الفصل 10 "عبور حدود الإنسان"

حين لاحت الجزيرة في الأفق، كان البحر هائجًا، والضباب يلتف حول السفينة كأصابع شبحية.

صوت الأمواج كان يعلو ويهبط، يضرب جوانب القارب بخشونة، فيما كان رذاذ البحر البارد يلسع وجوههم.

آدم وقف في مقدمة القارب، شعره الطويل يلتصق بكتفيه من الرطوبة، ثوبه الأبيض يثقل من البلل، لكنه ظل واقفًا بثبات، عينيه تراقبان الساحل الصخري حيث الأشجار العملاقة تقف كحراس صامتين، والغيوم الداكنة تتدلى فوق رؤوسهم.

جايرو جلس خلفه، يضم ركبتيه إلى صدره، يراقب سيده بصمت، وقلبه يخفق بتوتر. كان الهواء مشبعًا برائحة الطين المالح والأعشاب البرية، مع لمسة نفاذة تشبه رائحة الفراء الرطب والدم القديم.

آدم لم يتكلم في البداية. كان يحدق في الشاطئ الرملي، يقرأ علامات العالم الجديد: آثار أقدام ضخمة محفورة في الطين، عظام وحوش متناثرة بين الصخور، وصوت طائر غريب يصرخ في الأعالي. أخيرًا، قال بصوت منخفض يحمل ثقل التجربة:

«هذه ليست جزيرة عادية. هنا، من لا يتغير... يُلتهم.»

نزل من القارب بخطوات هادئة. للحظة، شعر جايرو أن الغابة كلها تراقبهم، وأن كل شيء حولهم ينبض بالخطر.

مرت الأسابيع على الجزيرة، وكل يوم كان امتحانًا جديدًا للنجاة والقوة.

كان الطقس متقلبًا: أحيانًا ضباب كثيف يخنق الأنفاس، وأحيانًا أمطار غزيرة تحول الأرض إلى وحل، وأحيانًا شمس حارقة تجعل العرق يختلط بالتراب على الجلود.

آدم وجايرو يستيقظان مع الفجر على صوت صرير الحشرات العملاقة، يتوغلان في الغابة الكثيفة، أقدامهم تغوص في الطين البارد، يلمسون لحاء الأشجار الخشن الذي يشبه جلد الزواحف، ويشتمون رائحة العفن والفاكهة المتعفنة.

يصطادون الوحوش والطيور الغريبة، يواجهون ألوانًا معدنية لم يرها آدم في حياته، وأحيانًا يضطرون للاختباء من عاصفة مفاجئة أو ريح تعصف بالأغصان.

كل مساء، يعودان محملين باللحم إلى الملاح العجوز الذي ينتظرهم على السفينة القديمة.

كان آدم يراقب كل شيء، يسجل الفروق بين هذا العالم وعالمه القديم، ويكتشف كيف ينجو في بيئة لا ترحم.

في أحد الأيام، بينما كانا يتتبعان آثار طائر غريب، سمعا صرخة شقت السماء.

ظهر نسر عملاق فوق الأشجار، أجنحته بيضاء بالكامل، ضخمة بشكل مذهل لدرجة أن ظلها غطى نصف الوادي.

كان النسر مختلفًا عن أي طائر رآه آدم من قبل، طفرة جينية جعلت ريشه أبيض كالثلج وجناحيه أوسع من أي نسر، لكنه رغم ضخامته كان خفيف الحركة، ينقض بسرعة خاطفة، عينيه تلمعان بدهاء قاتل.

آدم همس لجايرو وهو يراقب النسر يحلق:

– «انظر جيدًا… هذا ليس طائرًا عاديًا. أجنحته نقطة قوته وضعفه.»

انقض النسر فجأة، سرعته تخالف حجمه.

في لحظة، شعر آدم بالهواء يصفع وجهه وريش أبيض يتساقط حوله.

دفع جايرو جانبًا، وانزلق تحت جناح الطائر، الذي حاول أن يضربه بمخالبه الهائلة.

كانت مخالب النسر تترك خدوشًا عميقة في جذوع الأشجار، وصوتها يقطع سكون الغابة مثل صرير الحديد على الزجاج.

آدم ثبت نفسه بجناح النسر، شعر بخشونة الريش بين أصابعه وبرائحة دهن الطيور النفاذة، ثم غرس سكينه في المفصل الأبيض حيث يلتقي الريش بالعظم.

لكن النسر ضربه بجناحه الضخم، فكاد آدم يسقط من فوق الجذع، إلا أنه تشبث بقوة، وجرح صغير شق ذراعه، فشعر بحرارة الدم تختلط ببرودة المطر.

صرخ النسر، حاول أن يرفرف بجناحيه العملاقين ليطير بعيدًا، لكن آدم كان قد ثبت نفسه جيدًا، وكل عضلة في جسده مشدودة كوتر قوس.

بكل قوته، مزق أوتار الجناح، شعر بدم دافئ يتدفق على يديه، ثم تسلق إلى ظهر الطائر، وانهال عليه بضربات متتالية حتى شل حركته.

صوت الريش الممزق وصراخ النسر ملأ الغابة، ورائحة الدم الطازج اختلطت برائحة التراب المبلل.

آدم جلس يلهث فوق الجناح الأبيض، ثم شق صدر الطائر بسكينه، أخرج قلبه، وبدأ يلتهمه ببطء.

كان يمضغ الريش الأبيض النقي، يلتهم عضلات الجناح، يحاول أن يحاكي تركيبها في جسده مستخدمًا قدرة فاكهته: يفكك الألياف، يدمجها في عظام كتفيه وظهره، يصنع لنفسه جناحين يستطيعان الظهور والاختفاء داخل جسده متى شاء.

لكن الألم كان شديدًا، أحيانًا كان يشعر بأن عظامه تحترق من الداخل، وكان عليه أن يضمد جرح ذراعه بأعشاب لزجة ذات رائحة مرة، ويضغط عليها بأسنانه حتى يهدأ النزيف.

في كل ليلة بعد الصيد، كان يجلس في الظل، يختبر جناحيه الجديدين، يفتح ويغلق المفاصل، يدرس كيف يسيطر عليهما دون أن يفقد توازنه.

وفي لحظات الألم والنجاح، كان يغمض عينيه ويتذكر أيامه الأولى في الأرض، حين كان الألم يعني النهاية، أما هنا فهو بداية لقوة جديدة.

مرّت أيام من التعافي والتجربة، ومع كل قفزة زمنية قصيرة كان آدم ينجح أكثر في التحكم بجناحيه، حتى أصبح قادرًا على إخفائهما وإظهارهما متى شاء، رغم أن كل محاولة كانت تترك ألمًا عميقًا في عظامه.

في قلب الغابة، جلس آدم على جذع شجرة عتيقة، ثوبه الأبيض ينسدل حوله.

عيناه تراقبان جايرو الذي يقف في منتصف ساحة ترابية، يلهث من التعب، وجهه متسخ بالتراب والعرق، لكن في عينيه إصرار جديد.

قال آدم بصوت هادئ:

– «فاكهتك ليست للهروب فقط. الباب سلاح، إن أحسنت استخدامه.»

رفع جايرو يده اليمنى، ركز كل انتباهه، ثم ركل الهواء بقوة.

في اللحظة نفسها، تشكلت بوابة صغيرة خلف جذع شجرة وهمي يمثل "العدو".

اندفع من خلالها، ليظهر على الجانب الآخر، يضرب الشجرة من الخلف.

آدم أشار إليه:

– «جيد. الآن من اليسار. تخيل أن خصمك يراقبك… افتح الباب في وجهه مباشرة.»

جايرو أدار جسده، ركل الأرض بقدمه اليسرى، ظهرت بوابة أرجوانية أمام دمية خشبية.

خرج منها فجأة، قبضته تضرب وجه الدمية بقوة.

بدأ جايرو يكرر التمرين: يركل من اليمين، تفتح البوابة خلف العدو، يضربه من الخلف. يركل من اليسار، تفتح البوابة في وجه العدو، يضربه مباشرة.

أحيانًا يخطئ، فتتوه البوابة في الهواء أو تظهر في مكان غير متوقع، فيسقط على الأرض ويضحك رغم الألم، وأحيانًا يصرخ غاضبًا أو يبكي من الإحباط.

في إحدى الليالي، جلس بجوار النار، يحدق في يديه المرتجفتين وقال بصوت مبحوح:

– «سيدي... هل سأكون قويًا يومًا؟ أم سأظل أهرب فقط؟»

آدم نظر إليه طويلاً، ثم قال:

– «القوة ليست أن تضرب، بل أن تنهض بعد كل سقوط. كل فشل درس. الباب الحقيقي هو الذي تفتحه في عقلك قبل جسدك.»

في صباح آخر، تحدى جايرو آدم في تدريب ودي:

– «لو فتحت بابًا خلفك الآن، هل ستلحقني؟»

ضحك آدم، وقال:

– «جرب، لكن لا تنسَ أنني أتعلم أسرع منك.»

في لحظة، فتح جايرو بوابة وركض عبرها، لكن آدم ظهر أمامه من الجهة الأخرى، يبتسم وهو يربت على رأسه.

ضحك الاثنان معًا، لأول مرة منذ زمن طويل.

مرت أيام من التدريب والصيد، حتى جاء اليوم الذي سمعا فيه زئيرًا يهز الأشجار.

كان الزئير عميقًا، يملأ الهواء برائحة لحم نيء وقشور محترقة.

ظهر دب عملاق، أسود اللون، فروه كثيف متشابك كأنه درع طبيعي، وعيناه تلمعان بلون أصفر غامق.

كان ضخمًا منطقيًا، ليس مبالغًا فيه حتى يفقد واقعيته، لكنه يكفي ليجعل الأرض تهتز تحت خطواته.

رائحة الدب كانت مزيجًا من الدم القديم والفراء الرطب والدخان، وصوته حين يزأر يجعل الطيور تهرب من أعشاشها.

آدم تجمد للحظة، مذهولًا من حجم الدب: في عالمه القديم لم يرَ شيئًا بهذا الحجم قط.

الدب اقترب، يبحث عن فريسة.

آدم انتظر اللحظة المناسبة، ثم ركض خلفه بسرعة، استغل خفة جسده الجديدة وجناحيه المخفيين.

شعر تحت قدميه بطين بارد لزج، وبرائحة الأعشاب المهروسة تحت ثقل الدب.

قفز على ظهر الوحش، احتضن عنقه بكل قوته، ذراعيه يحيطان بالرقبة الهائلة.

الدب بدأ يصرخ، يهز جسده بقوة، مخالبه تمزق الهواء وتخدش جذوع الأشجار.

في لحظة، انقض الدب على جايرو، الذي حاول فتح بوابة للهرب لكنه تعثر وسقط، وكاد الدب أن يطبق فكيه عليه.

صرخ جايرو من الرعب، واندفع آدم بكل غضبه، شد قبضته حول عنق الدب حتى سمع صوت العظام تتشقق تحت ضغط ذراعيه.

كان الألم يمزق كتفي آدم، جروحه القديمة تنفتح، لكنه لم يتوقف حتى سقط الدب أخيرًا، جسده يهتز للحظات قبل أن يبرد، وصوت أنفاسه الأخيرة يختلط بصوت الريح.

بعد المعركة، جلس آدم يلهث، الدم يسيل من ذراعيه وكتفه.

اقترب جايرو، عينيه دامعتان، وبدأ يضمد جروح آدم بأعشاب تعلمها منه.

قال آدم بصوت متقطع:

– «أحيانًا... القوة هي أن تصمد حتى عندما تعتقد أنك لن تستطيع.»

جلسا معًا بجوار جثة الدب، يتقاسمان الصمت.

قال جايرو بعد لحظة:

– «كنت خائفًا أن أموت اليوم.»

رد آدم:

– «الخوف لا يعيبك. الشجاعة أن تواجهه، لا أن تنكره.»

في الأيام الأخيرة، كان آدم يعالج جروحه بعناية، يربطها بشرائط من قماش ممزق، ويغسلها بماء الأعشاب المغلي.

كان الألم يجعل نومه متقطعًا، وأحيانًا كان يتردد في الهجوم أو التدريب، لكن كل مرة كان ينهض بإصرار جديد، يرفض أن يستسلم للضعف.

وفي إحدى الليالي، جلس آدم وجايرو بجوار النار، يتبادلان الحديث عن الماضي:

قال جايرو:

– «هل تشتاق لعالمك القديم يا آدم؟»

أجاب آدم بعد صمت:

– «أحيانًا. لكنني هنا الآن، وأنت عائلتي الوحيدة. أريد أن أراك أقوى، حتى لو كان الطريق مؤلمًا.»

وفي اليوم الأخير قبل الرحيل، وقف جايرو أمام شجرة ضخمة، وحفر عليها بسكينه:

"جايرو وآدم كانا هنا."

ابتسم آدم، وقال:

– «كل مكان نترك فيه أثرًا، نصبح جزءًا منه.»

وفي إحدى الليالي، جلس آدم في مقدمة السفينة، جناحاه الأبيضان مطويان خلف ظهره، النسيم يحمل رائحة البحر مختلطة برائحة الطين والدم، وصوت الأمواج يتداخل مع صرير الحشرات العملاقة في الغابة خلفهم.

نظر إلى الأفق، حيث البحر ينتظرهم، وقال بصوت هادئ:

«ما تعلمناه هنا… سيحملنا بعيدًا. لكن كل خطوة قادمة أصعب من السابقة.»

جايرو جلس بجانبه، يلمس قبضته الصغيرة التي تحمل شفرات الحديد، وعينيه تلمعان بالأمل والخوف.

الملاح العجوز أشار لهم من الدفة:

– «الريح تغيرت! سنبحر الليلة!»

آدم ألقى نظرة أخيرة على الجزيرة، ثم ركب السفينة مع جايرو. وفي أعماق البحر، كان المستقبل ينتظرهم، مليئًا بمخاطر وفرص لا يعرفها إلا من عاش في عالم الوحوش.

2025/07/09 · 19 مشاهدة · 1457 كلمة
نادي الروايات - 2026