الفصل 18 – هدوء قبل العاصفة

كان الليل في «بيت الحرية» ثقيلاً كصخرة فوق صدر المدينة. في الداخل، جلست النار تتلوى في حفرتها الحجرية، تلقي ظلالًا راقصة على وجوه متحفزة أو خائفة أو مترددة. صوت المطر الخفيف على السقف المهترئ بدا كهمس تحذير طويل.

آدم جلس على المقعد الخشبي الوحيد في صدر الغرفة الواسعة، يحدق في الخريطة البالية أمامه. خطوط رفيعة حُفرت عليها بيد مرتعشة زمن الجوع، صارت اليوم تشبه شرايين تنبض بالخطر.

فتح ورقة مرسلة من ريك، بخط أنيق ومحكم. أعاد قراءة الأسماء:

«جارو – مقاتل شوارع عنيف، قائد وحدات الاشتباك.

كينت – قناص ماهر، صبور، خطير من بعيد.

لوتا – ضابطة تحقيقات، ذكية في تفكيك التنظيمات.»

هؤلاء ليسوا مجرد جنود. البحرية اختارتهم بعناية، وكأنهم أدوات جراحية لقطع شرايينه.

نظر إلى رجاله الملتفين في الأطراف، ألسنة اللهب تكشف وجوهًا صلبة وأخرى قلقة. أومأ لريك الكاتب. كان ريك واقفًا قرب الباب، دفتره تحت ذراعه، عيونه الصغيرة تلمع بالقلق، وريثه الشاب «ريكو» خلفه، كان ريكو يجلس قريبًا من الحائط، يتتبع بعينيه خطوط الخريطة كما يتتبع الطفل آثار خطوات وهمية في الطين. يمسك دفتره الخاص ككنز صغير، يرسم بقلمه المرتجف خطوط البحر والميناء والجزر التي لا يعرفها إلا من عاشها.

آدم نظر إليه طويلًا، ثم تمتم في نفسه:

> «أحضرته له خصيصًا… الملاح الأعمى الذي يعرف البحر من رائحة ملوحته ومن صوت الريح في الأشرعة. أردت لريكـو أن يفهم أن العين ليست كل شيء، وأن من يتعلم من رجل لا يرى… سيرى أكثر من غيره.»

ثم أضاف، بصوت لم يسمعه أحد:

> «هو لا يعرف أنني أراقبه كل ليلة… كيف يعيد رسم الخريطة من ذاكرته، كيف ينقل ممرات الريح وكأنها أسرار… ريكو لا يريد أن يكتب فقط، يريد أن يقود السفينة يومًا. وأنا لن أمنعه.»❞

أدار آدم نظره نحو أورغان، الرجل الضخم ذو الشعر الأسود المجعد والندبة العريضة على وجنته. كان جالسًا على صندوق قديم، يحدق في النار. لم يكن منظِّمًا ولا استراتيجيًا، لكنه مقاتل يعرف كيف يُربّي المقاتلين.

آدم تذكر كيف وجده أول مرة، في ساحة قتال قذرة، يقاتل ثلاثة رجال ويُسقطهم واحدًا واحدًا. وقتها لم يكن سوى كلب شوارع مسعورًا، لا يثق بأحد. عرض عليه آدم الأمان مقابل الولاء. أورغان قبل بشروط آدم لأنه عرف: القيد الذي يمنح المعنى أفضل من الحرية التي تقتل صاحبها.

اليوم صار أورغان يدرّب المجندين الجدد على القتال اليدوي، الملاكمة، السكاكين، ويكسر غرورهم في الحلبة. كان صلبًا، لكن آدم رآه يراقب أحد تلاميذه الجدد بعين خاصة: صبي اسمه «برام»، شعره أحمر شائك، نظرة ذئب في عيون شاب.

آدم انتبه إلى برام، الذي وقف قرب أورغان. كان صامتًا، لكنه بدا كأنه يحترق في الداخل، يضغط على قبضتيه حتى تبرز عروقه. لم يكن سهلًا ترويضه. آدم نفسه اصطاده في قتال بين عصابات الميناء، وجده يضرب قائد عصابة منافسة حتى كسر وجهه.

آدم لم يوبخه حينها، بل قال له:

«أعجبتني ضربتك الأخيرة. لكنها بلا هدف. تعال، سأعطيك خصمًا يستحق قوتك.»

هكذا صار برام واحدًا من أخطر تلاميذ أورغان، لكنه ما زال يتعلم كيف يقاتل بعقل لا بغضب فقط.

في الركن الآخر من القاعة كانت سيرينا، تلك المرأة ذات الشعر الأسود الطويل، بملامح هادئة غامضة، ترتدي هودي واسعًا أسود اللون، عيناها تراقبان كل شيء. كانت المسؤولة عن التهريب، الصفقات، الاتصالات.

آدم لم يثق بها في البداية. وجدها تفاوض بحّارة مهرّبين لتضمن حصتهم من الأرباح. حاصرها اقتصاديًا، قطع عليها طريق الربح، ثم عرض عليها نظامه: سوق تحت حمايته، صفقات مضمونة، مقابل ولاء حقيقي.

هي قبلت في البداية لأنها رأت فيه زعيمًا مربحًا، لكنها بمرور الوقت بدأت ترى فيه أكثر من ذلك.

قربها جلست وريثتها الصغيرة «ليانة»، فتاة ذات شعر بني داكن يميل إلى الأحمر، عيناها مركّزتان، تحمل دفترًا صغيرًا ترسم فيه خرائط السوق وأسماء التجار. سيرينا كانت تعلمها بهدوء كيف تقرأ الوجوه، كيف تفاوض، كيف تنقل الإشاعات وتعيد بيعها، وكيف تخفي نواياها بابتسامة بريئة.

آدم نظر إلى ليانة، فرفعت رأسها، مستجمعة شجاعتها، لكنها لم تتكلم. اكتفى بإيماءة قصيرة، كمن يعترف بها كواحدة من العائلة الجديدة التي يبنيها.

مايا كانت تطل من المطبخ، تمسح يديها بحماس على مئزر ملطخ بالمرق. شعرها أخضر طويل ينسدل على كتفيها، وجهها الطفولي مليء بالحياة رغم الفوضى. هي الطاهية، لكنها أكثر من ذلك. آدم لم يخترها لأنها تجيد الطبخ فقط، بل لأنها كانت تملك حاسة ذوق نادرة، قادرة على التفريق بين توابلٍ متشابهة وأعشابٍ متعارضة.

ولهذا أحضر لها طبيب أعشاب عجوز وطبيب تقليدي من الأحياء الخلفية، ليعلمها كيف تفرق بين الأعشاب السامة والمطهّرة، كيف ترى في شكل الورقة وتجاويف الجذر ما يفضح سرّها. قال لها ذات يوم:

> «من يعرف وصفة لطبقٍ معقّد... سيعرف يومًا كيف يصنع علاجًا مركّبًا.»

بدأت تسجّل ملاحظاتها في دفترٍ صغير، تربط فيه طعم كل عشبة بوظيفتها، وتعالج الجروح الخفيفة في المطبخ وتراقب الشفاء كما تراقب نضج اللحم.

كان آدم يراقبها بصمت، يعرف أنها ستكون اليد الطبية للبيت، تعرف كيف تطعم وكيف تداوي، وذات يوم، ربما... كيف تسقي السم بحذر.❞

آدم لم يقل لهم اليوم من لا يطيق ذلك فليرحل. لم يكن يصرخ بهم. بل كان ينظر في وجوههم واحدًا واحدًا، يفكر.

«من سيكسر عهده، سأكسره في السر. من سيغدر، سأحفر قبره بيدي. الباقون... سأجعلهم رجالًا ونساءً يستحقون البقاء.»

عقله كان يراجع خطته. هو يعرف أن هؤلاء الثلاثة الذين أرسلتهم البحرية ليسوا مغفلين. جارو، هذا الذي يقود وحدات الاشتباك، يشبه أورغان لكن أخطر، أكثر خبرة. آدم يعلم أنه هو خصمه الحقيقي. هذا هو الذي سيواجهه، وسيسحقه.

كينت، القناص، خطرٌ على رجاله من بعيد. لوتا، تلك الضابطة ذات الذكاء الثعباني، تعرف كيف تُحرك الجنود مثل رقعة شطرنج.

آدم تنهد ببطء، وخبط بأصابعه – تلك الأصابع التي تبدو بشرية لكن صلابتها صلب الحديد، لا أثر لندبة واضحة، لكن من يعرفه يعرف الثمن الذي دفعه ليمتلكها.

أومأ لريك أن يقترب، وأخذ الخريطة منه، رسم عليها خطوط الهجوم المحتملة، المخارج، الأماكن التي سيزرع فيها عيونه.

قال بهدوء خشن:

«لا مجال للصدفة الليلة. نحن لا نريد الحرب... لكن من يفرضها علينا سيعرف أن الحديد قد يصدأ، لكن الإرادة لا تموت.»

الخارج كان يزداد بردًا، والريح تعصف بالباب كأنها تستأذن بالدخول. في الداخل، النار ظلت مشتعلة، تضيء وجوهًا صارت تعرف أن هذه الليلة ليست مثل غيرها.

آدم رفع رأسه أخيرًا، ونظر إليهم جميعًا. لم يكن هناك صراخ، ولا شعارات. فقط نظرة واحدة ثقيلة

:

«الليلة، من ينجو، سيصبح جزءًا مني. ومن يخون، لن يجد قبرًا.»

---نهاية الفصل 18

2025/07/12 · 78 مشاهدة · 980 كلمة
نادي الروايات - 2026