الفصل التاسع: نحو جزيرة الظلال والوحوش

مرت أسابيع من التدريب القاسي في قلب الغابة.

كل يوم كان اختبارًا جديدًا للحديد والدم، حتى صار جسد جايرو يحمل آثار الشفرات الصغيرة، وصارت قبضة آدم أثقل وأقوى، يدمج الحديد النقي في عظامه ومخالبه بعد كل محاولة ناجحة.

كان الليل يمر بطيئًا، والنار الضعيفة أمامهما تلتهم آخر غصن يابس، بينما آدم يراقب الطفل في صمت الحكيم، يدوّن ملاحظاته عن الأعشاب الجديدة التي اكتشفها في هذا العالم، يختبرها بعناية، يفرق بينها وبين أعشاب عالمه القديم، ويعلم جايرو كيف يميز السام من المفيد.

في الليلة الأخيرة، اختبر آدم قدرة جايرو على استخدام الشفرات الحديدية الصغيرة.

أمره أن يصيب هدفًا صغيرًا في الظلام، فنجح الطفل بعد محاولات كثيرة، ووقف للمرة الأولى دون أن يبكي أو يرتجف، بل بعينين فيهما لمعة تحدٍ جديدة.

مع أول ضوء للفجر، كان الصباح باردًا كحد السكين، يلف الغابة بضباب كثيف يقطر من الأوراق مثل دموعٍ باردة.

خرج آدم وجايرو من الظلال الثقيلة وهما يلهثان، أجسادهما مثقلة بالتعب وكأنهما يزحمان العالم على أكتافهما.

آثار التدريب واضحة في كل حركة، في كل جرح وكدمة، في كل نظرة حذرة.

جايرو كان يجرّ قدميه فوق الطين اللزج، ويداه ملفوفتان بخرق ممزقة؛ أصابعه تنزف من شقوق غائرة، لكنه كان يخبئ ارتجافه هذه المرة.

أما آدم، فقد سار أمامه، ملامحه جامدة كالصخر، وعيناه السوداوان مسمرتان على القرية الصغيرة عند حافة الشاطئ، كأنهما تقيسان العالم كله في لحظة واحدة.

قال آدم بنبرة هادئة، صوته عميق كصوت فأسٍ يضرب جذعًا قديمًا:

«اليوم نبحث عن ما ينقلنا إلى المرحلة التالية.»

جايرو سأل، صوته ما زال يحمل بقايا الألم والخوف:

«ماذا سنبحث عنه؟»

رد آدم دون أن يلتفت:

«ملاح يعرف البحر. السفينة وحدها لا تعني شيئًا إن لم يعرفها من يقودها.»

كان الطريق إلى القرية ضيقًا، تغطيه الحصى والرمل المبلل. الأكواخ المسقوفة بالقش بدت باهتة في الضباب، وأضواء نيران صغيرة تومض مثل عيون خافتة.

رجال البحر جلسوا في حلقات، ملابسهم رثة، أقداح الشراب في أيديهم، روائح الخمر والملح تختلط في الهواء.

آدم شق طريقه وسطهم ببطء، عينيه تجوب الوجوه المتعبة، يفتش عن شيء خلف تلك العيون الشاحبة.

جايرو سار خلفه، يضغط أصابعه المتورمة على القماش، يخفي جراحه لكنه لا يخفي عزيمته الجديدة.

توقف آدم أمام حلقة من أربعة صيادين.

رجال كبار في السن، لحاهم مبللة بالندى، أعينهم نصف مغلقة من السُكر. لكن واحدًا منهم رفع رأسه ببطء، رجل أشيب بلحية شعثاء وعينين رماديتين ما زالتا يقظتين رغم الشراب.

قال آدم بهدوء بلا مقدمات، وهيبة الحكيم تظلل صوته:

«أبحث عن ملاح يعرف البحر أفضل من زعانف القرش.»

الرجل الأشيب بصق على الرمل، مسح فمه بظهر يده، نظر إلى آدم طويلًا ثم إلى الصبي الملتصق به.

عاينهما بنظرة ساخرة قبل أن يزم شفتيه ويهز رأسه:

– «لماذا أساعدك؟ أنت غريب، وهذا الطفل يبدو أنه لن يصمد يومًا في البحر.»

جايرو عض شفتيه، لكنه لم ينطق بكلمة، فقط شد قبضتيه بقوة.

آدم لم يغير نبرته، لكن الهالة البنفسجية الخافتة ظهرت للحظة في عينيه:

«لأني سأدفع، أو سأكسر أنفك وأجبرك. اختر الطريق الأسهل.»

ساد صمت ثقيل. الصيادون الآخرون توقفوا عن الضحك.

الرجل الأشيب ضيق عينيه، يحدق في وجه آدم الجامد، ثم أخيرًا هز رأسه:

– «كم؟»

آدم أخرج كيسًا قماشيًا صغيرًا من ردائه. داخله عملات ذهبية صدئة لكن حقيقية. رماه عند قدمي الرجل:

«يكفي لشراء صدقك. أريد سفينتك وخبرتك. أوصلني إلى جزيرة لا يعرفها أحد هنا.»

الرجل التقط الكيس، قلبه بين أصابعه، ثم نظر لآدم وقال:

«اتبعني.»

تحرك الثلاثة وسط القرية بصمت.

جايرو كان يعض على يديه من الألم، لكن عينيه لم تدمعا هذه المرة.

آدم وضع يده الثقيلة على كتف الصبي وضغط قليلاً، إشارة صامتة للثبات.

وصلوا إلى حافة الخليج، حيث ترسو سفينة صغيرة أشرعتها مطوية مثل أجنحة طائر ميت.

الخشب قديم لكنه صلب، مجرب في البحر.

الرجل الأشيب أشار إليها:

«هذه تصلح. تحتاج إلى عناية، لكن يمكنها عبور العاصفة.»

آدم حدق فيها طويلًا، ثم نظر إلى الرجل:

«ستقودها. نحن نريد جزيرة لا تعرف الرحمة. نريد مكانًا يبتلع الضعفاء كي نصبح أقوى.»

جايرو بلع ريقه، لكنه لم يتراجع.

آدم قال أخيرًا بصوت خافت لكنه واضح:

«اصعدوا. اليوم نترك هذا الوحل. البحر هو امتحاننا القادم.»

وهكذا ركبوا السفينة تحت ضوء الفجر الرمادي، والضباب يبتلعهم رويدًا رويدًا.

أصوات الموج تتصاعد كصرخات قديمة، والريح تحمل وعدًا بالعواصف القادمة.

وفي الأفق، كان الضباب يخفي شيئًا أكبر من مجرد عاصفة...

كانت رحلتهم إلى جزيرة الظلال والوحوش قد بدأت بالفعل.

2025/07/09 · 30 مشاهدة · 679 كلمة
نادي الروايات - 2026