماذا!! لهذه الدرجة!كان من الواضح بالنسبة لي أن أستشعر الكراهية التي كانت تتدفق مع كل حرف تنطقه.

ولكن "لا يستحق أن يتنفس نفس الهواء الذي أتنفسه" كانت هذه العبارة مبالغ فيها قليلا, و أيضا متى أصبح الأطفال في مثل سنها يتلفظون بمثل هذه العبارات؟ حسنا, أعترف أنني أخر شخص يمكنه الحديث عن أخلاق الكلام و الطيبة في التعبير.

تنهدت و أدركت أنني لن أحصل على إجابة منها, لذا قررت أن أتوجه إلى الصبي. عندما رأني قادما إرتبك وحاول النهوض بسرعة لكنه تعثر وسقط على الأرض. ساعدته على الوقوف و بالمقابل شكرني على ذلك بلطف. يبدو أنه تخلص و لو قليلا من القلق و النفور مني, سألته بأدب مماثل : "ما إسمك بالمناسبة؟"

أجاب: "جيرالد"

_"إسم رائع"

إبتسم و شكرني على ذلك و قلت:

_"ماذا يحدث؟ يبدو أن تلك الفتاة تكن كرها شديدا لك, ماذا جرى لك معها؟"

نظر إلي بحزن و قال: "لقد أفسدت الأمر,لا أعتقد أنها ستسامحني بعد الأن"

إنه يبالغ في الأمر, ماهو الشيئ الذي قد يتسبب في خلاف بين أطفال,ما هو أسوأ ما قد حدث,من الممكن أنه فاز عليها في سباق ما فلم تقبل الخسارة, أو شيئ من هذا القبيل.

أظن أنه من النوع الأخرق الذي يشعر بالذنب من أدنى الأمور لذلك هو يبالغ في الأمر, يذكرني كثيرا بكرافت.شجعته على الحديث بقولي:

_"فقط إحكي لي يمكن أن أساعدك في شيء"

تنهد,خفض رأسه نحو الأسفل و تابع كلامه:

_"لقد أخذت دميتها المفضلة و رميتها إلى كلاب الحي لتنهشها إلى أن أصبحت مشوهة, و أمي عاقبتني و أخدت الكرة مني و أعطتها لها"

_"لا, أنا أسحب كلامي, أنت تستحق أكثر من هذا العقاب, وداعا"

أمسك بيدي بسرعة و قال بتسول:

_"مهلا!,مهلا! أرجوك! إنتظر قليلا, أنا أعترف بخطئي لذا أرجوك ساعدني !"

متى أصبحت الفتيات تلعب بالكرة, يبدو أنها تفعل ذلك فقط لكي تنتقم منه, حتى أنها لا يبدو عليها الإستمتاع باللعب. فكرت في هذا و أنا أنظر إليها , وجهت كلامي إلى جيرالد و نطقت:

_"من الطبيعي أن تعترف بخطأك, لو لم تفعل ذلك فأنت مجنون أو عليك أن تراجع نفسك قليلا

كما أن حالتك مستعصية حلها بنفسك, أو يمكنك فقط الإنتظار حتى تنسى الفتاة الأمر تماما, و يبدو لي أنك ستنتظر ثلاثة أشهر على الأقل"

تسائل بتعجب:

_"و ما أدراك أنت بالمدة؟"

أجبت بلا مبالاة:

_"لا أعرف, المهم أنك ستنتظر مدة طويلة."

توسل مرة أخرى:

_"أرجوك ساعدني, سوف أبقى ممتنا لك طيلة حياتي"

ياله من أمر مزعج يا ليتني لم أقحم نفسي في ما ليس لي علاقة به.لا مهلا, لا ضر في تقديم المساعدة لشخص ما يحتاجها,أيضا قد قال أنه سوف يبقى مدينا لي لذلك يمكنني الإستفادة منه في المستقبل حتى لو كان طفلا, فبالتأكيد سيكون ذا نفع. كما أنه ليس لدي ما أفعله في الوقت الحالي بما أنني أنتظر كل من إدموند و كرافت, لذا ليس لدي ما أخسره.

تنهدت و قلت:

"حسنا, و لكن من المقام الأول لماذا سرقت دميتها و فعلت ما فعلت؟"

أجاب مترددا:

"لقد شربت عن طريق الخطأ جرعة صغيرة من النبيذ الذي تركه أبي فوق الطاولة, جعلني بعد ذلك أفقد صوابي"

يا سيد جيرالد يقف أمامك طفل يبلغ من العمر أكثر من 12 عاما,و لا أظن أن شخصا بهذا العمر سيصدق هذا الكلام.

نظرت إليه بشك وقلت:

"لماذا تكذب علي الآن ؟ لا يمكنني مساعدتك و أنت تخبرني بأحداث زائفة"

تسائل بقلق:

_"كيف علمت أنها كذبة؟"

أجبت بصرامة ملوحا بيدي ذهابا و إيابا:

_"الأمر واضح كوضوح الشمس في منتصف النهار.

تابعت متهكما:

_"ألم تسمع أن المملكة قد رفعت من أثمنة الخمر قبل عام من الأن بعد أن خسرت الحرب أمام مملكة مندوريا واستولت على المناطق الشرقية بأكملها و معها أيضا جل المحاصيل و الأراضي الزراعية الخاصة بالعنب. و لدرجة أن النبيذ أصبح حكرا على النبلاء فاحشي الثراء, و بالطبع من المستحيل على والدك أن يحصل و لو على كأس واحد من الجعة."

_"حقا, لم أسمع بهذا من قبل بما أنني طفل, و الأطفال لا تصلهم أخبار التي تخص أمور البالغين"

أجابني بتردد مماثل لكذبته الأولى, إنه فاشل تماما في الكذب, حتى و لو لم يكتشف المرئ كذبته, فيمكنه معرفة الأمر بعد النظر إلى تعابير وجهه و حركاته المتكررة. يمكنني قرائته كالكتاب المفتوح, كما أن عذره لاينكر عدم تواجد النبيذ عند والده

صرخت بقوة على وجهه لكي يخبرني بالسبب بسرعة,لأنه ليس لدي اليوم بطوله كما أن إدموند و كرافت سيعودان قريبا

_"أنطق الأن بالحق"

_"حسنا, حسنا سوف أفعل ذلك"

إحمر وجهه قليلا, و قال بتضايق واضح على ملامحه:

_"كنت أريد أن ألفت إنتباهها و لكنني لم أعرف كيف,و بسبب إزدراء بعض أصدقائي في الحي و ترغيبي في الإستمرار بمضايقتها إلى أن تجاوزت حدودي, و أل الأمر إلى ما عليه الأن"

هكذا إذن, هذا مايسمى بالإنجذاب الأول, و لكنه تصرف بشكل سيئ في مرته الأولى, أظن أن لوم أيضا يقع على هؤلاء الذي دعاهم بالأصدقاء, يضعون هدفا نصب أعينهم من أجل مضايقته و لكن في بعض الحالات يساير الضحية المتنمرين و ينافقهم أو العكس إلا أن يصبح داخل دائرة "الصداقة" ولكنها ملغومة.

يوجد نوعين من المتنمرين:

النوع الأول: هو الذي أسميه (التنمر المباشر) أو شيئ كهذا. هو التنمر المبتذل إذ ينبذون الشخص و لو كان به إختلاف بسيط و يضايقونه و يمكن أن يؤول الأمر إلى مستويات عالية لا يحمد عقباها. حتى و لو قاومت الضحية و استطاعت التغلب على حفنة من المتنمرين, فلن يطول الأمر حتى يحضرون حلفاء آخرين لإخضاعه

النوع الثاني: هو الذي حصل مع جيرالد و يمكن تسميته ب(التنمر التحريضي).

في هذا النوع، يستخدم المتنمرون هتافات ك"هيا هيا أريها مالديك" " ألا يمكنك فعل شيئ بسيط كهذا" أو يمكن أن يدور حوار كهذا:

_ أحد المتنمرين: "يا رفاق إن جيرالد معجب بهذه الفتاة"

_ أصدقائه : "هههه حقا! مثير للإهتمام إعترف لها يا جيرالد"

_ جيرالد: "بالطبع لا, ما الذي تخرفون به الآن, لا يمكنني الإعجاب بفتاة قبيحة كهذه "

و ليثبت لهم أنهم مخطئون يأخد منها دميتها و يفعل بها ما فعل.

شيئ من هذا القبيل.

يدفعون الضحية للقيام بأفعال غير مناسبة، مما يخلق حالة من الصراع الداخلي , هؤلاء المتنمرون لا يهاجمون الضحية مباشرة، بل يحرضونها على التصرف بشكل يضر بها أو بالآخرين، ويستفيدون من الفوضى التي يسببونها.أو بمعنى أصح لا يستفيدون منها بل فقط من أجل السخرية و الإستهزاء منه ومن موقفه.

الخطأ الذي اقترفه جيرالد هو الوقوف بجانب المتنمرين والإثبات لهم عكس مايقولونه عن طريق أن يهين تلك الفتاة بدلا من أن يقف بجانبها و على الأقل أن ينكر الأمر فحسب دون أن يتبث لهم بالأفعال.

أنا أتفهم الأن غضب الفتاة عندما تكلمت معها عن جيرالد, و تفوهها بكلام ك:

"لا يستحق أن يتنفس نفس الهواء الذي أتنفسه" لو كنت مكانها فسوف أصفه بجميع الأمور السيئة في هذا العالم.

بعد التفكير في الأمر أليست الفتاة مقربة جدا من جيرالد,لأنه كان يائسا تماما عندما كرهته تلك الفتاة.

كما أن أمه قد علمت بالأمر لذا لابد من أن شخصا ما قد أخبرها عن ماحدث, ومن الواضح أن الفتاة هي من كانت هذا الشخص. أصبح من المزعج مناداتها بالفتاة علي معرفة اسمها, حسنا ليس أمرامهما, ربما لاحقا سوف أعرف إسمها.

أعدت تأملي في الموقف، وقلت لجيرالد:

_"أها،إذن أصدقاؤك المزعومين كانوا يدفعونك للقيام بأشياء غبية فقط ليستمتعوا بمشاهدة رد فعلك و يسخرون منك، أليس كذلك؟ كأنك كنت بطلا في مسرحية هزلية فاشلة."

ابتسم جيرالد بمرارة، وقال:

_

"

نعم، كانوا يستفزوني ويشجعوني على مضايقتها. كنت أريد فقط أن أعجبها، لكن الأمور خرجت عن السيطرة."

قلت متهكما:

_"أوه، وأنت كنت تعتقد أن إلقاء دميتها إلى كلاب الحي سيجعلها تعجب بك؟ تلك فكرة تشبه محاولة تسلق الجدار باستخدام السلالم المكسورة."

ضحك جيرالد بمرارة, و كان بإمكاني رؤية عصب يبرز من أعلى جبهته وقال بتذمر:

_

"

أعلم، كانت فكرة غبية. و سوف أسدي لك نصيحة, لا تستعمل مثل هذه التشبيهات مجددا لأنها سيئة جد

ا

.

"

_"الصراحة معك حق, أسمع هذا كثيرا, لن أفعلها مجددا."

تذكرت شيئا ما وقلت:

"بالمناسبة ما إسم الفتاة؟"

أجابني: "إنها كاثرين"

_"ما علاقتك بها يبدو أنك تعرفها منذ فترة طويلة."

في البداية رمقني بنظرة إستغراب و لكنه سرعان ماغير تعابير وجهه كأنه أدرك شيئا ما و قال:

_"اه, لم أخبرك, صحيح؟ إنها جارتي أو يمكن القول صديقة طفولتي,إعتدت مرافقة أمي إلى متجر الخاص بأم كاثرين حيث كانت أمي تساعدها هناك و أحيانا يدردشان معا. و هناك إلتقيت بكاثرين و بدأنا اللعب معا إلى أن توطدت علاقتنا."

تنهد بحسرة و هو يتأك على راحة يده , قبل متابعته لكلامه:

_"لقد كانت أياما رائعة"

_"أنت حثالة "

_"ماذا!... لماذا؟"

_"هل مازلت تسألني, لذيك صديقة طفولة تثق فيها و تثق فيك و أنت خنت ثقتها مقابل أن ترضي حفنة من المتنمرين, أنت حقا ميؤوس منك, كان يمكن للأمر أن يكون أهون قليلا إذا كنتما غريبين, و لكن بعد سماع قصتك أيقنت أنك حثالة بكل ماتحمل الكلمة من معنى"

كان يمكنني رؤية و بكل وضوح أن تقثة جيرالد بنفسه أصبحت معدومة بعد حديثي, لقد إستسلم تماما عرفت ذلك بعد أن عقد قدميه و إحتضنهما و وضع وجهه بين ساقيه و قال:

_"معك حق,أنا الأسوء"

جلس جيرالد على الأرض و أخذ يرسم في التراب تعبيرا عن كآبته.

ربت على كتفه.

"……"

نظر إلي بعنين على شفى الإدماع, لا ألومه في نهاية المطاف هو طفل, و لقد أسائ لفتاة قد كانت في جانبه لسنوات, من الطبيعي أن يشعر بالذنب الأن.

لا أعرف كيف أواسيه مع أني ربت على كتفه.

أسف, لا أعرف حقا ماذا يجب أن أقول الأن…

لا إهدأ, أفترض أنه شيئ كهذا.

"لا بأس يا جيرالد, إعتبرها كتجربة فاشلة, و منبع لإكتساب الخبرة من أجل المستقبل."

نظر جيرالد نحوي بدهشة و بعينين تشعان بالأمل:

"….حقا"

"نعم"

إنه فتى بسيط و سهل

مسح بأكمام قميصه دموعه و ترجل من مكانه و قال بنبرة جادة:

"رغم ذلك, لا أريد أن أعتبرها كتجربة فاشلة, لازلت أرغب في إصلاح الأمور, لأنها أعز أصدقائي و الصداقة لاتعوض"

خطاب رائع, رائع بحق, كان بإمكان هذا الكلام أن يكون له وقع أقوى إذا لم يكن قائله شخص قد أهان صديقة طفولته

قلت بنبرة إندهاش مصطنعة, متهكمة أقرب إليها من مصطنعة:

"أووه كلام متوقع من مفطر قلوب الفتيات."

"لا تصفني بهذا الشكل"

ضحكت بصوت عال و قلت:

"....أنا أقول الحقيقة فحسب"

بدأت أقهقه قليلا, و أضحك على ردود أفعال جيرالد إلا أن هدأت و ساد الصمت بيننا , و لم يمر وقت طويل حتى قطع جيرالد الصمت ,سألني محتارا:

"ما العمل الآن؟"

كان عليّ أن أبدع في هذا الوضع، ما الذي علي فعله لكي أعيد علاقتهم إلى سابق عهدها؟ أكيد أنني عليّ أن أظهر له مهاراتي في هذا المجال. على الرغم من أنني بعيد كل البعد عن الوساطة في هذه الأمور لكنني سأحاول.

"لاتقلق لدي فكرة يمكنني مساعدتك بها"

ركع على ركبتيه و قال بحماس:

“ أخبرني من فضلك.”

2024/08/14 · 14 مشاهدة · 1853 كلمة
Rod ralla
نادي الروايات - 2026