إنه الحصاد الأول الذي أحضره في هذه القرية. القرية التي أعيش فيها الآن تدعى فاريال، وهي قرية هادئة تضم 33 عائلة فقط. أي 33 كنية. يعمل معظم سكانها القادرين على ذلك في الحقل المملوك لإدموند، بينما يبيع البقية بضائعهم كتجار في إزوليس، أقرب بلدة لفاريال. قد لا تصدقونني، لكن إدموند يشغل منصب رئيس قرية فاريال. ربما لا تكون كلمة "رئيس" دقيقة تماما، هو أقرب إلى عمدة أو قائد. المهم أنه الممثل البارز للقرية، لا أستطيع فهم كيف حصل على هذا المنصب، لأنه لا يبدو مناسباً له. ورغم ذلك، يبدو أن إدموند محبوب جداً بين سكان القرية ويحظى باحترام كبير. من الممكن أنه قد قام بعمل نبيل في الماضي، مما جعله مركز اهتمام الجميع.
حتى لو كان هذا العمل هو إنقاذ حياتهم, لازلت مقتنعا أنه أخر شخص يمكن الوثوق به في هذا العالم.
موسم الحصاد في هذه القرية لا يختلف كثيرا عن أي واحد في المناطق الأخرى, إلا أن مساحة الأرض المزروعة و التي يملكها إدموند كبيرة أو بالأحرى ضخمة مقارنة مع القرى الأخرى.
أخبرني براين مرة أن العاصمة سيلفر و بالرغم من بعدها عن قريتنا بمسافة 20 يوما إلى أنها تعتمد بشكل أساسي على محصولنا.بسبب جودته العالية ووفرته .
و هذه معاييرمن المهم جدا تحقيقها لتوفير حاجيات العاصمة لأنها تضم قصر الملكي و العديد من قصور النبلاء و الشخصيات الهامة لذلك لابذ من توفر المعيار الأول (جودة عالية) من أجل إرضاء هذه الطبقة.
يوجد كذلك العدد الهائل من السكان الذين يتواجدون داخل سيلفر وهو ما يستوجب المعيار الثاني
(الوفرة في الإنتاج) لتوفير حاجيات هذا العدد الهائل من الناس.
و أيضا لأن الطريق إلى فاريال مريحة و أقل وعرة من الطريق إلى مقاطعة روستوليا التي تقع في أقصى شمال المملكة و التي كانت تعتمد عليها العاصمة في ما مضى قبل أن تأخذ فاريال مكانها.
حيث كانوا يخسرون أكثر من ثلث المحصول في الطريق بسبب أن العاصمة يحيط بها الجبال في الشمال, لهذا فهم يفضلون سلوك طريق الأطول و المريح الذي يمثل قرية فاريال,على الأقصر و الأوعر المؤدي إلى روستوليا.
لم أكن على علم أن هاته القرية الصغيرة لها هذا الدور الكبير.
لابد أنها تجني الكثير سنويا,و هذا مايجعلني أتسائل عن مصير هذه الأموال.
هل من الممكن أن إدموند يقوم بأعمال مشبوهة ك…
لا لا داعي لإسائة الظن، هناك تفسيرات عديدة للأمر.
فقط فكر في الأمر قليلاً.
ربما تدفع القرية جزءاً كبيراً من عائداتها كضرائب، خاصة بعد هزيمة المملكة في الحرب وفقدانها لأجزاء كبيرة من أراضيها. من الطبيعي أن ترفع قيمة الضرائب على شعبها في مثل هذه الحالة.
وأيضاً، إذا كانت القرية بهذه الأهمية للعاصمة والمملكة، فمن الطبيعي أن يتم تخصيص أموال ضخمة لتأمين القرية عسكرياً. ولكن بما أن المملكة خرجت للتو من حرب طاحنة، فهي ليست قادرة على إرسال تعزيزات إلى منطقة نائية مثل هذه، فتطلب الأمر من إدموند استئجار مرتزقة لحماية القرية.
لقد لاحظت من قبل رجالاً يقومون بدوريات حول القرية وكأنهم يحرسونها. ربما تكون القرية متورطة في ديون كبيرة أو التزامات مالية أخرى، مما يستهلك جزءاً كبيراً من الإيرادات.
ورغم أنني ليس لدي أدلة قاطعة على هذه التفسيرات، تبقى نظرية أن إدموند قد قام بنهب الأموال وخداع أهل القريةذ قائمة وبقوة. فهذا يبدو شيئاً قد يفعله هذا العجوز. ---
كان الهواء مفعمًا برائحة الأرض، والشمس بدأت ترتفع بلطف في السماء. عند وصولنا، تجمع سكان القرية حول منصة صغيرة حيث كان إدموند يقف مستعدًا لإلقاء كلمته التقليدية.أو خطاب لإعلان عن بدء الحصاد _"أيها الأحباء، اليوم نبدأ موسم الحصاد القرمزي"
قال إدموند بصوتٍ عالٍ وواضح.
_"نحن هنا لنحصد ثمار عملنا وجهدنا طوال العام. تذكروا أن هذا الموسم هو ليس مجرد جمع للمحاصيل، بل هو احتفال بجهودنا تفانينا."
فجأة جمع نفسا طويلا و بدأ في الصياح بصوت أعلى من الذي سبقه: _" ابذلوا جهدكم"
_" نعم"
بدؤوا في ترديدها مرارا و تكرارا، حتى صاحوا معا في نفس الوقت بصوت و مشهد يقشعر له الأبدان، كأنهم على مشارف دخول في ساحة حرب.
ألقى إدموند خطابا قصيرا و لكنها كانت أفضل من أية خطاب طويل قد يلقيه أحد الضباط العسكريين حيث أثرت في نفوسهم بشكل مبالغ فيه، كان يمكنني رؤية عيونهم توقظ نارا، من الحماس.
الحصاد القرمزي، كما يطلق عليه، هو موسم حصاد مميز في قرية فاريال. يشتق اسمه من زهرة حمراء قرمزية تُدعى "روسا إنفرنو" التي تنمو فقط خلال فترة الحصاد. هذه الزهرة الفريدة تتفتح بالكامل في نهاية الموسم، معلنة انتهاء الحصاد. وبحسب تقاليد القرية، بمجرد تفتح هذه الزهرة، لن يتم حصد أي محاصيل متبقية في الحقل، حتى لو فسدت بالكامل، أيضا يوجد قانون صارم يحرم قطف تلك الزهور أبداً.أظن أن هذا القانون يرجع بسبب قلة هذه الزهور و ندرتها.
يقال أنها تنمو فقط في هذه القرية، على مايبدو ان هذه الزهرة هي التي تجذب السياح إلى هاته القرية النائية، و سكانها يحاولون حماية رمزهم و الشيئ الذي يميزهم عن باقي القرى،من أجل الحفاظ على تلك الحفنة من السياح الذين ليس لديهم شيء لفعله. --- بدأت الفرق المختلفة في العمل فورًا بعد انتهاء إدموند من كلمته.
الأن بدأ حصادي الأول . دوري في اليوم الأول كان المساعدة في جمع الحبوب. كنا نبدأ بجمع السيقان الطويلة وإعدادها للدرس.
رافقني براين خلال هذه العملية مع باقي رجال القرية الأخرين.
براين شاب في أواخر العشرينات من عمره، ذو شعر بني كثيف وعينين خضراوين تلمعان بالذكاء. قوام متناسق و طويل مع أكتاف عريضة و خصر نحيف، يمتلك ابتسامة ساحرة تجعل النساء تقع في شباكه بسهولة.
تفاجأت جدا عندما سمعت أن هذا الزير النساء الذي يحظى كل يوم بضحية واحدة على الأقل ، لديه خبرة طويلة في الحقل و أنه يشارك في الحصاد كل عام دون أن يفوت يوما واحدا، ظننت أن جسده هزيل و لن يتحمل هذه المشقة و لكن إنصدمت بالعضلات البارزة و المنقوشة بعناية في جسده بعد خلعه لقميصه بسبب سخونة الجو حينها والتصاق ملابسه بجسده مع تصبب عرقه بغزارة.
سألته عن السر الذي وراء هذه العضلات البارزة.
ضحك ضحكة هادئة،مسح عرق جبينه، ثم رسم على وجهه ابتسامته الإعتيادية، و أجاب بسؤال:
_"هل تريد عضلات مماثلة ؟ "
قلت بحماس، لأن كل رجل و طفل يرغب في أن يحصل على بنية قوية لكي يتفاخر بها أمام أقرانه، و أنا أحد هؤلاء الأطفال.
_"نعم، أريد معرفة السر، لا يبدو أنك تبذل مجهودا كبيرا من أجل الحصول على هذا الجسد"
_"لا، أنت مخطأ في هذا، فأنا أبذل مجهودا جبارا في كل ليلة من أجل إرضاء كل…"
_"مهلا، مهلا، مهلا إنتظر قليلا."
أمال رأسه بإستغراب و قال:
_"ماذا هناك؟"
_" بعد التفكير في الأمر، يستحسن أن لا أعرف، سوف أجد الطريقة بنفسي."
قاطعت كلامه، لأنني أعرف تماما ما كان ينوي إخباري به، و لا أنوي حدو حذوه، أنا أستفيد من بعض النصائح و المعلومات التي يسديها لي، و لكن لا ينفع أن أعمل بكل كلامه، هناك دائما حدود لكل شيئ.
كان يعلمني كيفية استخدام الأدوات بشكل صحيح، وكيفية ربط السيقان بشكل محكم لتسهيل عملية الدرس.
يبدو عملا سهلا في الوهلة الأولى، لكنه حقا يتطلب جهدا كبيرا و يسبب ألما في الظهر أغلب الأحيان و تشنجات على مستوى الجسم بأكمله من طول فترة العمل بدون فترات راحة كثيرة.
بما أنه أول مرة أجرب فيها هذه الأدوات فكان لابذ من شخص ما أن يعلمني إستخدامها و كان براين من يقوم بهذا الدور. _"احذر، لا تجرح نفسك بالمذراة،"
قال براين مبتسمًا.
"لا نريد أن نبدأ الحصاد برؤية دماء."
" نعم، لا تقلق" كان العمل في الحقل يتطلب جهدًا دؤوبا، الشمس تسطع بقوة تجعل حتى التنفس يبدو مجهود شاق. لكن براين يضع على وجهه تعبيرا غير مباليا، و كأنه في نزهة ممتعة.
كنا نعمل في مجموعات صغيرة، كل مجموعة تتولى جزءًا من الحقل.
النساء كنَّ يعملن بجانبنا، يقمن بتنظيف الحبوب وتصفيتها من الشوائب. حركتهن سريعة ومنظمة، مما يعكس خبرتهن الطويلة في هذا المجال. "هل تعلم، إذا كنت سريعًا بما فيه الكفاية، يمكنك تنظيف 100 حبة في دقيقة واحدة!"
قالت إحدى النساء موجهة كلامها لبراين. الذي كان يحوم حولهن، مثل ديك مزهو بنفسه يتجول في حظيرة الدجاج.
علق براين على قولها:
"أوه رائع، هل يمكنك فعلها"
_"بالطبع!!"
سارعت تلك المرأة في تصفية الحبوب بحماس محاولتا لفت إنتباه براين إليها
أوقفها كلام براين الموجه لجميع النساء :
_"خطرت لي فكرة رائعة، ما رأيكن في إقتراحي؟"
تركت النساء الأخريات ما في أيديهن و سألت إحداهن:
_" ماهو هذا الاقتراح"
_" ماذا عن مسابقة صغيرة؟ من تستطيع تصفية أكثر عدد من الحبوب قبل الظهيرة تفوز بجائزة خاصة مني "
ضحكت النساء و نطقت إحداهن:
_" و ما هي الجائزة؟"
رفع حاجبه بطريقة ماكرة و قال:
_" سوف تعرفين عند فوزك بها"
بدأت النساء بالتمتمة و الهمس ما بينهن بشيئ ك:
" ما الذي يمكن أن تكون الجائزة، أنا متحمسة جدا"
" ليس مهم، المهم هو أنه شيئ خاص منه، لذلك على الفوز بأي ثمن كان"
" هل يمكن أن تكون الجائزة هي ليلة…"
" لا تقولي ذلك إن الأمر محرج" توقفت النساء عن الهمهمة والتمتمة على الفور،
بعدما صفق براين بيديه.
_"لابد أنكن تتسائلنا عن كيفية معرفة الفائز، حيث أنه عد حبات القمح سيأخذ وقتا طويلا، لذلك لتفادي ذلك ستضعن يا سيداتي ماجمعتهن في أكياس ثم نزنها و نعرف من هي الأثقل بينهم، وحينها ينكشف الفائز." عندما اقترح براين المسابقة على النساء، لم يتأخرن في الموافقة، وبدأن في العمل بجدية.
كنت قريبًا منهَم، أعمل وأسترق السمع إلى محادثاتهن حول الجائزة المحتملة.
كان واضحًا أنهن متحمسات للفكرة، خاصة بعد أن ألقى براين عرضًا للجائزة بطريقة ماكرة أثارت فضولهن.
يمكنني تخمين عن ماهية الجائزة بشكل دقيق، رغم أن الأمر واضح جدا.
تجاهلت عبث براين مع نساء القرية و أكملت عملي. كان براين يتحرك بيننا، ينظم الأمور هنا وهناك، ثم توجه نحوي وقال:
_"لديك مهمة صغيرة، هل يمكنك الذهاب إلى المكتب وتسليم هذا التقرير إلى كرافت وفريقه؟"
"أليست هذه مهمتك؟"
نادت الفتيات بصوت عال على براين لكي يشهد على المسابقة و الدردشة معهن.
"آسف،كما ترى أنا مشغول قليلا"
أجابني وهو يشير بأصبعه نحوهن
تنهدت و قلت:
*حسنا، و لكنك مدين لي بواحدة" مباشرةً، قمت بتوجيه نظري نحو المكتب الذي أشار إليه.
كان مكتب كرافت وفريقه يقع في إحدى الزوايا البعيدة من الحقل، بعيدًا عن صخب العمل.
لم يكن من السهل على إيجاده فأنا لم أزره من قبل و ليس لي معرفة بمكانه، لذلك كنت أعتمد على إرشادات المارة الذين كانوا يدلونني عليه في كل مرة أتوقف من أجل سؤالهم، فالحقل كبير وواسع و يتكون على العديد من الأقسام.
و لكن في النهاية إستطعت الوصول إليه.
كان عبارة عن هيكل خشبي صغير، مغلق من الجوانب و سقف عالي يصل إلى أكثر من 20 قدم، من الشكل الهندسي البسيط للمبنى يتضح أنه متكون من غرفة واحدة واسعة، حيث كان يحتوي على مجموعة من الطاولات المرتبة بشكل منظم، ومجموعة من المقاعد خلفها. فوق الطاولات، كانت هناك أوراق وأدوات مكتبية متناثرة، تعكس حجم العمل الإداري الذي يقومون به. على حائط المبنى كان بإمكاني رؤية لافتة خشبية عليها صورة ريشة وورقة مما يدل على أن المكتب كان يستخدم كقاعدة لتنظيم الأمور المتعلقة بهذا الحقل. توجهت إلى المكتب وأنا أحمل التقرير الذي طلب براين مني تسليمه نيابة عنه،قمت بإزاحة الستار الذي كان يفصل بيني و بين المكتب مؤديا دور الباب الذي لا أعرف سبب عدم تواجده مكان هذه الستارة، هل المكان أمن لدرجة عدم إحتياجهم لباب و قفل.
أعطيت نفسي فرصة لإلقاء نظرة أخيرة على الحقل قبل أن أختفي خلف جدران المكتب...