عندما دخلت إلى المكتب حيث كان كرافت وفريقه يعملون، كان المكان يعكس جوًا من النشاط الهادئ و السكينة.
كانت الغرفة متوسطة الحجم، مليئة بالرفوف التي تحوي ملفات وأوراقا مرتبة بعناية مع مجموعة من الكتب.
الضوء الخافت من النوافذ العالية يعطي شعورًا بالاسترخاء، لكنه في نفس الوقت يبرز الجدية التي تسود المكان.
على الجدران، علقت خرائط قديمة و أوراق متبثة بدبابيس صغيرة تُظهر تفاصيل عن الحقول والمحاصيل. كرافت كان يجلس على مكتب خشبي كبير، فوقه مجموعة من الأوراق والملفات.
على وجهه ابتسامة هادئة، تظهر لطفه الذي لاحظته منذ لقائنا الأول. بجانبه كان هناك رجلان آخران من فريقه؛ أحدهما كان يدقق في خريطة كبيرة منشورة على الحائط، بينما كان الآخر يراجع بعض الأوراق بتمعن، ألقيا علي نظرة سريعة مصحوبة بإيماءة رأس قصدا بها التحية ليعودا بسرعة لعملهما كانا شبان صغيران في العمر مقارنة مع كرافت الذي إقترب من الأربعين.
إكتفيت أنا الأخر بتحية صغيرة و تقدمت بخطوات ثابتة نحو كرافت الذي يقع مكتبه في منتصف الغرفة. عندما رآني كرافت، رفع رأسه عن الورق ونظر نحوي بابتسامة ترحيب:
_ "أهلاً بك! تفضل، اجلس. كيف كان يومك في الحقل؟"
تقدمت نحو المكتب وجلست أمامه.
_ "كان جيدا، لقد عانيت جدا لإيجاد هذا المكان إنه معزول تماما."
ضحك كرافت بخفة واضعا يده خلف رأسه و قال:
_"نعم إنه بعيد جدا في الماضي عادة ماكنت أنسى مكانه، رغم أنه مبني في مكان مكشوف لا تغطيه الأشجار و لا الحشائش إلا أنه يزال غير ملحوظا للمارة."
قلت بنبرة حماس مؤكدا كلامه:
"نعم، نعم، هذا ما أتحدث عنه، كأنه غطي بستار خفي."
نظرت إلى المخرج الذي علق فيه تلك الستارة قبل أن أتابع كلامي مازحا:
"إنه أخر مكان يمكن أن يجده اللصوص، حسنا لاأظن أن هناك لصوصا في هذه القرية الصغيرة"
إبتسم كرافت و قال بهدوء:
" معك حق فاريال قرية مسالمة كل شخص يكسب لقمة عيشه بجهده الخاص"
أومأت برأسي موافقًا.
إن من السهل حقا التحدث مع كرافت. على الرغم من كونه شخصًا بالغا و يصل إلى عمر والدي، إلا أن كرافت يتمتع بطريقة تجعل الحديث معه سهلاً وغير متكلف. فهو لا يستخدم لغة معقدة ولا يتظاهر بأنه يعرف كل شيء، بل يبدو وكأنه يحاول أن يكون صديقًا لكل من يقابله.
ربما يعود ذلك إلى طريقته البسيطة في الحديث، أو ربما لأنه يتجنب التعقيد والمظاهر.
مهما كانت الأسباب، فإنني أجد نفسي مرتاحًا في الحديث معه، ولا أشعر بالحاجة إلى التصنع أو الحذر. ربما يكون هذا هو السبب في أنه محبوب من الجميع هنا. يبدو أن الناس يقدرون قدرته على الاستماع والاستيعاب، وهو لا يتظاهر بأنه أفضل منهم. بطريقة ما، يجعلني أشعر بأنني مهم، حتى عندما نتحدث عن أشياء تافهة مثل اللصوص في قرية لا يوجد فيها لصوص. أو ربما أنا من يتحدث بسهولة مع الجميع؟ لا، بالتأكيد هو.
_"حسنا، ما الذي جعلك تأتي إلى هنا، لا أظن أنك اتيت فقط للتسكع و التهرب من العمل." قاطع كرافت تفكيري بنبرة خفيفة تحمل شيئًا من الدعابة. رفعت رأسي لأجده ينظر إلي بابتسامة متسائلة. أجبت بتردد:
_"آه، نعم، صحيح...جئت لأعطيك هذا التقرير من السيد براين. يبدو أنه كان مشغولًا ولم يتمكن من إحضاره بنفسه."
مشغول بالعبث مع النساء. أخذ كرافت الملف مني ونظر إليه بإمعان. بدأ في فتح الملف والاطلاع على محتوياته، بينما كنت أراقبه بصمت.
ساد هذا الجو للحظة، ثم قررت أن أكسر هذا حاجز بسؤال.:
_"هل تقومون بمراجعة هذه التقارير يوميًا؟ يبدو أن هذا العمل يتطلب الكثير من الوقت." ابتسم كرافت وهو يقلب الأوراق.
_"نعم، كل يوم نراجع ما تم إنجازه وما يجب فعله في اليوم التالي. الحقول ليست مجرد أماكن للزراعة، إنها نظم معقدة تحتاج إلى تخطيط دقيق. كل قرار نتخذه هنا يؤثر على ما سيحدث في الأيام القادمة."
أومأت برأسي بينما كنت أستمع له بانتباه. _"يبدو أن الأمر يتطلب الكثير من الخبرة. هل كنت تفعل هذا منذ فترة طويلة؟"
ضحك كرافت بخفة ووضع الملف جانبًا.
_"يمكنك القول إنني قضيت جزءًا كبيرًا من حياتي في هذه الغرفة وبين هذه الأوراق. قد يبدو الأمر مملًا للبعض، لكنني أجد فيه متعتي و هذا الشيئ الوحيد الذي يمكنني إفادة القرية به."
الشيئ الوحيد؟ هناك العديد من الأشياء التي يمكن لكرافت القيام بها.
أظنه كان يقصد أن لا أحد في القرية يملك القدرة على أخذ مكانه في العمل، لا أظن أنه هناك الكثير من الأشخاص في القرية يمكنهم القراءة والكتابة والحساب مثل كرافت، و هذا مايفسر العدد القليل من الأشخاص الذين يعملون تحت إمرته. حتى هاذان الشابان اللذان يشتغلان بجانب كرافت، لابذ أنهما تلقيا تعليما خاصا من طرفه أو من بلدة إزوليس.
ففاريال قرية صغيرة و لا وجود لمدارس أو شيء مشابه لها هنا، في الحقيقة هناك عدد جيد من البالغين الذين يجيدون كلا من القراءة والكتابة و حتى الحساب، لكن لا أظنهم جيدين كفاية للقيام بدور كرافت.
عندما نظرت إلى كرافت، بدأت أرى ما وراء ابتسامته الهادئة. المسؤولية التي ألقيت على عاتقه ضخمة، والعمل الذي يقوم به لا يقتصر على مجرد أوراق وتقارير.
إنه يحمل جزئا من هذه القرية على كتفيه، ورغم كل هذا، يبقى مخلصًا وهادئًا. أظنني بدأت أفهم لماذا يُعتبر شخصًا لا يمكن تعويضه هنا. نطقت بعد أن لاحظت نظرة إستغراب المطولة التي ألقاها كرافت نحوي عندما سرحت بتفكيري لوقت طويل:
_"وكيف تُستخدم هذه التقارير بالضبط؟ أعني، هل هذا التقرير الوحيد الذي تستقبلون كل يوم، أم أن الفرق الأخرى تفعل نفس الشيئ؟" ابتسم كرافت، وكأنه قد وجد سؤالًا يستحق الإجابة الشاملة:
_ "حسنًا، ليس هذا التقرير الوحيد، ولكنه بالتأكيد واحد من أهم التقارير التي نتلقاها. كل يوم، تصلنا تقارير من مختلف الفرق العاملة في القرى ونعمل على تحليلها بعناية. كل التقارير اليومية مهمة و لكنها ليست بأهمية التقارير التي تصدر في فترة الحصاد.
الهدف هو تحديد الأنماط والاتجاهات التي يمكن أن تساعدنا في اتخاذ قرارات أفضل. على سبيل المثال، إذا كانت هناك مشكلة معينة تتكرر في نفس المنطقة من الحقل، يمكننا التركيز على تحسين تلك المنطقة. أما إذا لاحظنا زيادة في المحصول في جزء معين، فقد نحاول معرفة السبب وتكراره في أماكن أخرى."
بدأت أفهم أكثر الآن.
_"إذن، كل تفصيل صغير يمكن أن يكون له دور في تحسين الإنتاج؟"
_"بالضبط!"
قال كرافت بحماس. تراجع نحو الخلف ليتكئ على كرسيه و رفع رأسه نحو السقف ليتابع:
_"وكل شخص هنا يلعب دورًا في هذا العمل. حتى أصغر التفاصيل يمكن أن تكون الفرق بين موسم ناجح وآخر لا." هكذا إذن، بعد التفكير جيدا يبدو الأمر منطقي للغاية.
هكذا إذن، بعد التفكير جيدًا، يبدو الأمر منطقيًا للغاية. فبدون هذه التقارير، كيف لهم أن يتابعوا كل شاردة وواردة في الحقل؟ إن هذه التقارير بمثابة العيون التي تراقب كل شيء عن بُعد، تجمع كل المعلومات الضرورية وتقدمها لهم على طبق من فضة. ومن خلال هذه المعلومات يمكنهم تحديد أي مشكلة أو خلل في الحقول والعمل على معالجته وإصلاحه في أسرع وقت ممكن. حتى الأشياء الصغيرة، مثل تغيير كمية ماء السقي أو ملاحظة نمو الأعشاب، يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا. هذا يبدو مرهقًا، لكنني أعتقد أنه بالنسبة لشخص مثل كرافت، هذه هي الحياة التي يعرفها ويحبها. وبينما كنت أفكر في كل هذا، لم أتمكن من منع نفسي من التساؤل... هل كان بإمكاني يومًا أن أكون مثله، أن يكون لي شغف و حب لشيئ ما لدرجة العمل بتفاني من أجله؟ لكن بالطبع، سأحتاج إلى نظارات أولاً.
إذا كنت محظوظًا بما يكفي للحصول على واحدة مثل كرافت، فقد أبدو ذكيًا أيضًا! أو على الأقل، هذا ما أتمناه.
لكن مهلاً، كيف حصل كرافت على نظاراته في الأصل؟ ليس من المعتاد أن أرى أحداً في قريتنا الصغيرة يرتدي نظارات، بل حتى في البلدات المجاورة. هذه الأشياء غالية جدًا ونادرة.
لا يملكها سوى النبلاء فاحشي الثراء، و تكون فقط كطلب خاص من أمهر الحرفيين بالمملكة.
متى اخر مرة رأيت فيها شخص يرتدي النظارات. أتذكر أنها كانت هدية من إدموند، و لكن من أين له المال لشراء هذه النظارات ناهيك عن إعطائها لكرافت. ترددت للحظة، ثم قررت أن أسأل كرافت بصوت هادئ:
_ "بالمناسبة، كرافت، كنت أفكر... النظارات التي ترتديها، قلت إنها كانت هدية من إدموند، صحيح؟ لكن كيف تمكن من الحصول عليها؟ أعني، النظارات نادرة وغالية الثمن، ومن غير المعتاد أن أرى شخصًا يمتلكها نظرت إليه بتساؤل بينما رفعت حاجبي في إنتظار جوابه. نظر كرافت إليّ بابتسامة صغيرة، ثم قال بهدوء:
_"لقد كانت هدية بالفعل، ولكنها ليست كما تعتقد. إدموند لم يشترِ هذه النظارات من أجل الكماليات أو لأنه أراد التباهي. لقد حصل عليها من خلال أحد معارفه الذين يعملون في صناعة الأدوات الطبية. كانت هذه النظارات جزءًا من طلبية مرفوضة، فلم تكن مطابقة للمعايير المطلوبة. وهكذا، بما أنني بالكاد أنظر بوضوح عندما لاحظ إدموند مشكلتي قرر أن يساعدني." ثم أضاف بابتسامة مرحة:
_ "لذا، يمكنني القول إنني أرتدي نظارات نبلاء، لكن من النوع الذي لا يجذب أي انتباه أو إعجاب. ربما لو كانت مصنوعة من الذهب والماس، لكانت لدي فرصة أفضل في لفت الأنظار!"
...نظرت إلى كرافت بدهشة.
إدموند العجوز الجشع الذي أعرفه لديه من الكرم الكافي لإعطاء شيئ غالي مثل النظارات كهدية.
حتى لو لم يشتريها بماله الخاص، فأنا متأكد و بشكل قاطع أنه فكر أن يبيعها بثمن باهظ لأحد النبلاء.
قبل أن أتمكن من التفكير في مزيد من الأسئلة، دخل شاب بمثل عمر المتدربان الأخران لذا كرافت إلى المكتب وقال:
_"عذرًا على المقاطعة، ولكن وقت الغداء قد حان، وسمعت أن النساء في القرية يقدمن الحساء مجانًا للعاملين اليوم. هل يمكنني الذهاب الآن؟"
ابتسم كرافت وأومأ برأسه، قائلاً:
_ "اذهب، ولا تنسَ أن تشكرهم. إنهم يقدمون طعامًا جيدًا ويعملون بجد لمساعدتنا."
_"سوف أبلغهم بذلك" نظر الشاب إليّ وقال: "هل ترغب في الانضمام إلينا؟"
لم أكل شيئا طيلة اليوم بأكمله لذلك لم أفكر كثيرا للقول:"في الواقع، سأكون ممتنًا إذا كنت أستطيع الانضمام إليكم."