الفصل 19"وجوه أصبحت مطلوبة"
كان الليل ثقيلا على المدينة، المطر يهطل بلا رحمة، يطرق السقوف المعدنية ويحول الأزقة إلى طين ولون صدئ. معظم السكان كانوا قد غادروا في الأيام الماضية أو أغلقوا الأبواب خلفهم مذعورين، بعد أن سرت الشائعات عن معركة حتمية بين البحرية وبين رجال آدم. بأوامر صارمة من آدم نفسه، تولت سيرينا تأمين طرق هروب لمن أراد المغادرة، ورتبت للمدنيين ممرات سرية في السوق الخلفي وأقنعت التجار بأخذ عائلاتهم والفرار. حين غربت الشمس، بدت المدينة شبه خالية إلا من الخوف وصوت المطر.
كان الصغار وتلاميذ ريك وسيرينا قد أُبعدوا بالفعل إلى ملجأ آمن بأمر آدم، فلم يبق في بيت الحرية إلا من سيقاتل أو يعالج الجرحى. داخل بيت الحرية، وقف آدم في صمت وسط دائرته. وزع النظرات على من تبقى معه. أورغان شبك ذراعيه، برام يقف قريبًا منه يلف الضمادات على قبضته مستعدًا للقتال، جايرو يلتفت إلى الظلال وكأنه يختبر البوابات بعينيه. سيرينا كانت قرب النافذة، عيناها الحذرتان تراقبان مداخل السوق وأزقته بخبرة التهريب والتفاوض. مايا كانت تنقل صناديق العلاج وتعد الأدوية والأعشاب بهدوء صارم، تضبط تنفسها وتثبت يديها بحرفية وهي تراجع وصفات الشيخ نجيب في ذهنها.
الليلة لا مكان للاستعراض أو الفوضى. سننجو لأننا نعرف ثمن بقائنا. كلٌ منكم يعرف دوره، ولن يخطئ فيه
أشار آدم بعينيه لأورغان وبرام وقال:
«صدوا الجنود في الأزقة، كسروا صفوفهم، لا تسمحوا لهم أن يلتفوا علينا.»
أورغان أومأ بثبات: «مفهوم.»
برام لف قبضته وقال بابتسامة حادة: «جاهز.»
ثم أومأ لجايرو:
«القناص سيكون على السطح، لا تدعه يراك أولاً. خذه معك إلى السماء... واتركه هناك.»
جايرو رد بهدوء: «سيكون منسيًا.»
التفت إلى مايا، صوته أكثر حنانًا لكنه حازم:
«افحصي المصابين، عالجي ما يمكنك. تذكّري ما علمك الشيخ نجيب، والباقي استخدمي فيه حدسك.»
وأخيرًا نظر إلى سيرينا وقال:
«ركّزي على السوق الخلفي. أي محاولة إمداد للبحرية من هناك، أوقفيها. لا أريد طعامًا ولا سلاحًا يصلهم من تحت الأرض.»
سيرينا أومأت باختصار: «سأغلق تلك الشرايين.
خرجوا إلى الشوارع المبللة بدموع السماء. كانت البحرية قد وصلت بأوامر واضحة: القبض على قائد ما يسمى «السماوات الأبدية» ورجاله أو قتلهم – الاسم الذي سربته تقارير التجسس واعترافات بعض الفارين. يقودهم ثلاثة ضباط ميدانيين: جارو في الطليعة بسيفه العريض وعضلاته المشدودة، كينت القناص الذي يتموضع على أسطح البيوت، ولوتا التي توجه الجنود بالأوامر ببرود قاتل.
لوتا لم تكن مشهورة كمقاتلة صرفة، بل اشتهرت بانضباطها وخططها، لكن ما لم يسجله ملفها الرسمي هو مهارتها في السموم، فقد أخفت زجاجات صغيرة في حزامها وخناجرها المطلية، تحب أن تباغت خصومها بما لم يتوقعوه أبدا.
بعد دقائق من الزحف البطيء في الأزقة الموحلة وتبادل الاشتباكات المتقطعة، وجد آدم نفسه في مواجهة جارو في الساحة الرئيسية. كانت خطواتهما تثقل في الوحل، المطر يقرع خوذ الجنود الهاربين حولهم.
جارو حدق فيه وضحك بنبرة متوترة: «كنت أريد هذه اللحظة. فلنرَ إن كنت وحشًا كما يقولون.»
آدم لم يرد. تثبت في مكانه، خفض كتفيه قليلًا، انحنى في وضعية قتالية منخفضة تُتيح له المناورة. عيناه تتنقلان على مفاصل جارو: ركبته الأمامية، قبضة سيفه، التواء وركه. زفر ببطء، يضبط تنفسه كي لا يهدر طاقته.
بدأ القتال.
جارو انقض أولًا، صوته يشق المطر مع صفير سيفه. آدم تراجع نصف خطوة، أدار جذعه ليجعل الطعنة تنزلق عن خاصرته، انحنى سريعًا وأمسك رسغ خصمه بيد واحدة، دفنه في الوحل ليفقد التوازن.
جارو شتم، استعاد توازنه وهاجم بسلسلة ضربات – عالية ومنخفضة، أفقيًا وعموديًا. الشرر يتطاير، والحديد يصرخ عند التصادم. آدم أبقى ذراعه اليسرى مرفوعة للحجب، وأطلق لكمة قصيرة بيمناه إلى أضلاعه المكشوفة.
تعثر جارو للخلف.
لم يتركه آدم يلتقط أنفاسه. خطا خطوة واسعة، استدار على كعبه ووجه ركلة منخفضة للركبة الأمامية – النقطة التي تزعزع توازنه تمامًا. جارو تأوه وتمايل.
آدم أغلق المسافة فورًا، قبض على ياقة صدره، جذب خصمه نحوه ثم ضرب بقبضته بقوة في قاعدة الرقبة – بين الترقوة والحلق – وهي ضربة لشل رد الفعل مؤقتًا.
جارو سعل، طعن سيفه عشوائيًا، فشق خاصرة آدم جرحًا سطحيًا. الدم امتزج بالطين.
آدم زأر من الألم لكنه رفع ركبته في بطن خصمه بقوة، أرسله يتدحرج في الوحل، متقوسًا من الألم، يتقيأ طينًا ودمًا.
القتال لم يكن متكافئًا طوال الوقت. جارو كان جنديًا خبيرًا، خطواته ثقيلة لكنها مدروسة، يبدل اتجاه ضرباته فجأة كي يربك خصمه. آدم اضطر إلى الانحناء، إلى التدحرج في الوحل كي يتفادى قطعًا قاسيًا كاد يفتح بطنه.
أنفاسهما تعالت مثل زمجرة وحشين في المطر. الطين التصق بأقدامهما حتى صار يعيق حركتهما. الشرر تطاير مرة أخرى عندما ارتطمت قبضتهما المعدنية بالسيف، ورائحة الدم الساخن فاحت في الهواء البارد.
آدم شعر بحرارة جرحه، الدم يتسرب على جنبه، بلل قميصه الممزق، أسنانه تطحن بعضها. رأى نظرة جارو، ذلك الثبات البارد والابتسامة المتوترة التي تخفي جهده، وكان يعرف أن خصمه مرهق أيضًا.
تبادلا الضربات مثل اثنين لا خيار لهما إلا أن يقتل الآخر. آدم حجب سيفه بمرفقه، شعر بشلل مؤقت في يده من الصدمة، فرد ذراعه الأخرى في خطاف واسع، أصاب فك جارو فأدار رأسه وتركه يترنح للحظة.
الدم انساب مع المطر، ولون الأرض تحوّل إلى مرج من الطين الأحمر. في تلك اللحظة، بدا جارو يترنح من الإرهاق، صدره يعلو ويهبط كمن يختنق. لكن قبل أن يسقط، استجمع ما تبقى من وعيه وحدق في آدم بنظرة حاقدة، صرخ كالمجنون واندفع بضربة أخيرة يائسة، سيفه يشق الهواء في قوس عنيف.
حين صرخ جارو كالمجنون واندفع بالضربة الأخيرة، شعر آدم بتهديد خالص يخترق عموده الفقري. عيناه اتسعتا، نبض قلبه تسارع كطبول حرب، ودوى الرعد في أذنيه حتى كاد يصمّه.
للحظة خاطفة، كأن كل شيء تباطأ. رأى اتجاه السيف، زاوية كتف جارو، ارتعاشة قدمه اليمنى. كل هذا انفجر في ذهنه كصورة واحدة، نذير موت لا مهرب منه.
زمجر آدم، جسده كله توتر، وزفر بقوة وكأنه يطرد الخوف من صدره. انحنى جانبًا، تفادى السيف الذي مزق الهواء إلى جواره وشعر بالحد يلامس شعره المبلل.
ثم لمح الفرصة: انكشاف الصدر.
رفع قبضته وأطلق كل قوته فيها، كأنه يصب فيها وزنه وغضبه وتدريبه وعزيمته معًا. جزء صغير جدًا من جلده اسود في مفاصل أصابعه، شظية من هاكي التسلح انفجرت بلا تحكم، كعلامة بدائية لوعد أكبر.
قبضته ارتطمت بصدر جارو مثل مطرقة إلهية. صوت تهشم العظم كان كصرخة وحش يحتضر. الهواء خرج من رئتي جارو في شهقة أخيرة، وعيناه تجمدتا، جسده تداعى وارتطم بالطين بلا نفس.
آدم حدق بيده، قطرات المطر تغسل الدم عنها. اللون الداكن على مفاصل أصابعه كان يتلاشى ببطء، كأنه لم يكن هناك.
جلس على الأرض بثقل، تناثر الوحل حوله، وسند مرفقيه على ركبتيه. تنفسه كان متقطعًا، صدره يعلو ويهبط وكأن رئتيه تصرخان طلبًا للهواء.
نظر إلى قبضته مرة أخرى، وهمس وهو يلتقط أنفاسه:
«ما هذا...؟ هل كان هاكي التسلح؟ مجرد جزء... ولا أتحكم به حتى.»
لف رأسه جانبًا، بصق دماً ممزوجًا بالمطر، ثم أغلق عينيه للحظة، فقط لحظة.
لكن الأصوات من حوله – صرخات القتال، هدير المطر، وقع الأقدام – أعادته إلى الواقع. فتح عينيه، ونهض بصعوبة، كأن جسده أثقل من أن يتحرك، لكنه تحرك.
كان المطر ينهمر بلا رحمة فوق الأزقة الضيقة، يخلط الدم بالطين. أصوات الصدامات والصرخات تتردد بين الجدران المتهالكة.
قوات التنظيم خاضت قتالًا شرسًا ضد البحرية في الأزقة الفرعية، يحاولون كسر صفوفهم وتشتيت انتباههم. صرخ أورغان بأعلى صوته، يلوح بيده الضخمة:
«أيها الرجال! أبقوا الجنود بعيدين عن ظهري! شتتوا صفوفهم!»
لوتا، الضابطة البحرية، راقبت الفوضى بعينين ضيقتين، وهي تلوح بسكينها القصير المصقول. وجهها مغطى برذاذ المطر، نظرتها هادئة لكنها قاتلة.
«تقدموا! أغلقوا عليهم الطريق! لا تسمحوا لهم بالالتفاف!» صاحت بأوامرها، محركة يدها الحازمة.
أورغان اندفع للأمام مثل جدار حي، لكم جنديًا في صدره فأطاح به أرضًا يختنق، ثم التف بسرعة ليركل آخر في فخذه ويحطمه على الجدار. لكنه شعر بخدش بارد في ساعده، ضربة خنجر لوتا كانت سريعة ودقيقة، تركت خطًا أحمر يسيل دمًا.
تراجع خطوة، يده تنقبض. شعر بحرارة غريبة تنتشر في عروقه، رأسه خفيف، أنفاسه صارت أثقل.
«سم...؟» تمتم بأسنانه المطبقة.
لوتا ابتسمت بسخرية خافتة، صوتها يقطعه المطر:
«ذكي، لكن بطيء جدًا. هذا السم سيجعلك بطيئًا حتى الموت.»
جنودها رأوا ذلك فاندفع اثنان لمساعدتها، لكن برام كان قد اقترب بالفعل، ضماداته تقطر طينًا ودمًا.
«ابتعد عن طريقي!» صرخ وهو يوجه لكمة قوية في وجه أحدهم، حطم أنفه وأطاح به أرضًا. الثاني حاول طعنه بحربة، لكن برام تفادى ببراعة، أمسك ذراعه ولفها خلف ظهره، ثم دفعه ليسقط على رأسه في الوحل فاقد الوعي.
أورغان ضغط على جرحه بيده الثقيلة، تنفس بعمق رغم الدوار، ثم صرخ بصوت غليظ:
«برام! ساعدني في إنهاء هذه المرأة!»
برام انقض عليهما مثل نمر، راوغ خنجر لوتا وهي تحاول طعنه، ثم لكمها في فكها من الجانب. ارتبكت لوتا للحظة، تراجعت وهي تلهث.
حاولت طعن أورغان مجددًا، لكن قبضته الثقيلة انقضت على معصمها وأوقفت حركتها.
«الآن، برام!»
برام ضرب كوعها بقوة من الجانب، شل ذراعها، ثم وجه لكمة عميقة في صدرها. سُمع صوت تهشم أضلاعها في المطر، شهقت شهقة أخيرة، جسدها ارتعش ثم سقط في الطين بلا صوت.
بقي أورغان يحدق فيها لثانية، يلهث، يده ما زالت ترتعش من تأثير السم. بصق الدم، ثم استدار إلى برام.
«برام، خذ من تبقى من رجالنا، أطرد بقية قوات البحرية من الأزقة. لا تدع أحدًا ينجو.»
برام ابتسم ابتسامة حاقدة، لف الضمادات الموحلة حول قبضته.
«مفهوم.»
أورغان زفر، أدار ظهره بصعوبة، وتوجه مترنحًا نحو بيت الحرية، يده تضغط على جرحه.
(مايا... سأحتاجك الآن أكثر من أي وقت.)
كان السطح غارقًا في المطر الغزير، الماء يجري في شقوق الطوب ويتساقط من الحواف. البرق أضاء المدينة المتشظية، وكشف ظلالًا تتلاحم في الأسفل.
وقف كينت بثبات قرب حافة السطح، البندقية الطويلة مسندة إلى كتفه، عيناه تجوسان الظلام، تبحثان عن الهدف. على وركه مسدس ثقيل، يلمع بفعل المطر.
جايرو كان يزحف بصمت خلف أكوام الطوب المتهدم. المطر يبلل شعره ويغسل الدم عن ساعده المجروح. أنفاسه متلاحقة.
(إنه قناص محترف... سأموت إن أخطأت فتح البوابة ولو لثانية.)
فتح بوابة جانبية صغيرة، عبر منها، خرج إلى ظهر كينت.
لكن القناص التفت فجأة، كأنه شعر به، ضغط الزناد. الطلقة اخترقت كتف جايرو وخرجت من الجهة الأخرى، دم ساخن اندفع على المطر البارد.
جايرو تأوه، ترنح وهو يغلق البوابة بتثاقل، يسقط على ركبتيه في مكان آخر من السطح.
(ذلك اللعين يتوقع تحركاتي!)
فتح بوابة أخرى واندفع منها، لكن كينت أطلق مسدسه هذه المرة، الرصاصة شقت الهواء قرب خده وأحرقت جلده. جايرو تراجع، يلهث، الدم يقطر من ذراعه وفخذه.
كينت تقدّم خطوة، عيونه ضيقة، يرفع البندقية مجددًا، يعدل المنظار.
المطر ازداد عنفًا، جعل الرؤية صعبة، لكنه لم يرتبك.
جايرو أغلق جرحه بيده المرتجفة، عيناه تهتزان في الظلام.
(علي أن أُربكه... سأجعله يضيع هدفه.)
فتح ثلاث بوابات دفعة واحدة. خرج من الأولى بركلة خاطفة في ساق كينت، الذي انحرف لكنه لم يسقط. أطلق النار، الرصاصة مزقت عضلة جايرو في خاصرته.
الألم عصف به، لكنه شتم بين أسنانه، قفز في الثانية، خرج قرب رأس كينت، وجه لكمة في صدغه.
الطلقة انحرفت، أصابت الطوب، تطاير الشرر والحجارة.
كينت تراجع خطوتين، أنفه ينزف، لكنه ما زال صلبًا، أعاد تذخير المسدس بيد واحدة، وجهه جامد.
فتح جايرو بوابة أخرى فوقه، اندفع منها وسدد لكمة بكل ثقله في صدر خصمه. سمع صوت العظام تحت قبضته.
لكن كينت في ذات اللحظة سحب سكينًا صغيرًا من صدره، غرزها في خاصرة جايرو، الذي شهق من الألم. الدم اختلط بالمطر.
كلاهما ترنح.
البرق أضاء وجهيهما الملطخين بالدم والوحل.
جايرو سعل دمًا، عيناه تتلألآن بالجنون.
(سأسحقك. لن أتركك تنجو.)
جمع كل قوته. فتح بوابة ضخمة تحت قدمي كينت، لكن القناص ركز عينيه عليه في تحدٍ، أطلق الرصاصة الأخيرة، أصابت كتف جايرو، شلته للحظة.
إلا أن جايرو تحمّل الألم، مد ذراعه المصابة وأمسك سترته.
«انتهيت.»
فتح بوابة عمودية إلى السماء السوداء. المطر كان يضربهما مثل السهام.
قفز جايرو معه إلى الفضاء المفتوح.
الرياح صفرت في أذنيهما، الأرض كانت بعيدة، صخرية.
كينت صرخ وهو يحاول طعنه مجددًا، لكن جايرو لكمه في الفك بقوة، أرخى سكينه.
في اللحظة الأخيرة، فتح جايرو بوابة صغيرة تحته، افلت جسده، وابتلعته البوابة إلى سطح منخفض بعيد.
كينت واصل السقوط في الفراغ، صرخته خافتة وسط عاصفة المطر قبل أن يختفي عن الأنظار.
جايرو خرج من البوابة متدحرجًا على سطح آخر، يلهث، الدم يغسل وجهه. وضع يده على جرحه النازف بشدة.
(اللعنة... كدت أموت... لكني فزت.)
رفع رأسه، رأى المدينة تحترق، سمع صرخات القتال البعيد.
(لا وقت للراحة... علي أن أعود.)
زحف ببطء نحو الحافة، يفتح بوابة أخرى بيد مرتعشة، يختفي في الظلال.
المطر استمر في الهطول بلا هوادة، يغسل الدماء عن الأزقة لكنه لا يزيل رائحة الموت. بعد تراجع الجنود، اجتمع آدم وأورغان في زقاق ضيق قرب السوق الخلفي. كان آدم يضغط على خاصرته الممزقة بيده، الدم ينزف من بين أصابعه، بينما أورغان يتنفس بصعوبة، يعرج، ودماء السم تلطخ ملابسه من الجرح الذي لم يلتئم بعد.
جايرو لحق بهما عبر بوابة قصيرة فتحها من سطح إلى الأرض، يترنح عند هبوطه. الدم يسيل من كتفه المصاب ومن جرح غائر في فخذه، وجهه شاحب ورطب بالمطر، لكنه يحاول الوقوف شامخًا.
تبادل الثلاثة نظرات سريعة، بلا كلمات كثيرة. فقط زفير ثقيل واتفاق صامت بينهم على العودة.
«إلى بيت الحرية.» قالها آدم بصرامة مبحوحة.
تحركوا معًا وسط المطر، خطواتهم ثقيلة. الأزقة كانت مليئة بالطين والدم، وبعض الجثث نصف مدفونة في الماء الآسن. صوت الجنود الفارين يتلاشى خلفهم.
عندما اقتربوا من المبنى، لمحوا بعض المقاتلين الجرحى يحتمون قرب المدخل.
دفع آدم الباب الثقيل بقوة، فانتشرت رائحة الرطوبة والخشب والدم الدافئ. الأرضية كانت موحلة، آثار أقدام وخيوط دم على الأرض. داخل الحانة، رجالهم المقاتلون ينتظرون بعيون مرهقة وأنفاس متقطعة، بعضهم يستند إلى الجدران، والبعض يرقد على الطاولات.
مايا كانت واقفة قرب الدرج المؤدي إلى غرفة العلاج، يداها مغطاة ببقايا دماء جافة.
«أسرعوا... الغرفة جاهزة.»
آدم أشار بوضوح:
«جايرو أولًا. أورغان، اضغط على جرحك جيدًا. أسرعوا.»
عبروا الممر الضيق بصمت، المطر يطرق السقف فوقهم كأنه لم يتوقف منذ قرون.
فتح آدم باب الغرفة الداخلية. هواء دافئ محمّل برائحة الأعشاب غمرهم. مصابيح زيتية علّقت على الجدران، وظلال النار ترقص عليها. الغرفة لم تكن مثالية، لكنها مرتبة ومنظمة. على الجدران أدوات مغسولة، معقمة بالنار، طاولات خشبية قوية مهيأة للعلاج.
مايا سبقتهم إلى الداخل، التفتت للخارج وقالت بصرامة:
«أغلقوا الباب بسرعة! لا نريد تلوث الهواء البارد.»
أغلق أحد المقاتلين الباب خلفهم بإحكام.
جايرو جلس أولًا على الطاولة، صدره يرتفع وينخفض بسرعة، يده تضغط على كتفه المصاب، وركبته ترتعش من النزيف في فخذه. أورغان تبعه بخطى ثقيلة، جلس صامتًا، يضغط بيده الضخمة على جرحه المتورم، وجهه شاحب لكن عينيه حادتان. آدم وقف للحظة، يتفقدهما بعينين صارمتين، قبل أن يجلس هو الآخر بهدوء يشبه نهاية عاصفة.
مايا غسلت يديها بماء مغلي بالأعشاب، وبدأت تسحب أدواتها من اللهب.
آدم أخرج من جيبه قنينة صغيرة، وضعها قربها بدقة:
«مخدر موضعي. استعمليه مع جايرو أولًا، بحذر، وابدئي من الأعلى للأسفل.»
جايرو أغمض عينيه، قبضته تشد قطعة القماش حول الطاولة، جسده يرتعش لحظة، ثم يهدأ قليلًا.
أورغان زفر بأنفاس ثقيلة، جبينه يتعرق، عضلاته مشدودة، لكنه لا ينبس بكلمة، يكتفي بإيماءة صامتة.
مايا بدأت بتعقيم الإبر فوق اللهب، وتقطع الضمادات بحركة مدروسة.
آدم أخرج خيط الجراحة، حقن نفسه بالمخدر الموضعي، وانتظر لحظة، ثم بدأ بخياطة جرحه.
في البداية ارتجفت يده قليلاً، الإبرة اخترقت الجلد ببطء وتعثرت في اللحم. عض على شفتيه حتى لا يصدر صوتًا. ثم غرز الإبرة مرة أخرى، هذه المرة بدقة أكبر، يتكيف مع الذاكرة والمهارة المخبأة في يديه.
قال لمايا بصوت منخفض:
«عندما تسحبين الخيط، لا تشدّيه أكثر من اللازم. أغلقي الجرح لكن اتركيه يتنفس قليلاً.»
مايا أومأت دون أن تجيب، منشغلة بخياطة جرح جايرو.
أورغان يراقب بصمت، جسده مشدود، عينيه نصف مغمضتين، أنفاسه تخرج بطيئة وصاخبة.
فجأة سُمِع طرق خافت على الباب.
«الرسول الذي أرسلته سيرينا بالخارج.»
فتح مقاتل الباب بحذر وأدخل رأسه:
«حتى الآن، لا تحركات بحرية إضافية.»
آدم رد بحدة هادئة:
«عُد بعد عشر دقائق. إن لم تعد... نبدأ خطة الانسحاب.»
الرسول غادر مطأطئ الرأس، يغلق الباب خلفه بإحكام.
الغرفة امتلأت بأنفاسهم المتقطعة، ثقيلة، حادة، تخترق صمت النار والبخار، بينما مايا تخيط وتغسل وتتعلم.
الزمن بدا بطيئًا في تلك اللحظات... وكل غرزة في لحمهم كانت وعدًا صامتًا بأنهم لن يسقطوا الليلة.
مع انحسار صوت الطبول والأوامر، بدأت قوات البحرية في التراجع ببطء، تجر معها المصابين وتترك خلفها القتلى. المطر استمر في النزول بغزارة، يغسل الدم عن الأزقة لكن رائحة الحديد واللحم المتحلل لم تختفِ. في الشوارع الموحلة، انتشرت الجثث وأطراف مقطوعة، بعضها غاص في الطين حتى كاد يُخفى.
آدم وقف وسط زقاق ضيق، يراقب الجنود الفارين وهم ينظرون خلفهم بحذر وخوف. لم يطاردهم رجاله على الفور. كان صوته خافتًا لكنه حاسمًا وهو يلتفت إلى أورغان وجايرو:
«اتركوهم يهربون. هذه الليلة انتهت لنا، لكن الحرب لم تنته.»
رجاله تجمعوا ببطء، بعضهم يعرج، بعضهم يضمد جراحه بقطعة قماش ممزقة، بعضهم لا يزال يضغط على نزيف لم يتوقف. نظراتهم زائغة، أنفاسهم ثقيلة. الحانة صارت ملجأهم المؤقت، بابها الثقيل يفتح ويغلق مع كل من يدخل باحثًا عن دفء أو علاج أو مكان آمن يلتقط فيه أنفاسه.
داخلها، الصمت كان كثيفًا. العيون حمراء من البكاء أو الدخان أو الإرهاق. وقع المطر على السقف المعدني كان منتظمًا، كأنه ساعة تُحصي الوقت الباقي قبل جولة أخرى من الموت.
بعد أيام من انسحاب البحرية، كانت سفينة حربية تبحر في المياه الرمادية المتقلبة، أشرعتها ترتجف في الريح الباردة. تحت السطح، في عنبر مقفل تفوح منه رائحة الرطوبة والملح، جلس جندي مقيد بالأغلال، ظهره منحنٍ كأنه ينوء بحمل ثقيل من الذنب.
لم يكن وحده من الجنود الذين نجوا، لكن التقارير العسكرية أشارت إلى أنه أحد القلائل الذين تراجعوا من الأزقة القريبة من بيت الحرية نفسه—المقر الذي قاتل فيه قائد التنظيم آدم ورجاله بشراسة. عرف الضباط أنه كان هناك عندما أُعطيت الأوامر بالهروب، وأنه رأى ما لم يره من فروا من الأطراف.
فتحت بوابة العنبر بصرير معدني، ودخل ضابط رفيع الرتبة بملامح قاسية، يرافقه جنديان. وقف أمام الأسير المقيد، يحدق به ببرود، ممسكًا بملف صغير بين يديه.
قال بنبرة باردة حادة:
«لدي تقارير متضاربة. بعض رجالك يقولون إنهم لم يروا قائد المتمردين إلا من بعيد. لكنك أنت... كنت في الأزقة الداخلية. في قلب المعركة تقريبًا. أنت رأيتهم عن قرب.»
الجندي المرتعش رفع رأسه، عرقه يلمع تحت مصباح زيتي خافت، وعيناه متسعتان بخوف حقيقي.
تابع الضابط وهو يقلّب الأوراق:
«أعرف ما يقوله التقرير: انسحبت من موقعك بدون إذن. تركت موقعك ورفاقك. عقوبتك قد تصل إلى الشنق في زمن الحرب. لكننا لسنا متعطشين للدماء دون فائدة.»
ازدرد الجندي ريقه بصعوبة، صوته خرج متحشرجًا:
«أرجوكم... سأخبركم كل شيء... كل شيء أعرفه عنهم... عن قائدهم آدم، عن أوامره، عن دفاعاتهم... أرجوكم، خففوا العقوبة فقط...»
الضابط أغلق الملف ببطء، راقب الخوف في وجهه، ثم أومأ إيماءة صغيرة إلى الجنود المرافقين.
«خُذوه إلى غرفة الاستجواب. اكتبوا كل حرف يقوله. نريد خطة واضحة عن تلك المنظمة المسمات السماوات الابدية وأفرادها قبل أن نتحرك مجددًا.»
أمسك الجنديان بالأسير من ذراعيه، رفعاه بقوة، فصرخ بألم وهو يُسحب على الأرضية الخشبية المبللة بالماء الآسن. الباب أغلق وراءهم بصوت أجوف ثقيل، ليبقى الصمت في العنبر سوى همهمة البحر وصرير الحبال في الريح.
في غرفة الاستجواب، كانت المصابيح الزيتية تتأرجح فوق رؤوسهم، تلقي ظلالًا مرتجفة على وجه الجندي المقيد. الضباط جلسوا حوله في صمت ثقيل، أقلامهم تسجل كل كلمة يتفوه بها، وكل ارتجافة تمرّ على ملامحه. سحبوا منه التفاصيل دفعة بعد أخرى، كمن يعتصر آخر قطرة من فاكهة ناضجة بالخوف. وعندما انتهى الليل أخيرًا، خرجوا حاملين الملفات الممتلئة والأوراق المشوهة بالبقع، متجهين بها إلى غرفة القيادة... حيث تُصنع الخطط وتُرسم الحروب.
في غرفة القيادة، خيم صمت ثقيل فوق الطاولة المليئة بالخرائط والتقارير. وضع أحد الضباط ورقة عليها ختم أحمر وقال:
«هذا اسمه، غريفان دريك. قبطان سفينة فرعية في أسطول شيكي، قادم من العالم الجديد إلى بحر الجنوب. التقارير تقول إنه متعجرف ويزعم أنه "رجل شيكي".»
ضابط آخر سخر وهو يتصفح الملف:
«لا تبالغوا في تقديره، إنه ليس من النخبة. مجرد ذيل صغير في ذلك الأسطول الهائل. حتى هاكي التسلح عنده ضعيف جدًا، بالكاد يستخدمه في الدفاع.»
لكنه قاطعه ضابط أكبر خبرة وهو يضرب بإصبعه على الطاولة:
«انتبه. العالم الجديد لا يفرز إلا الوحوش. حتى هؤلاء الأتباع الفرعيون أحيانًا أقوى مما نتصور. لا نستهين بأي قبطان جاء من هناك إلى بحر الجنوب.»
ثم أشار إلى التقارير عن المعركة الأخيرة
:
«أما هؤلاء الآخرون... لم نغفلهم. قتلوا ثلاثة من قادتنا. آدم نفسه قاتل بشراسة لكنه أجلى المدنيين قبل المعركة، لهذا لم نعتبره تهديدًا إرهابيًا واسع النطاق. مع ذلك، قوته وقوة رجاله صارت واضحة. سنضع مكافآت على رؤوسهم جميعًا وننشرها في كل المرافئ. صائدو الجوائز سيهتمون بهم عاجلًا أم آجلًا. يجب ألا ندعهم يتطورون بسلام.»
بعد أيام من دراسة الملفات والتقارير، بدأت البحرية في بحر الجنوب تُصدر الملصقات الرسمية.
انتشرت على جدران المرافئ والمدن، عُلقت بإحكام، تُحذّر البحارة والتجار والصيادين من التعامل معهم.
آدم "خطيئة الشراهة" – 55,000,000 بيري
أبيض الشعر، طويل القامة، قائد تنظيم منظم وخطير، قتل قائدًا بحريًا في مواجهة مباشرة. يُشتبه باستخدامه غير المتقن لهاكي التسلح، وقدرته على فرض النظام على أتباعه جعلته خطرًا طويل الأمد.
جايرو "بوابة النهاية" – 28,000,000 بيري
شاب بملامح حادة، يفتح بوابات للتنقل الفوري، تكتيكي خطير جدًا، شوهد يقود هجمات مميتة أودت بحياة ضابط بحري آخر.
أورغان "مقاتل الموت" – 22,000,000 بيري
ضخم البنية، مقاتل دموي مباشر، يُدرب رجاله على أساليب القتل القريب، مسؤول عن إسقاط أحد الضباط الثلاثة في المعركة الأخيرة.
برام "اليد الدامية" – 9,000,000 بيري
شاب ذو شعر أحمر شائك، شديد الغضب، هجومه عنيف ويُغطي يديه بدم أعدائه، يُوصف بأنه شرس لا يعرف التراجع.
ريك "الكاتب الأسود" – 10,000,000 بيري
كاتب التنظيم الرسمي، هادئ ودقيق، يدير شبكة صغيرة من الجواسيس والمخبرين، مسؤول عن إيصال المعلومات وجمعها بسرية.
سيرينا "التهريب الهادئ" – 7,000,000 بيري
مسؤولة التموين والتهريب، بارعة في التفاوض، هادئة جدًا، تدرب فتاة شابة على أسرار السوق والتهريب.
مايا "الساحرة الخضراء" – 5,000,000 بيري
طاهية التنظيم ومعالجته، بارعة بالأعشاب الطبية، شوهدت تنقذ المقاتلين المصابين وتُعيدهم للقتال، مسؤولة عن تجهيز الطعام والعلاج.
في بيت الحرية، وُضعت الأوراق على الطاولة العريضة.
ريك مدّها ببطء أمام آدم، الأوراق كانت لا تزال رطبة من حبرها الطازج.
قال ريك بنبرة هادئة:
«هكذا تصفنا البحرية. هذا تحذير للعالم منا.»
قلب آدم ورقته الخاصة بين يديه، حدق في الخط الأحمر الذي يُعلن مكافأته، ثم نظر إلى وجوه رجاله من حوله.
همس بصوت منخفض وواضح:
«سنحمل هذه الأسماء. وسنجعلهم يخافون من نطقها.»
لكن ريك لم ينهِ كلامه. أخرج ملفًا آخر وفتحه:
«هناك شيء إضافي... وجدت في مراسلاتهم الداخلية معلومة سرية. شخص اسمه غريفان دريك، من إحدى السفن الفرعية التابعة لأسطول شيكي، في طريقه إلى بحر الجنوب. البحرية ستركز مراقبتها ومطاردتها عليه بشدة.»
ألقى نظرة بطيئة على المجموعة:
«هذا سيمنحنا مساحة أكبر للتحرك. سنستغل انشغالهم به لتوسيع سيطرتنا وجمع قواتنا دون ملاحقة مكثفة.»
آدم أغلق يده على ورقته، وصوته كان حادًا:
«سنستغل هذه الفوضى. وسنجعل هذا البحر لنا.»
نهايه الفصل 19
انا لا اعرف صراحه ايهما الطريقه التي تحبها اكتب الطريقه السابقه الطريقه مختصره او اكتب بهذه الطريقه التي كتبت بها هذا الفصل يكون فيها التفاصيل حتى القتالات تكون مفصله اتمنى تعطوني رايكم