بعد انتهاء فترة الغداء، لازلت أشعر بالفراغ بمعدتي. الحساء كان جيدًا، لكنه لم يكن كافيًا . نعم، أعرف، كلامي قد يبدو مبالغًا فيه، لكن العمل في الحقول طيلة النهار يتطلب طاقة كبيرة، وأحيانًا تجد نفسك تتمنى لو كان بإمكانك تناول شيء أكثر من مجرد حساء مائي.

مجرد أن انتهينا من الغداء، عدنا إلى العمل كالمعتاد. كنت أنا والأخرون في الخارج نحاول تحقيق ما يمكن تحقيقه قبل نهاية اليوم. الجو كان حارًا، والشمس كانت ساطعة بشكل لا يرحم. العرق كان يتصبب من جبيني، وكانت يدي تتألم من كثرة العمل، لكنني تابعت. لا وقت للتذمر، فاليوم الثاني من موسم الحصاد ينتظرنا، وكل لحظة تأخير قد تكلفنا الكثير.

وفي اللحظة التي كنت أعتقد فيها أن اليوم لن يحمل أي مفاجآت،شعرت بظل يقترب مني رفعت رأسي لأرى إدموند يتقدم بخطوات سريعة نحوي و وجهه يحمل تعبيرا جادا، عيناه تضيقان بحذر:

_"أحتاج منك الذهاب إلى البلدة المجاورة، هناك بعض الحاجيات التي نحتاجها للغد. لقد نسيت إرسال أحدهم في الصباح، والآن لا يوجد وقت كافٍ."

نظرت إليه وقد أخذني التعب، كان صوته لا يقبل الجدل، و لا يوجد خيار سوى الإمتثال - _"حسنًا، سأذهب الآن."

جمعت أغراضي بسرعة وتوجهت إلى البلدة المجاورة. كنت أعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، لكنه كان ضروريًا. البلدة ليست بعيدة جدًا، لكنها ليست قريبة أيضًا. وكان عليّ أن أسرع قبل أن يحل الظلام. الشمس كانت تتجه نحو الأفق، تظهر مزيجا بين اللون البرتقالي و الأحمر وكأنها تُعلن عن قرب انتهاء النهار.

أثناء سيري، كنت أفكر في كل شيء. في العمل، في إدموند، في كرافت... وفي نظارته الغريبة. لا زالت قصة تلك النظارات تحيرني. كيف يمكن لإدموند أن يكون قد حصل على شيء نادر كهذا؟ وهل كان في الحقيقة يرغب في مساعدة كرافت، أم أن هناك قصة أخرى خلف هذا الأمر؟

وصلت إلى البلدة بعد مرور بعض الوقت. الشوارع كانت مزدحمة كالمعتاد، والأصوات تعج في كل مكان. الباعة ينادون، الأطفال يركضون، الكلاب تنبح و القافلة تسير.

أنا أمزح فحسب، لقد شعرت برغبة ملحة في قول ذلك

الجو كان مفعمًا بالحياة، على عكس الهدوء الذي تعودت عليه في فاريال. دخلت إلى المحل الذي كنت أقصده ، وأخذت أتحدث مع البائع حول قائمة الأشياء التي طلبها مني إدموند. البائع كان سريعًا في عمله، لكنه كان يحب الحديث أيضًا. ظل يسألني عن أحوال القرية وعن المحصول هذه السنة. كنت أحاول أن أكون مهذبًا، لكنني كنت أشعر بالقلق من ضياع الوقت. الشمس كانت تختفي ببطء خلف الجبال، والظلام بدأ يحل.

بعد أن انتهيت من شراء كل ما أحتاجه، وضعت الحاجيات في حقيبتي وخرجت مسرعًا. لم يكن لدي وقت لأضيعه. كان يجب أن أعود إلى القرية قبل أن يحل الظلام بالكامل. وبينما كنت أسير في الشوارع الضيقة، لاحظت زقاقًا مظلمًا يمتد على يميني. كان يبدو كممر مختصر إلى الطريق الرئيسي. فكرت للحظة: "لم لا؟ قد يوفر لي بعض الوقت."

دخلت إلى الزقاق بحذر. كان ضيقًا ومظلمًا بشكل مخيف. الهواء كان باردًا بشكل غير معتاد، وكأن الشمس لم تلامس هذا المكان منذ فترة طويلة. الأرض كانت مغطاة ببعض الأوراق المتساقطة والحصى، وكل خطوة كنت أخطوها كانت تصدر صوتًا مزعجًا. لم يكن هناك أحد هنا، أو على الأقل هكذا ظننت.

وبينما كنت في منتصف الزقاق، سمعت صوتًا خافتًا. توقفت وأصغيت بتركيز. كان هناك صوت ضحك خافت، يتبعه صوت آخر، كأنه صوت شخص يبكي. تقدمت ببطء، وحاولت الاقتراب دون أن أحدث ضجة. عندما وصلت إلى نهاية الزقاق، رأيتهم.

ثلاثة أطفال، بمثل سني تقريبًا، كانوا يتجمعون حول طفل آخر. الطفل كان جالسًا على الأرض، ووجهه مغطى بالوحل .

بدا وكأنه كان يتعرض للتنمر. أحد الأطفال كان يمسك به من ياقة قميصه، بينما كان الآخران يضحكان ويشيران إليه. لم أكن أحتاج إلى التفكير مرتين. كان يجب أن أفعل شيئًا.

"هيه! ماذا تفعلون؟" صرخت بصوت عالٍ، محاولًا إظهار الثقة في نبرة صوتي.

التفتوا جميعهم نحوي، وعلامات المفاجأة بادية على وجوههم. لم يتوقعوا أن يجدوا أحدًا هنا في هذا الزقاق المهجور. الطفل الذي كان يمسك بالآخر أطلق سراحه، وأخذ خطوة للخلف.

"من أنت؟" سأل أحدهم، وعيناه تضيقان بخبث.

"لا يهم من أكون. اتركوا الفتى وشأنه." حاولت أن أجعل صوتي ثابتًا، رغم أن قلبي كان ينبض بسرعة.

للحظة، كان يبدو وكأنهم سيتراجعون. لكن أحدهم، ربما الأكبر بينهم، خطى خطوة للأمام وقال بنبرة تحدٍ: "لماذا يجب أن نستمع إليك؟"

نظرت إلى الفتى الذي كان يتعرض للتنمر. كان يبدو ضعيفًا وخائفًا، لكن عينيه كانت تحملان شيئًا آخر. ربما كان ذلك الأمل، أو ربما الشجاعة. لم أكن متأكدًا، لكنني كنت أعرف أنني لا أستطيع أن أدعه يواجه هذا الوضع وحده.

"لأنني لا أحب أن أرى أحدًا يتنمر على شخص آخر، خاصة عندما يكونون ثلاثة ضد واحد." حاولت أن أظهر القوة في كلامي، رغم أنني كنت أعرف أن الأمور قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة.

مهلا لحظة

بدأت في تفحصه بعيناي جيدا، الفتى الذي تبين لي انه أشبه بزعيمهم.

كان مألوفا بالنسبة لي و لكنني لم أستطع التذكر.

حتى جاء ذلك الوميض و جعلني أتذكر.

" أيمكن أن تكون...... ويليام. "

2024/09/02 · 10 مشاهدة · 773 كلمة
Rod ralla
نادي الروايات - 2026