الفصل 13 – "ميلاد السماوات الأبدية"
كان الصباح بارداً والضباب لا يزال يلف الأزقة حين تحرك آدم وجايرو من عند الكهف نحو المدينة. المطر الليلي ترك البرك والطين في الشوارع الضيقة. كان جايرو يسير خلف آدم بصمت، رأسه منخفض لكن عينيه ثابتتان. تذكّر ما قاله آدم ليلة أمس عند النار: «غداً نتحرك نحو الزعيم. غداً يبدأ القتال الحقيقي.»
وصلا إلى أطراف السوق، اختلطا بالباعة والمارة. تحرك آدم بخطوات هادئة، عيناه تراقبان كل شيء. جايرو خلفه مثل ظله. حين اقتربا من المبنى الحجري الذي وصفه لهما النادل من قبل، توقفا. كان مكانًا واسعًا بجدران سميكة، نوافذ ضيقة، باب ضخم يحرسه ثلاثة رجال، وأصوات آخرين تأتي من الداخل.
آدم تمتم: « ابدا.»
جايرو أخذ نفسًا عميقًا، أومأ، وفتح بوابة صغيرة جدًا خلف الحراس. لم يكن هناك صوت هذه المرة، تمرّن كثيرًا على جعلها صامتة. الهواء اهتز قليلًا وهو يركّز.
آدم تحرك فورًا. انسل من البوابة المفتوحة ظهرًا، قبضته ارتطمت بأنف أول حارس وأسقطه. الثاني حاول أن يصرخ لكن جايرو فتح فتحة أخرى خلفه فجأة، دفع خلالها عصا ملقاة في الزاوية فضربت مؤخرة رأسه وأوقعته. الثالث أخرج خنجره وانقض على آدم، لكن آدم قبض على معصمه بيده القوية التي تبدو طبيعية لكنها تخفي في داخلها العظم المعدني الصلب، ضغط عليه بقوة حتى سمع صوت كسر خافت، ثم لكمه في صدره وأسقطه.
دفعا الباب، دخلا إلى ردهة داخلية أوسع. هناك أربعة رجال آخرين يقامرون قرب مصباح زيتي. أحدهم صرخ فورًا: «دخلا!!»
قاموا متسرعين، أخرجوا السكاكين.
آدم تقدم للأمام مباشرة. أول رجل هاجمه بطعنة، لكن آدم انحنى ووجه لكمة قوية في بطنه جعلته يتقيأ ويتلوى. الثاني جاء من اليمين، فصفعه آدم بكوعه في الفك وأوقعه أرضًا.
الثالث حاول طعن آدم في الظهر، لكن جايرو فتح بوابة ضيقة جدًا خلف آدم مباشرة، وجعل سكين المهاجم يدخل الفتحة ويخرج خلفه، ليطعن كتف رفيقه الآخر في صدفة غبية جعلتهم يتعثرون ببعضهم.
آدم لم يتردد. تقدم وخنق أحدهم بذراعه حتى فقد الوعي. الرابع رمى عليه كرسيًا، لكن آدم ضربه بقبضته فكسر الكرسي ووجه له ضربة أخرى أسقطته على الأرض.
تقدم الاثنان أكثر. وصلوا إلى غرفة داخلية واسعة مضاءة بنيران مشاعل على الجدران. وسط الغرفة، كان زعيم العصابة يجلس على صندوق خشبي ضخم، سيفه الكبير على ركبتيه. أصلع، ضخم الجثة، وشم أسود يلتف حول رقبته. نظر إليهما وابتسم بسخرية:
«ها قد وصلت أخيرًا. توقعت أن يجرؤ أحدكم يومًا على هذا. حراستي مشددة دومًا، لكنك دخلت. ممتاز.»
آدم لم يرد. كان ينظر إليه كصياد يدرس فريسته.
الزعيم نهض ببطء، قبضته على السيف.
«ظننت أن رجالي سيكفونك، لكنك عنيد. سأقطع رأسك وأعلقه على الباب عبرة.»
اندفع فجأة، السيف يلمع تحت ضوء النار. آدم تحرك جانبا بسرعة، تجنّب الضربة الأولى. شق السيف الأرض الخشبية وأخرج شررًا.
آدم استدار وصفعه بقبضته على جانب رأسه، صوت خافت للعظام. الزعيم تأرجح لكنه لم يسقط، زأر وأدار جسده ليوجه ضربة أفقية أخرى.
آدم رفع ساعده لصدها، الشرر تطاير حين التقت نصل السيف بعظام ساعده الصلبة كالحديد، لكن ساعده لم ينكسر. دفع الزعيم بقوة، جعل خطوته تختل.
آدم استغلها ولكمه في بطنه. الزعيم بصق دمًا لكنه ابتسم بسخرية دامية.
«قوي... لكني أقوى منك!»
هجم بسلسلة ضربات متتالية، السيف يقطع الهواء، الشرر يتطاير مع كل صد لساعد آدم. جايرو فتح فتحة ضيقة قرب كتف آدم، جعل بها سيف الزعيم يمر ليضرب عمودًا خلفه بدلًا من آدم. الزعيم شتم وصاح: «ما هذا الجنون؟!»
جايرو فتح فتحة أخرى شتت ضربة أخرى، جعلها تنحرف جانبًا.
آدم انتهز اللحظة، أمسك معصم الزعيم بيد واحدة، ضغط بقوة حتى ارتخت يده، وجه له لكمة في فكه جعلت دمًا يتطاير من فمه.
زعيم العصابة تراجع مترًا، تنفسه ثقيل، عيناه متوحشتان.
تراجع خطوة أخرى، أخرج فجأة من جيبه أسطوانة معدنية صغيرة، سحب صاعقها، وصرخ:
«ستموت معي!!»
ورماها في اتجاه آدم.
آدم فتح عينيه في لحظة. ركض باتجاه الزعيم نفسه، ركل القنبلة في الهواء بعيدًا عن قدميهما. انفجرت عند مدخل الغرفة، النيران شبت والدخان ملأ المكان. شظايا طارت، جرحت ساعد آدم وأصابت الزعيم في كتفه. الدماء سالت.
الزعيم تراجع يتألم، لكن الزاوية كانت مغلقة عليه، النار خلفه.
آدم اقترب منه ببطء، يعرج قليلًا من شظية في فخذه. قبضته ملطخة بالدم، لكن ثابتة.
الزعيم شهق. كان يعرف أنه خسر.
صرخ وهو ينزف:
«لا... لن أخبرك بمكان الكنز!»
آدم صوته منخفض، بارد:
«قل لي. وإلا سأجعل الفئران تأكل أمعاءك حيًا. سأدخلك في أنبوب بامبو وأشعل النار تحته. سأسمع صراخك حتى أفهم كل كلمة.»
زعيم العصابة ارتعد فعلا، شهق، أغمض عينيه:
«تحت الجدار الشرقي... حفرة صغيرة... الصندوق الحديدي هناك. كلمة السر محفورة عليه. أرجوك اقتلني بسرعة.»
آدم شد قبضته على عنقه، نظر في عينيه ليتأكد أنه لا يكذب. ثم ضغط أكثر، أنهى حياته في صمت.
آدم مسح الدم من وجهه.
«جايرو. الجدار الشرقي.»
جايرو فتح بوابة صغيرة في الأرضية قرب الجدار، أخرج الصندوق الحديدي الثقيل.
آدم كسر قفله بقبضته، وجد الذهب والعملات والمجوهرات.
هز رأسه.
«صدق.»
نظر إلى الجثة:
«كان أذكى من رجاله. لكن ليس كفاية.»
خرج الاثنان من المبنى المحترق جزئيًا، الدماء على ملابسهما. الناس في الأزقة ابتعدوا صامتين، يتهامسون:
«كاروك مات.»
«انتهت العصابة.»
آدم لم يلتفت لهم. كان يسير ببطء، يحمل الصندوق، وجايرو خلفه صامت يلهث.
عند الغروب وصلا إلى حانة مهترئة على طرف المدينة. كان صاحبها العجوز ينظف الطاولات.
آدم وضع الصندوق أمامه.
«هذا لك. مقابل الحانة. اخرج.»
العجوز نظر إلى الذهب، ثم إلى آدم، أومأ بخوف وخرج يجر قدميه.
آدم التفت إلى جايرو، مسح دمه عن وجهه بخرقة.
«اسمها الآن "السماوات الأبدية".»
جايرو ابتسم رغم تعبه الشديد.
آدم خرج إلى الشارع، صوته عميق:
«أيها الفقراء! أيها الأيتام! أيها الضعفاء! من يريد طعامًا ومأوى، فليدخل. هذه ليلتكم الأولى. هنا أمان، هنا أكل، هنا نوم. غدًا سنتحدث عن العمل.»
الناس ترددوا، لكن الجوع دفعهم. أطفال حفاة ركضوا أولًا، امرأة عجوز تبعتهم، شاب مجروح زحف إلى الداخل.
آدم فتح لهم الباب، أشار لهم بالدخول.
جلس على طاولة خشبية، يراقبهم يملؤون المكان.
صوته كان هادئًا لكنه صارم:
«إرادتي هي إرادة هذه المنظمة. وإرادتها هي إرادتكم. من يخدم هذا الهدف يرتفع معي. من يخون يسقط. هنا لا عبودية ولا منّة. هنا عهد. هذه السماوات الأبدية تبدأ الليلة.»
---
نهاية الفصل 13