كان الطريق طويلاً، كأنه يمتد إلى اللانهاية، كأنه يريد أن يمنحني وقتًا أطول لاستيعاب حقيقة أنني ذاهبة بلا عودة. مرت العربة عبر الجبال الشاهقة التي تعانق السماء، حيث يرقص الضباب بين القمم كأشباح تائهة. رأيت الغابات الممتدة، الأشجار العارية من أوراقها كأنها أيادٍ ممدودة تتوسل للسماء. السماء كانت رمادية، كما لو أنها تواسي روحي الحزينة.
حين بدأ التعب يتسلل إلينا، توقفنا للمبيت في غابة موحشة، أشجارها ملتفة كالأسرار. كان الجنود يتحركون بانضباط، والخدم ينصبون الخيام بصمت، وكأن أحدًا منعهم من الكلام. أما الجنرال الذي أتى ليصطحبني، فقد كان رجلاً صارمًا، ملامحه كأنها منحوتة من الجليد، لكن رغم قسوته انحنى لي باحترام حين نزلت من العربة. أما الخادمات اللواتي أحضرهن لخدمتي، فلم يبتسمن ولو لمرة واحدة، كأن الابتسام ممنوع في مملكة الظلام.
وُضعت أمامي وجبة أُعدت بعناية ودقة، لكنها بلا روح، بلا لمسة من الدفء الذي اعتدت عليه. كنت أتذكر حين كنت أشارك الخدم طهي الطعام، حين كنت أضحك معهم وأتذوق الأطباق قبل أن تُقدَّم، لكن هنا... كل شيء بارد، حتى الطعام نفسه.
بعد العشاء، انسحبت إلى خيمتي لأرتاح، لكنني لم أنم، ظللت أحدق في سقف الخيمة بينما أفكاري تتزاحم في رأسي. ومع أول خيوط الفجر، جاءت خادمة لإيقاظي، وجهها جامد كالصخر، لا يحمل أي تعبير. تناولت الفطور سريعًا، ثم واصلنا المسير.
وأخيرًا، بعد طريق طويل، وصلت إلى حدود مملكة داركفيل. كان الثلج يغطي الأرض، والمباني العتيقة تلوح في الأفق كأشباح صامتة. لم أخرج من العربة، بل بقيت أنظر من النافذة، أراقب الملامح القاتمة لهذا المكان، حيث الشمس لا تزور إلا نادرًا.
اقتربت مني إحدى الخادمات، قدّمت لي معطفًا حريريًا بلون الليل، وقالت إن الأمير أمر بتصميمه خصيصًا لي. كان دافئًا رغم برودته، كأنه يحمل شيئًا من لمسته. ارتديته ببطء، ثم نزلت من العربة، لأجد نفسي أمام عالم جديد، عالم لم يخترني، لكنني سأجعله ينحني لي.
سرت ببطء عبر الممرات المؤدية إلى القلعة، وسط حشود من الخدم، نظراتهم كانت مزيجًا من الدهشة والانبهار. كنت أعلم أن جمالي لم يكن أمرًا عاديًا بالنسبة لهم، لكن ما أدهشهم أكثر هو كيف بدا ذلك المعطف وكأنه خُلق من أجلي. وما إن رفعت نظري حتى رأيته... واقفًا هناك.
كان يتقدم نحوي ببطء، عيناه السوداوان تتفحصانني بدقة. شعره أسود كسواد الليل، بشرته البيضاء كأنها منحوتة من الرخام، وملابسه السوداء جعلته يبدو كظل قاتم. وما إن اقترب حتى انحنى أمامي ومد يده قائلاً بصوت عميق: "مرحبًا بكِ في داركفيل."
تأملت ملامحه، كان غامضًا كأنني أنظر إلى بحر لا نهاية له. لم أمد يدي، فقط نظرت إليه بصمت، قبل أن أجيبه بهدوء: "شكرًا لاستقبالك." لم أكن أعرف إن كان يرحب بي حقًا أم أن في صوته فخًا مخفيًا.
قادني إلى القاعة الملكية، حيث كان عليّ مواجهة الملك نفسه. كان يجلس على عرشه، هيبته تملأ المكان، عيناه تراقبانني كصقر يراقب فريسته. كانت القاعة واسعة، الجدران مزينة بنقوش ذهبية تحكي تاريخ ملوك سبقوه، لكنها كانت مظلمة، كأنها تخفي أسرارًا لا يريد أحد أن يعرفها.
حين وقفت أمامه، تفحصني بعناية، وكأنه يحاول أن يفهم كيف يمكن لفتاة أن تكون بهذا الجمال وهذا الثبات في آنٍ واحد. لكنه سريعًا ما تحوّل من الدهشة إلى التعجرف، محاولًا أن يكسرني بكلماته. حاول التقليل مني، حاول إحباطي، لكنني أجبته بردود جعلته يصمت، جعلت الجميع يندهش.
وكأن عناده ازداد حين رأى أنني لم أتأثر، فابتسم ابتسامة لم أفهمها وقال: "سأجعلكِ ملكتي، سأتزوجكِ، وليس أخي." كانت كلماته كالقنبلة التي انفجرت في المكان، صدمة ارتسمت على وجوه الجميع، والجو توتر فجأة.
لكنني لم أسمح له بجرّي إلى لعبته، رفعت رأسي وقلت ببرود: "جئتُ إلى هنا لأتزوج الأمير، لا لأصبح ملكة، فأنا لا أريد أن أكون ملكة إلا على مملكتي." كانت كلماتي أشبه بطعنة، لكنها لم تكن الأخيرة.
نظر إليّ بحدة، وقال: "ذلك الاتفاق الذي تتحدثين عنه كُتب منذ عشر سنوات... لكن الملك السابق رحل، ورحل معه ذلك الاتفاق الساذج."
نظرت حولي، ورأيت الخدم والجنود يزدادون توترًا، بعضهم بدأ يرتعش. كنت أعرف أن غضب هذا الملك ليس أمرًا يستهان به، لكنني لم أكن مستعدة لأن أنحني له. ومع ذلك، لم أرغب في إثارة عاصفة الآن، فاستأذنته للذهاب كي أرتاح من هذه الرحلة الطويلة. نظر إليّ للحظة، ثم أشار لأحد خدمه وقال ببرود: "خذوها إلى جناحها."
سرت عبر الممرات الطويلة المظلمة، أفكاري تتزاحم في رأسي. وبينما كنت غارقة في تفكيري، اندفعت فتاة صغيرة من العدم وارتطمت بي، فسقطت على الأرض. قبل أن أتمكن من فعل أي شيء، أمسك بها أحد الجنود بقوة، وكأنه على وشك أن يسحقها. كانت الدهشة تملأ وجهي، وعندما صرخت عليه، أسرعت نحوها، خائفة عليها أكثر مما كانت هي خائفة على نفسها. احتضنتها برفق، محاولة تهدئتها، لكن قبل أن أتكلم، جاءت والدتها راكضة، وركعت أمامي مرتجفة، تتوسل إليّ أن أسامحها، قائلة إنهم قد يقتلونها إن غضبت. كانت كلماتها صادمة، هل يعقل أن تكون الحياة هنا بهذه القسوة؟ حملتها برفق، كانت صغيرة، كأنها دمية مصنوعة من الثلج، عيونها الخضراء كانت واسعة بخوف. أعطيتها لوالدتها وطمأنتها، ثم واصلت طريقي، غارقة في أفكاري، حتى وصلت إلى غرفتي. كانت الغرفة واسعة وفاخرة، لكن برودتها ذكّرتني بأنني لستُ في وطني. الفساتين المعلّقة كانت مذهلة، لكنها لم تكن تشبهني. أما مساعداتي الجدد، فقد كنّ متوترات، وكأنهن يخشين مني. طلبت منهن أن يقتربن، سألتهن عن أسمائهن، أردت أن أطمئنهن كما طمأنت الفتاة الصغيرة، ثم طلبت منهن أن نرتب الغرفة معا
اقتربت من النافذة، فوقع بصري على الأمير، كان يجلس في الحديقة، يلعب مع جرو صغير. وسط كل هذه العتمة، كان هناك شيء نقي في تلك اللحظة، لكن تأملي لم يدم طويلًا، فقد قاطعني طرق على الباب...
التفتُّ نحو الباب، فُتح ببطء، وظهر كبير الخدم، رجل مسنّ مهيب، يحمل بين يديه شيئًا مغطى بقطعة قماش مخملية سوداء. تقدم نحوي بخطوات ثابتة، وانحنى قليلًا قبل أن يضع الصندوق أمامي. قال بصوت هادئ لكن رسمي: "هدية متواضعة من الملك، يا مولاتي."
نظرتُ إلى الصندوق المغطى، تسارعت نبضات قلبي لسبب لم أفهمه، رفعتُ الغطاء ببطء، وإذا بعينين صغيرتين براقتين تحدقان بي...
كان ببغاء فائق الجمال، ريشه بلون الذهب، وعيناه بلون السماء بعد العاصفة. وقفتُ مذهولة، لم أكن أصدق أن الملك قدّم لي طائرًا بهذا الجمال، والأغرب... كيف عرف أنني أحب الببغاوات؟
لم أتمكن من إخفاء دهشتي، التفتُّ إلى كبير الخدم وسألته، لكنه فقط انحنى وقال: "جلالة الملك يعرف عنكِ أكثر مما تتصورين، يا مولاتي." قبل أن أتمكن من سؤاله المزيد، أشار إلى خدمه الذين فتحوا صندوقًا آخر أكبر حجمًا، وما إن رفع الغطاء حتى ظهر فستان أسود، قاتم كظلمة الليل.
كان الفستان مذهلًا بطريقة غريبة، مصنوعًا من قماش مخملي أسود يعكس الضوء كما لو أنه مغطى بنجوم الليل. زخارف فضية تلتف حول الصدر والأكمام، وكأنها خيوط من ضوء القمر نسجت عليه.
أخبرني كبير الخدم أن عليّ ارتداء هذا الفستان الليلة، لأن حفلة صغيرة ستقام على شرفي. أومأت برأسي بهدوء، لكنه لم يكن يعلم أنني لا أنوي ارتداءه.
ما إن غادر، حتى اقتربتُ من القفص، فتحتُ بابه ونظرتُ إلى الطائر الصغير، قلت له بصوت هادئ: "لديك الخيار... إما أن تبقى أو أن ترحل." بقي في مكانه، يحدق بي بعينين لامعتين، وكأنه يدرسني. ابتسمتُ وقلت: "سأسميك... أوريون."
تركتُ له المصير، ثم توجهت إلى خزانتي، أخرجت فستانًا ناصع البياض، كأن الثلج تبلور ليصبح قماشًا. حين دخلت خادماتي لمساعدتي على ارتداء الفستان الأسود، تفاجأن برؤيتي أرتدي الأبيض، حاولن إقناعي بتغيير رأيي، لكنني كنت حازمة: "لن يملي عليّ أحد ما أرتديه."
جلست على الكرسي بينما أسرعن لتصفيف شعري الأبيض الطويل، نسجنه في ضفيرة متقنة، وتركوا بعض الخصلات تنسدل على وجهي. حين انتهوا، جاء كبير الخدم لاصطحابي، لكنه ما إن رآني حتى تجمد في مكانه، دهشة واضحة في عينيه.
لم يقل شيئًا، لكنه استدار وأشار لي باللحاق به. مشيت خلفه عبر الممر الطويل، حتى وصلت إلى باب ملكي عملاق. وما إن وصلت، حتى فُتح الباب ببطء.
دخلت القاعة بخطوات هادئة، لكن كل خطوة كانت تحمل معها ثقلًا من الكبرياء. ارتفع الهمس بين الحاضرين، لم يكن بسبب جمالي، بل بسبب ثوبي الأبيض الذي تحدى قرار الملك.
تقدمتُ نحو العرش حيث جلس الملك، وقفتُ أمامه، وانحنيت له باحترام، رغم أنني لم أشعر بأي احترام تجاهه. رفع حاجبه بتعجب، نظر إليّ نظرة طويلة، ثم قال بصوت هادئ لكن يحمل في طياته تهديدًا خفيًا: "لماذا لم ترتدي الفستان الذي قدمته لكِ؟"
ابتسمتُ برقة، لكن نبرتي كانت ثابتة حين أجبته: "لا أحب الفساتين السوداء... أفضل تلك التي تعكس روحي."
ساد الصمت للحظة، ثم... ضحك. ضحك بصوت عالٍ، وسط استغراب الجميع، كأنه لم يسمع شيئًا مسليًا هكذا منذ وقت طويل. وبعد أن هدأ، قال بنبرة متحدية: "إذاً، أنتِ تتحدينني؟ حسنًا، لنرى من سينتصر. ما رأيكِ بتحدٍ؟ إذا فزتِ، سأترككِ ترحلين بسلام، وننسى أمر المعاهدة. وإذا خسرتِ... ستكونين ملكتي."
نظرتُ إليه بثبات، لم أكن أخشى التحديات، أنا سيلينا، لم أخسر تحديًا قط، ولم أخسر حربًا أبدًا. رفعتُ ذقني وقلتُ دون تردد: "قبلتُ التحدي."
كان هناك صمت مشحون، قبل أن تبدأ الحفلة أخيرًا.
وسط الحشد، جاءتني فتاة مراهقة، كانت مختلفة عن الجميع هنا، شعرها بني مائل للذهبي، وعيناها عسليتان دافئتان. كانت تبتسم، لا بابتسامة مزيفة مثل البقية، بل بابتسامة صادقة، خالية من الخداع.
انحنت لي برقة، ثم قدمت نفسها قائلة: "أنا ياسمين، أخت الملك."
انحنيتُ لها بدوري، ألقيتُ عليها التحية، ولأول مرة منذ دخولي إلى داركفيل، شعرتُ ببعض الراحة.
بينما كانت الابتسامات الزائفة تحيط بي من كل جانب، كانت هذه الفتاة تحمل في عينيها شيئًا مختلفًا... شيئًا حقيقيًا.
بعد لحظات من الحديث مع ياسمين، تقدّمت نحوي مجموعة من النساء بأثواب فاخرة، وجوههن مزيج من التهذيب المصطنع والغيرة الخفية. ألقين التحية بابتسامات باردة، أصواتهن ملساء كالأفاعي.
"تشرفنا برؤيتكِ، يا صاحبة السمو،" قالت إحداهن، وعيناها تدرسانني كما لو كنت قطعة أثرية غريبة.
اكتفيت بإيماءة صغيرة، لم أكن بحاجة إلى كلمات زائدة معهن. انتهت الأمسية أخيرًا، وكنت أشعر باختناق في هذا المكان، كل شيء فيه يبدو مزيفًا، باستثناء ياسمين.
بحثتُ بين الحضور، لكن أين هو؟ الأمير لم يكن موجودًا الليلة، غياب غريب لم أستطع تجاهله. تجاهلتُ الأمر للحظة، ثم استأذنتُ الملك للذهاب.
ظننتُ أنه سيوافق فورًا، لكنه ابتسم ابتسامة جانبية وقال بصوت هادئ لكن آمِر: "ليس بهذه السرعة... ابقي قليلاً واحتسي شرابًا معي."
شعرتُ برغبة في قلب الطاولة عليه، هل يمزح معي؟ لكنني أمسكتُ بغضبي، واكتفيتُ بنظرة باردة قبل أن أجيبه: "أعتذر، لكنني متعبة." ثم استدرتُ وغادرتُ دون أن أسمع رده.
عدتُ إلى جناحي، أغلقتُ الباب خلفي واستلقيتُ على السرير، لكن النوم لم يأتِ بسهولة. عند الثالثة صباحًا، فتحتُ عينَيّ فجأة، إحساس غريب اجتاحني، وكأن هناك شيئًا ما لا أستطيع رؤيته.
تنفستُ بعمق، نهضتُ من سريري، ارتديتُ معطفي الحريري، وخرجتُ إلى الشرفة. النسيم البارد لفح وجهي، لكن شيئًا آخر شد انتباهي...
هناك، وسط الحديقة الفاخرة، كان الأمير جالسًا وحده، صامتًا، كأن روحه انفصلت عن جسده.
راقبته بصمت، بدا وكأنه متجمد في الزمن، وجهه خالٍ من الحياة، عينيه تحدقان في الفراغ. لا أعلم لماذا، لكن شيئًا بداخلي دفعني للنزول إليه.
لكن المشكلة؟ لم أكن أعرف الطريق المؤدي إلى الحديقة. القصر أشبه بالمتاهة، وبالتأكيد لن أذهب لأسأل أحدًا.
فكان الحل الوحيد... القفز.
تسلقتُ حاجز الشرفة، تمسكتُ بأغصان شجرة ضخمة بجوارها، ثم بدأتُ أنزل ببطء حتى وصلتُ إلى الأرض.
مشيتُ بهدوء، اقتربتُ منه دون أن يلاحظني، كان غارقًا تمامًا في تفكيره.
وقفتُ جانبه للحظة، راقبته بصمت، ثم نطقتُ بصوت هادئ: "من الغريب أن يجد المرء أميرًا يبدو كأنه شبح في مملكته."
فزع من مكاني، حدّق بي بدهشة قبل أن يضع يده على مقبض سيفه ويوجهه نحو ذقني
تنهدَ بعد لحظة، ثم خفض سيفه ببطء، أعاده إلى غمده، ولم يقل شيئًا في البداية.
"لماذا أنتِ هنا؟" سأل أخيرًا، صوته كان متعبًا، كما لو أنه لم ينم منذ أيام.
"سؤال جيد، لكن يمكنني سؤالك الشيء نفسه،" قلتُ بينما جلستُ على العشب مقابله.
تحدثنا قليلًا، لم يكن الحديث وديًا تمامًا، لكنه كان مختلفًا... كان حقيقيًا.
لكن لم يدم الأمر طويلًا، فقد كسر صوتٌ مزعج هدوءنا.
"لم أرَ في حياتي أميرة تقفز بين الأشجار مثل القرد."
التفتُ بسرعة، وإذ بالملك واقفًا على بُعد خطوات، يرمقني بسخرية. قبضتُ يدي، شعرتُ برغبة في لكمه، دعسه، أي شيء لإسكاته، لكنني ابتسمتُ ببرود
رفع حاجبه ثم ابتسم ببطء، وكأنه استمتع بنظراتي. "إذاً، هل تريدين العودة إلى جناحك؟ام تبقين و تصبحين كتلة ثلج او هذا ماعليه انتي ."
التفتُ نحوه باستغراب، فتابع: "سآخذكِ بنفسي، بما أنكِ لا تعرفين الطريق، ولستُ مهتمًا برؤية المزيد من مهاراتكِ البهلوانية."
كان يستفزني عن قصد، لكنني لم أعلق. فقط أومأتُ برأسي، وسرتُ بجانبه عائدة إلى القصر.
كنا نمشي بصمت، كنتُ أنا النور وهو الظلام، متناقضان في كل شيء.
لكن بعد لحظة، لم أعد يسمع خطواتي. توقف و التفت نحوي، لكنه لم يجدني ورائه.
جُل بعينه في الأرجاء، وإذا به يلمح بابًا مفتوحًا على مصراعيه، بداخله ضوء خافت. اقترب منه
و رآني واقفة في الداخل انظر الى لوحة ضخمة على الجدار، صورة لامرأة في الثلاثينيات من عمرها.
كانت جميلة، شعرها أشقر ينسدل بسلاسة على كتفيها، وعيناها زرقاوان كالمحيط. كانت تجلس على كرسي ملكي، هالة من الجلال تحيط بها.
كنتُ أتمعّن في ملامحها عندما سمعتُ صوت خطوات خلفي.
"إنها..." قال الملك بصوت منخفض، ثم توقّف، وكأنه غير قادر على إكمال جملته.
نظرتُ إليه، وعندها فقط، رأيت في عينيه شيئًا لم أره من قبل.
حزنٌ دفين.