الفصل 37
استدعاء الكيان الغامض (3)
في اللحظات الأخيرة،
انطلق ظلٌّ أسود مظلم بسرعةٍ لا تُصدّق،
ظهر من العدم،
واخترق صدر العجوز من الخلف،
مخترقًا قلبه مباشرة.
تغيّرت تعابير وجه العجوز في لحظة.
تصلّب جسده،
واجتاحه ألم حادّ…
ألم لم يشعر به من قبل.
عرف—بيقينٍ مطلق—
أن هذه نهايته.
لكن ما أثار ذهوله في لحظاته الأخيرة
كان أمرين اثنين.
الأول:
من الذي قتله؟
كان متأكدًا تمامًا أن ذلك الفتى—آرثر—
قد مات بالفعل.
أرسل خلفه جميع أعضاء الطائفة،
ومن المستحيل—من المستحيل—
أن يخرج حيًا من ذلك الجحيم.
لكنه أخطأ…
للمرة الأخيرة.
أما الأمر الثاني—
فكان الأخطر.
لم يُنهِ التعويذة.
وفي آخر أنفاسه،
التفت العجوز للخلف،
وعلى وجهه مزيج من الكره، والحقد، والكفر.
وهناك…
رآه.
آرثر.
مغطّى بالدماء،
الإصابات تملأ جسده،
ملابسه ممزقة،
ونَفَسه متقطع.
في القتال السابق،
فقد آرثر جزءًا من أذنه،
وتعرّضت ذراعه اليسرى لجرح مرعب—
جرح عميق لدرجة أنها كانت على وشك الانفصال،
بعد أن تعلّق بها عدد لا يُحصى من المجانين،
يسحبونها،
يمزقونها،
ويحاولون اقتلاعها من جسده.
حين قاتل آرثر أعضاء طائفة كثولو،
كان جنونهم يفوق الوصف.
وزاد عليه تحكّم العجوز بعقولهم.
اندفعوا نحوه كالكلاب المسعورة.
هذا يسحب جسده،
ذاك يمسك شعره،
آخر يعضّه،
وآخر يطعنه.
كان قتالًا مجنونًا بالكامل.
لو كان أي شخص آخر مكان آرثر،
لهرب…
أو انهار…
أو مات.
لكن في تلك اللحظة تحديدًا—
ابتسم آرثر.
ابتسامة جنونٍ خالص.
أمسك سيفه،
وبدأ يرقص…
رقصة الموت بينهم.
قتل.
وقتل.
وقتل…
كما لو كان شيطانًا تحرر من قيوده.
وفي لحظة،
سقط السيف من يده
بسبب شدّ الأجساد المتراكمة عليه.
أعاد آرثر السيف فورًا إلى السوار،
لكن في تلك اللحظة—
جزء من الثانية فقط—
التفّ أربعون شخصًا حول ذراعه،
ضغطوها إلى الأرض،
وتكدّسوا فوقها
كأنهم هضبة بشرية.
تجمّع آخرون على ذراعه الأخرى،
ثم على ساقيه.
تم تغليف آرثر بالكامل
بطبقات من المجانين.
وفجأة—
انطلق ضحكٌ عالٍ
من تحت جبل الأجساد.
ضحك هستيري…
دموي…
مخيف.
ثم اهتزّ جبل المجانين بعنف،
كأن أمواج البحر
تضرب الشاطئ بقسوة.
اهتز…
ثم بدأ يرتفع.
ارتفع ببطء…
ثم بسرعة.
ما لم يلاحظه أحد—
أن آرثر
قد فقد عقله بالكامل.
تحوّلت عيناه إلى لونٍ أحمر مجنون،
لون لا ينتمي للبشر.
ضغط آرثر الأرض بقدمه،
وقف بزاوية غريبة،
ورفع جبل المجانين فوقه.
ثم—
بتلوّيحة واحدة—
قذفهم عاليًا في السماء.
ضغط الأرض مجددًا،
وانطلق خلفهم.
بشكله المجنون،
وبعقلٍ لم يعد موجودًا،
لوّح آرثر بيده نحو أحدهم.
في تلك اللحظة،
ظن أن السوار قد تحوّل…
لكنه لم يتحوّل.
ومع ذلك—
انطلقت طاقة حادة من يده،
قطعت خمسة رجال دفعة واحدة.
تحوّلت تلك الطاقة
إلى ضربة قاطعة
مزّقت كل ما واجهته.
واستمر آرثر.
جنونٌ خالص.
"وأخيرًا…
أخيرًا أستطيع إخراج نفسي للعالم…
أخيرًا أستطيع القتل كما يشاء قلبي…"
كانت تلك
الفكرة الوحيدة
المتبقية في عقله.
وبعد لحظات…
وقف رجلٌ مغطّى بالدماء،
جسده مليء بالجروح،
ملابسه ممزقة،
يداه تقطران دمًا طازجًا.
وقف فوق جبلٍ
من الرجال والنساء.
كانت السماء ملبّدة بالغيوم،
والقمر بالكاد يشقّ الظلام.
أضاء ضوء القمر جسد آرثر،
فبدا وكأن الذي يقف هناك
ليس إنسانًا…
بل شيطانًا متجسدًا
يقف فوق مجزرة ارتكبها للتو.
هبّت رياح ليلية هادئة،
اصطدمت بوجه ذلك الشاب.
عيناه كانتا حمراوين من الجنون.
لكن—
فوق جبل الجثث—
ابتسم.
ثم رفع قدمه،
وسقط…
كمن يلقي بنفسه من برجٍ عالٍ.
سقط جسده،
وشعر بالهواء يضرب وجهه.
ابتسم.
وحين اقترب من الأرض—
ضغط بقدمه اليمنى عليها.
انفجار مدوٍ.
انطلق بسرعة مرعبة،
كأن الشيطان نفسه
يطارد روحًا هاربة.
في ثانية—
أو اثنتين—
وصل الظل إلى العجوز،
وطعنه.
…الآن…
ابتسم آرثر براحة
حين اخترق قلب العجوز
سقطت العصا من يد العجوز،
وخلال ثوانٍ
عاد الجو إلى طبيعته.
سقط العجوز ميتًا،
والكره ما زال مرتسمًا على وجهه.
ابتسم آرثر بخفة،
ثم سقط أرضًا.
"نعـــم… لقد انتصرت!"
صرخ وسط الجثث التي لا تُعد.
صرخ
كطفلٍ صغير
حقق أول هدفٍ له في حياته.
ابتسم،
وسقطت يداه على الأرض.
بدأ يتنفس بصعوبة…
يتنفس الصعداء.
وفي اللحظة التي ظنّ فيها
أن كل شيء انتهى—
تحرّك شيء ما.
القطعة الناقصة…
من المعادلة.
القطعة التي لم يحسب لها حسابًا.
كانت أمام عينيه طوال الوقت،
لكن لم يرها لسببٍ واحد:
النظام.
فالنظام
طلب من آرثر مساعدة هذه القطعة.
لم يكن آرثر واثقًا من النظام تمامًا،
لكنّه وثق به—
لأنه من ساعده طوال الطريق.
لذلك نفّذ المهام
دون تشكيك.
والآن—
تحركت القطعة المفقودة
منذ بداية القصة.
انحنى شخصٌ ما،
وأمسك بالعصا الساقطة.
ابتسم،
ونظر إلى آرثر بلطف.
"شكرًا لك يا آرثر…
هل تعلم كم كنت حزينًا
عندما اكتشفت أن هؤلاء الأوغاد
يحاولون استدعاء سيدي بأنفسهم؟
أنا من ضحّيت من أجله.
أنا من تقرّبت له.
أنا من ساعدته.
وكاد هؤلاء القردة
أن يستدعوه قبلي…
لكن بفضلك—
منعتهم.
والآن…
أستطيع فعلها.
أستطيع استدعاء سيدي العظيم…
كثولو."
منذ بداية القصة،
كان هذا الرجل مخططًا.
حين ظهر آرثر من العدم
في منتصف الطريق،
كان هو الوحيد الذي لاحظ.
اقترب.
ساعد.
راقب.
ومع مرور الوقت،
أدرك قيمة آرثر…
وأهميته.
خطّط.
ورسم الصورة كاملة.
في نظره—
كان آرثر
القطعة المفقودة
التي ستكمل اللوحة.
لكن في نظر آرثر—
كانت القطعة المفقودة
قد ظهرت الآن فقط.
ابتسم هوارد…
ابتسامة مكر.
نظر إلى آرثر الملطخ بالدماء،
ورفع يديه.
وبدأ
بتلاوة التعويذة.
---