✨ الفصل – 17 «نار في الميناء»

كان الليل ثقيلًا ورطبًا في المرفأ. رائحة السمك والدم والدخان تختنق تحت سماء مشبعة بالغيوم، والريح تدفع ألسنة النار المتراقصة في الحانة التي صار اسمها «بيت الحرية». في قلبها حفرة محفورة في الأرض يعلوها موقد حجري بدائي وسياج حديدي صدئ يحيط باللهيب.

آدم جلس قرفصاء قرب النار، يقلب جمرة بعصا حديدية، يراقب الرجال والنساء والأطفال من حوله. كانت نظراته تدرسهم في صمت طويل.

> «الحديد يصدأ. النار تعطيه حياة جديدة. هذه النار لنا جميعًا، لكنها تلتهم من يقترب بلا فهم.»

لم تكن مجرد نار للدفء. كانت رمزًا مقصودًا، مركز ثقل ولاءٍ صعب المنال. من يجلس هنا يفهم أن لا أمان مجاني، بل عهد لا رجعة فيه.

---

في تلك الأيام، بدأت ملامح النظام تتسلل إلى السوق:

رجال آدم يبيعون الحطب بثمن منخفض، يصلحون القوارب، يعطون قروضًا للفقراء بلا فوائد، ويرددون أن هذه أموال «بيت الحرية» الذي يحمي الناس من جشع التجار. لكن في الليل، كان لهم وجه آخر: يتدربون على السير صامتين في الأزقة، على تكميم الأفواه دون دم، على حمل الرسائل المشفرة، على الرماية في الظلال.

---

قبل أسابيع، حين بدأ يثبت أقدامه في الميناء، جمع آدم ثلاثة من أخطر الألسن والأيدي حوله.

عثر على أورغان في ساحة قتال غير قانونية، كان يضرب خصمه حتى فقد وعيه، فتدخل آدم ومنع القتل، وقال له ببساطة:

> «تضرب جيدًا. تعال واضرب لأجل شيء نبنيه.»

فوافق أورغان، يرى في آدم اليد التي توقفه قبل أن يتحول إلى مجرد وحش آخر.

أما سيرانا، وجدها تفاوض بحارة على تهريب شحنة مسروقة، وأوقعها في فخ بسيط، عرض عليها حماية وسوقًا آمنًا مقابل ولاء مدروس. كانت حذرة، لكنها قبلت لأنها رأت الربح والنفوذ.

ريك الكاتب، كان ينسخ أوراق الدين للمرابين في ركن مظلم، يعرف أدق أسرار السوق. لاحظه آدم يعرض دفتره، وقال له:

> «اكتب ما تريد، لكن اكتبه لي.»

ريك فهم أن هذه فرصته ليصير شاهدًا وقوة في نظام جديد، فانضم دون جدل كبير.

---

في غرفة الاجتماعات، اجتمع آدم مع أورغان المقاتل الصلب، وسيرانا الفتاة سريعة البديهة، وريك الكاتب الحذر. كانت الطاولة الخشبية متآكلة، تتوسطها خريطة ممزقة.

آدم أشار إلى الخريطة:

> «السوق هنا. الميناء هنا. هذا هو طريق التهريب. نحن نزرع العيون في كل مكان.»

أورغان ضرب الطاولة براحة يده وقال:

> «رجالي يتدربون جيدًا. لكن هذا لن يكفي وحده.»

آدم هز رأسه ببطء.

> «من حسن الحظ أنني دربت مجموعة من الأولاد خصيصًا لأيام مثل هذه. ما زالوا صغارًا، لكنهم يكبرون على يدي، يعرفون ما أريده قبل أن أقوله. هؤلاء لن أتركهم في الشوارع، سأجعلهم أعمدة في هذا المكان.»

لم يقلها كتلميح عدم الثقة، بل كخطة مدروسة صامتة. هو لا يعطي ولاءً النسبي إلا لمن صاغهم بنفسه.

---

سيرانا كانت تحدق في الخريطة:

> «الناس يتكلمون عنا. بعضهم يلقب رجالنا "كلاب الحريق" لأنهم يظهرون وقت المشكلة ويطعمونهم بعد أن ينهار السوق.»

ابتسمت ساخرة.

> «لكنهم أيضًا يخشوننا.»

---

ريك الكاتب أضاف وهو يدوّن الملاحظات:

> «حتى الآن نتركهم يتكلمون بما يريدون. في النهاية الكلمة التي سنتركها في أفواههم هي: النظام. هذا ما يشتري ولاءهم أكثر من الخوف.»

آدم حدق فيه طويلًا وأومأ.

---

في السوق، كان صبية آدم يراقبون التجار وهم يرفعون الأسعار على الجياع. رجال «بيت الحرية» يتدخلون بحذر، يخفضون الأسعار بالقوة حين يلزم، ويهددون الحيتان الجشعة بأن «النار» لا تنام.

صار الناس يتداولون قصصًا عن «آدم» الذي يسيطر على الميناء وكأنه يلتهمه التهامًا. البعض قال إنه مثل وحش يفتح فاهه على كل شيء، والبعض قال:

> «هذا مثل نبلاء العاصمة. لكن بدل أن ينهبنا بضرائب، ينهبنا بالخوف والخبز.»

---

في المدينة القديمة، اجتمع زعماء العصابات في أحد الأوكار.

صاح شاب متهور:

> «يجب أن نضربه الآن قبل أن يشتد ساعده!»

زعيمه الأكبر في السن، أصلع ذو وشم عنيف في عنقه، ضرب الطاولة بعنف.

> «أحمق. هذا الرجل سحق أقوى عصابة فينا مع أتباعها وقائدها بشخصين فقط. والآن؟ معه عشرات. من يهاجمه يحترق مثل الفئران في الزيت.»

ثم أردف بنبرة منخفضة خبيثة:

> «دعه ينمو. دعه يحكم السوق. سنكسب من تحت الطاولة. لكن لا تهاجمه إلا لو أردت أن ترى رأسك على بابه.»

---

وفي قصر الحاكم، جلس رجل عجوز بثياب حريرية وهو يقرأ تقريرًا.

> «يبيع الحطب رخيصًا. يصلح القوارب. يعطي قروضًا بلا فوائد. يطعم الفقراء. لكن رجاله يضربون الحرس في الزوايا. يختفون مثل الدخان. يهددون كبار التجار. الناس يحبونه...»

حرك الكأس بيده.

> «يحبونه لأنه يملأ بطونهم. لا أراه إلا نبيلا يشبه نبلاء العاصمة في شراهته. لكن هؤلاء النبلاء الذين لا يتحكمون في جشعهم يلتهمون أكثر مما يستطيعون بلعه. في النهاية يختنقون به.»

قال للحاجب بجانبه:

> «أبلغ البحرية. أخبروهم أنه يسيطر على السوق وكأنه يلتهمه. أريدهم أن يراقبوه. أن يفهموا طبيعته. وأقترح عليهم لقبًا يليق به... "خطيئة الشرها".»

---

وفي مكتب متواضع في مقر البحرية القريب من الجزيرة، كان قائد البحرية يتلقى الرسالة. قرأها ببطء، رفع حاجبه، ثم وضعها على الطاولة.

> «خطيئة الشرها، هاه؟ يبدو أن الحاكم يعرف كيف يختصر الرجل في كلمة.»

نظر إلى ضابط آخر، شاب بوجه متجهم عليه ندبة قديمة:

> «أريدك أنت. أنت عشت تحت حكم نبيل سحق قريتك، أليس كذلك؟»

هز الضابط رأسه.

> «أعرف هذا النوع. يطعِمُك بيد ويخنقك بالأخرى.»

قال القائد:

> «لهذا اخترتك. ستعرف كيف تصطاده.»

ثم دوّن على ورقة رسمية:

> «الفرقة المرسلة:

1. جارو – متخصص في حرب المدن.

2. كينت – قناص.

3. لوتا – ضابطة تحقيقات.»

> «أرسلوا هذه الأسماء للقيادة. وانقلوا لهم أني أرسل الأصلح لهذا النوع من الجرذان. مستعدون للتحرك فور الأوامر.»

---

وهكذا، بينما كانت النار تتوهج في قلب «بيت الحرية»، كان آدم يراقب لهبها في صمت. يعرف أن جدران السوق تهمس با

سمه، أن الألسن تتداول أفعاله.

> «هذه النار... ستأكل من ينسى نفسه فيها. وسأكون أول من يذكرهم.»

رفع يده المعدنية الملطخة بندوب قديمة، ولم يقل شيئًا آخر.

كان يعلم أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد.

2025/07/11 · 21 مشاهدة · 913 كلمة
نادي الروايات - 2026