كان المقهى هو الملاذ لمن ينشد الهدوء، بصحبة كوب قهوة ساخن، في صباحٍ شتويٍ باردٍ من صباحات نيويورك، تحديداً عند الساعة السابعة.
هناك، وسط الطاولات المتناثرة، كان يجلس رجل أنيق ولافت، بلحية خفيفة تشي بأنه حلقها قبل فترة وجيزة وبدأت للتو بالنمو مجدداً. أسلوبه في احتساء قهوته وهو يطالع جريدته –التي باتت موضة قديمة في زمن التكنولوجيا– كان يضفي عليه هالةً تميزه عن بقية رواد المقهى البسيط.
"آه.. مجدداً، حادثة اختفاء أخرى. إنها السابعة هذا الشهر، بالفعل"، فكر الرجل الأنيق وهو يرتشف قهوته بهدوء.
استمر حبل أفكاره متسارعاً: "الولايات المتحدة تحصد سمعة سيئة كل يوم. والأكثر صدمة هو أن الضحايا الذين يتم اختطافهم إما يُعثر عليهم وقد فقدوا عقولهم أو فارقوا الحياة، وأكاد أجزم أن موتهم ليس طبيعياً، وإلا لما تكتمت عليه الحكومة".
طوى الجريدة ووضعها على الطاولة، وهمّ بأخذ رشفة أخرى من قهوته، لكن الكوب كان قد جف. تأمل الكوب الفارغ للحظات، ودار في خلده: "أنا محقق، وعملي يقتضي كشف حقيقة هذه الحوادث، الإيقاع بالفاعل وتسليمه للعدالة. لكن كيف؟ حاولت مراراً ولم أصل لنتيجة".
وسط تفكيره العميق، اقترب منه أحدهم. كان يقظاً بما يكفي ليدرك ذلك، فحول بصره نحو الشخص القادم، لتكن فتاة تعمل نادلة في المقهى.
"أوه، أعتذر على إزعاجك، جئت لأتفقد ما إن كنت ترغب بالمزيد من القهوة، فأنت في العادة لا تكتفي بواحد"، قالتها بلباقةٍ تناسب هذا المكان الراقي. صحيح أن هناك أماكن أخرى تقدم خدمة مختلفة، لكن هذا المقهى يمتلك سحراً خاصاً يجعله قبلة للكثيرين رغم بساطته.
"شكراً لك، سأطلب كوباً آخر".
"اجعلها كوبين".
كان الرجل قد قرر، لكن صوتاً أنثوياً بجواره كان أسرع في تغيير الطلب. التفت المحقق ليرى امرأة أنيقة، ترتدي قميصاً أبيض مُحكماً على جسدها وبنطال جينز أسود. كانت فاتنة للغاية، بشعرها الطويل الناعم، وملامح وجهها التي بدت وكأنها استُدعت من صفحات القصص المصورة.
"عفواً لكن... هل أعرفكِ يا آنسة؟" سأل بحذر، وهو يعدل ربطة عنقه بحركة عفوية غير مخطط لها.
"أنا أعرفك؛ السيد هنري مايكلنيس. المحقق الذي كُلّف بقضية اختفاء ابنة عمدة كاليفورنيا وفشل في إنقاذها، حيث وجدها بعد فوات الأوان. سمعتك تسبقك".
قطب هنري حاجبيه حين أدرك أن ثمة من يعرف هويته الحقيقية. ومع ذلك، لم يكن متفاجئاً تماماً؛ فما حدث قبل سنوات كان القضية الأشهر في تاريخ الولايات المتحدة، والقصة التي جعلت منه اسماً مألوفاً في أروقة الصحافة.
"تعريف دقيق لشخص يحرص على الاختفاء عن الأنظار مثلي. وبما أنكِ تدركين من أكون، ألا يجدر بكِ التعريف بنفسك؟ فدوري قد انتهى قبل أن يبدأ بالفعل".
اتجهت الفتاة إلى الكرسي المقابل له، جلست ورفعت قدماً فوق الأخرى بسلاسة.
"أدعى ماريا جينسون، صحفية مستقلة في بداية طريقها، لكنني أملك من الخبرة ما يجعلني موثوقة"، كان أسلوبها مفعماً بالثقة، وهو ما برز بوضوح في ملامحها الجامدة التي لم تظهر أي رد فعل مرافق لحديثها.
"كلام كبير، كم عمركِ يا آنسة؟"
"ألا تعلم أنه من العيب أن تسأل امرأة عن عمرها؟"
"أنا كبير بما يكفي لأدرك أنكِ أصغر مني سناً، لذا لا أعتقد أن هذا العرف ينطبق علي، أليس كذلك؟"
"طريقة ذكية للتلاعب بالكلام، ومع ذلك، هذا لا يجعل السؤال مقبولاً. لكنني لست كبيرة بما يكفي لأخشى الإجابة؛ عمري اثنان وعشرون عاماً بالضبط. وقبل أن تسأل، لقد تخرجت من جامعة الإعلام والصحافة في العشرين من عمري، أي قبل عامين".
"قسم الإعلام والصحافة، أربع سنوات... هذا يعني أنكِ التحقتِ بالجامعة في السادسة عشرة من عمرك. يبدو أنني أجلس أمام عبقرية".
"كل ما في الأمر أنني حصلت على توصية بعد تخرجي من الإعدادية، وبدلاً من إكمال الثانوية، دخلت الجامعة مباشرة. لذا... يمكنك القول إنني عبقرية بما يكفي لهذا الحد".
ابتسم هنري؛ فرغم كل شيء، كان أسلوبها رزيناً ولبقاً، حتى وهي تحافظ على وجهها البارد والجميل؛ تناقض مبهر من وجهة نظره.
"عذراً على التأخير، تفضلوا القهوة، استمتعوا"، قالت النادلة وهي تضع الأكواب وتغادر. ساد الصمت بين الاثنين للحظات.
"إذن..." قال هنري وهو يمسك كوب القهوة "هل يمكنني أن أعرف السبب الذي دفعكِ للبحث عني؟ فالصدف نادراً ما تكون قوية بهذا القدر. قولي ما لديكِ".
"كما هو متوقع من هنري مايكلنيس"، أخرجت ماريا أوراقاً من حقيبتها ووضعتها أمامه.
"لم أكن أعلم أن معكِ حقيبة، أين كنتِ تخفينها؟"
"محاولة جيدة، لكن هذا ليس وقت المزاح. في هذه الأوراق ما هو أهم"، ردت ببرود على تعليقه.
ألقى هنري نظرة أولية على الأوراق، وبمجرد قراءة السطور الأولى، ترك كوب القهوة. أمسك بالأوراق، يقلبها واحدة تلو الأخرى، بينما تغيرت ملامحه تدريجياً، من التساؤل إلى التأمل الصامت.
"يا آنسة، هذه الأوراق تسرد تفاصيل قضايا شهيرة في الآونة الأخيرة. الجميع يدرك تفاصيلها، ويدرك أن هناك حقائق لم يُفصح عنها".
"أجل، أعلم ذلك".
"إذن لماذا ترينها لي؟ صحيح أنني كنت مختفياً، لكن ليس لدرجة أن أعامل كشخص كان يعيش في كهف".
"أنت تتحدث كثيراً، عكس ما تقتضيه شخصية المحقق".
"لدي عدة أساليب للتعامل والحديث، كما تعلمين. على أي حال، ما الفائدة من تقديم هذه الأوراق لي؟"
كانت نظرات ماريا مركزة على هنري، كصقر ينتظر اللحظة المناسبة لاقتناص فريسته.
"النادي السري...".
"ماذا؟"
"النادي السري هو المسؤول عن هذه الحوادث، بل كان السبب وراء قضية ابنة عمدة كاليفورنيا أيضاً".
في تلك اللحظة فقط،
أظهر هنري تعبيراً على وجهه؛ مزيجاً من الصدمة والشك، لكن طغى عليهما... الغضب.