الفصل 46
عودة أرثر (4)
لم يكن هذا زورو.
ما إن لامست يده كتف أرثر حتى بدأت بالذوبان، وتحولت في لحظة إلى شمعٍ سائل غلّفه بسرعة، ممتدًا من كتفيه حتى أطرافه. أُخذ أرثر على حين غرة، فلم تتح له فرصة المقاومة… ولم يُرِد ذلك أصلًا.
كان يستطيع التنفس داخل الشمع، وكان بإمكانه التحرر متى شاء، لكنه فضّل التريث. أراد أن يعرف هوية هذا الوغد الذي تجرأ على حبسه، لذلك ترك جسده ساكنًا، وأغمض عينيه متظاهرًا بفقدان الوعي.
بعد فترة، شعر بالحركة.
كانت نسخة زورو الشمعية تحمله، مغطّى بالكامل من رأسه حتى قدميه. توقفوا أخيرًا في مكانٍ مفتوح داخل الجزيرة، ساحة واسعة خالية، يسودها صمت ثقيل. لم يفتح أرثر عينيه، بل اكتفى بالإنصات.
كانت هناك أصوات ثلاثة…
رجلان وفتاة.
"أوووه؟ هل هذا عضو آخر من طاقم قبعة القش الأغبياء؟"
"هممم… من هو؟ من هو؟ دعني أرى!"
"توقفي أيتها الحمقاء."
ثم جاء صوت مليء بالرضا الذاتي:
"حسنًا… لنضعه في مكانه، على تحفتي الفنية الجميلة."
شعر أرثر بجسده يُرمى جانبًا بقسوة، ثم أحس بالنسخة الشمعية وهي تذوب وتندمج مع رجلٍ يقف أمامه، رجل غبي الملامح، تتوسط رأسه علامة الرقم (3).
فتح أرثر عينيه أخيرًا.
كان محاطًا بالمشهد كاملًا.
ثلاثة أشخاص آخرين مقيدون بالشمع من أيديهم وأرجلهم… وهو الوحيد الذي كان مغلفًا بالكامل من رأسه حتى قدميه.
نظر إليهم واحدًا تلو الآخر.
زورو…
نامي…
فيفي.
'فيفي؟
ألم تكن مع لوفي قبل قليل؟ ماذا حدث؟'
نظر زورو إلى الجسد الشمعي القريب منه، لكنه لم يستطع تمييز ملامحه، فلم يظهر منه أي جزء بشري.
لاحظت نامي نظراته المتحيرة.
"ما الأمر يا زورو؟"
قطّب زورو حاجبيه.
"لا أعلم… لكن هذا الشخص يعطيني شعورًا غريبًا. مألوف… وغير مألوف في الوقت نفسه. ذلك الوغد قال إنه من طاقمنا، لكنه ليس أوسوب… ولا صاحب الحاجبين الحلزونيين."
"إذًا من يكون؟"
كانت فيفي قد تعرفت عليه.
لم تصدق عينيها في البداية، لكن إحساسها لم يخطئ. عرفت أنه أرثر. انفتح فمها لتخبر زورو ونامي، إلا أن حركتها توقفت فجأة.
تحرك الرجل ذو الرقم (3)، وبدأ يشكّل الشمع من جديد، منشغلًا بـ"عمله الفني" كما سماه.
ارتفعت بنية شمعية ضخمة أمامهم، مكوّنة من ثلاث طبقات عريضة وصلبة. وفوق الطبقة الثالثة ارتفع عمود طويل يخترقه رمح شمعي يحمل نصف يقطينة، تعلوها عدة شموع مشتعلة.
مشهد غريب… ومقزز.
تحرك الشمع تحت أقدامهم فجأة، وسُحبوا بقوة نحو الهيكل، ثم ثُبّتوا في الطابق الأول، مغروسة أقدامهم داخل الشمع، بلا أي قدرة على الحركة.
وُضعوا بالترتيب:
نامي… زورو… أرثر… فيفي.
بدأ الشمع يذوب عن جسد أرثر ببطء.
ظهر جسده الحقيقي.
اتسعت عينا زورو ونامي في صدمة صامتة.
صرخت نامي بعدم تصديق:
"أنت… أنت أرثر؟!"
ابتسم لها بهدوء.
"مر وقت طويل يا رفاق. كيف حالكم؟"
ضحك زورو، ضحكة صادقة خرجت من أعماقه. كان يريد أن يسأله عن كل شيء: لماذا رحل؟ لماذا اختفى؟ لماذا لم يقل شيئًا؟
لكن الوقت لم يكن مناسبًا.
كان سعيدًا فقط… بعودة رفيقه.
أما نامي، فانفجرت فيه:
"لماذا تضحك أيها الأحمق؟! أرثر، أخبرني! أين كنت؟ ولماذا تركت الطاقم؟ ولماذا عدت الآن؟ ماذا حصل؟!"
ابتسم أرثر وهو ينظر إليها.
عرف أنها لا تصرخ غضبًا… بل قلقًا.
حزنًا… وخوفًا عليه.
ضحك بهدوء، ثم قال:
"سأخبرك بكل شيء لاحقًا. الآن… هل تفضلون الخروج من هنا؟ أم البقاء حتى نموت ونتحول إلى شمع؟"
انفجر رجل الشمع ورفاقه بالضحك، غير مصدقين هدوءه وثقته، وبدأوا يسخرون منه، وكأن كلماته مجرد هراء فارغ.
لم يكونوا يعلمون…
أنه يستطيع فعل ما قاله حقًا.
قبل أن يتحرك أرثر، دوّى صراخ غاضب من الأسفل.
نظر إلى الأسفل.
كان العملاق السمين ممددًا على الأرض، مثبّتًا بالكامل بالشمع. مسامير شمعية تخترق يديه وقدميه، أطواق تحيط بعنقه وخصره، وأقدامه مغروسة في الأرض، عاجزًا عن الحركة.
لاحظت فيفي تعابير أرثر، فتحدثت بصوت منخفض، مرتجف وغاضب، وأخبرته بما حدث.
كيف خُدع العملاق الطويل…
كيف أُعيق في لحظة غفلة…
وكيف استغل العملاق السمين تلك اللحظة، ووجّه ضربة هائلة شقّت صدر رفيقه من الصدر حتى الخصر.
ثم…
كيف استغل رجل الشمع الانهيار العاطفي للعملاق السمين، وقيده دون مقاومة.
احمرت عينا فيفي بالدموع.
كانت متأكدة…
أن العملاق الطويل قد مات.
تنفس أرثر بعمق.
وشعر بالغضب يغلي في صدره.
"إذا كان هناك نوع واحد أكرهه بكل جسدي وروحي…
نوع واحد من البشر أكرهه أكثر من أي شرير أو مخلوق آخر…
فهو المخادع."
ضحك رجل الشمع ساخرًا.
لكن أرثر…
ابتسم.
ثم انفجر ضاحكًا.
ضحكة عالية، هستيرية، مجنونة.
ضحكة جعلت نامي وفيفي ترتجفان، وأرعبت حتى أعداءه.
"لماذا تضحك أيها الوغد؟! ألا ترى نفسك محبوسًا هنا؟! ستتحول إلى شمع في أي—"
وقبل أن يُكمل تهديده…
توقف أرثر عن الضحك فجأة.
وفي اللحظة التالية، أطلق العنان لهالة الموت والقتل الكامنة في جسده.
اندفعت الهالة المظلمة كطوفان أسود، وغطّت تلك البقعة من الجزيرة بالكامل. كان الشعور خانقًا، كثيفًا، وكأن الهواء نفسه صار مشبعًا بالموت.
استطاع أرثر هذه المرة التحكم بها جزئيًا.
لم يسمح لها بأن تمس رفاقه…
بل صبّ تأثيرها كاملًا على أعدائه فقط.
ارتجف رجل الشمع ورفاقه بعنف، واصطكت أسنانهم من الرعب، فقد شعروا وكأن أرواحهم تُسحق قبل أجسادهم.
ابتسم زورو بهدوء.
بالنسبة له…
كان كل شيء قد انتهى مسبقًا.
رفع أرثر يده اليمنى، فتحوّل سوار ملك الأسلحة بانسيابية إلى سيفٍ أسود، صغير نسبيًا، ينبض بهالة دموية قاتمة.
رفع السيف، ثم ضرب به الشمع من تحته.
لم ينكسر الشمع…
بل ذاب.
ذاب كما لو أنه يُحرق بنار الجحيم السابعة، نار ملتوية لا تشبه أي لهب طبيعي. تآكل الشمع بسرعة، وانسحب من تحت أقدام أرثر ورفاقه، محررًا إياهم في لحظات.
اهتزت أجساد رجل الشمع ورفاقه من المشهد.
دبّ الرعب في قلوبهم.
حاول رجل الشمع الفرار، لكن…
في تلك اللحظة بالذات، اختفى جسد أرثر من أمام أنظار الجميع.
بحثوا عنه بلا جدوى.
رفع زورو رأسه ببطء، ونظر إلى السماء.
كان أرثر يطفو هناك، معلقًا في الهواء بهدوء مرعب، وكأن العالم بأسره بات أدنى منه.
ضغط على سوار ملك الأسلحة، فأعاد السيف إلى هيئته الأصلية، ثم حوّله إلى قوس.
قوس متوسط الحجم، أسود، دموي، بلا أي سهام.
سحب أرثر خيط القوس.
كان القوس فارغًا…
لكن أصابعه الثلاثة التي تشد الخيط تباعدت، وكأنه يمسك بثلاثة سهام غير مرئية.
أعاد يده إلى الخلف، ثبّت وضعه، ثم في لحظة واحدة…
أطلق الخيط.
في اللحظة ذاتها، تشكّلت ثلاث سهام ضوئية شفافة من الفراغ نفسه، وانطلقت بسرعات لا تُصدّق.
السهم الأول اخترق رأس الفتاة، وأنهى حياتها فورًا.
السهم الثاني اخترق قلب الرجل الثاني، وأسقطه بلا صوت.
أما السهم الثالث…
فاخترق معدة رجل الشمع، حطمها من الداخل، وشق طريقه عبر جسده، ممزقًا إياه من الأمام حتى خرج من ظهره.
سقط جسد رجل الشمع مشوهًا، بلا حياة.
ابتسم أرثر وكأنه لم يفعل شيئًا يُذكر، ثم أعاد القوس إلى سوار ملك الأسلحة.
بعدها، وبسرعة، قطف ثلاث فواكه قريبة منه، ورماها نحو جثث الثلاثة.
ومع مرور الوقت…
تحولت الفواكه الطبيعية إلى فواكه شيطان.
من خلال حديث فيفي، عرف أرثر تفاصيل قواهم.
الفتاة كانت تستخدم فاكهة تسمح لها بتغيير وزن جسدها إلى أي وزن تريده، حتى أطنان كاملة.
الثاني امتلك واحدة من أغرب وأغبى الفواكه: يستطيع تحويل مخاطه إلى متفجرات.
أما الثالث…
فكان رجل الشمع، ولا حاجة لتفسير فاكهته، فقد كانت واضحة للجميع.
بينما كان باقي الطاقم منشغلين بإنقاذ العملاق السمين، اكتملت عملية التحول.
أخذ أرثر فواكه الشيطان الثلاث، ووضعها في المخزن.
ركّز بعينيه محاولًا الإحساس بالطاقة المتبقية داخل الأجساد، أراد امتصاصها…
لكن للأسف، لم يستطع.
فخلال فترة انتظار تحوّل الفواكه، كانت طاقتهم قد اختفت من أجسادهم، وتبخرت تمامًا.
لم يكن قادرًا على امتصاص قوتهم أثناء عملية التحول، وربما كان تدخله سيؤثر سلبًا على النتيجة.
تنهد أرثر بضيق، ثم ترك جثث الثلاثة خلفه، وتوجه نحو رفاقه.
تقدمت نامي ووقفت أمامه.
"أرثر… هناك شيء أريد أن أطلبه منك."
نظر إليها بهدوء.
"نامي، سأخبرك بكل شيء في وقت لاحق."
هزّت رأسها.
"ليس هذا. يمكنك نسيانه الآن. الأهم أنك عدت.
لكن ما أريد طلبه… قد يكون صعبًا قليلًا."
ابتسم أرثر بهدوء وهو ينظر إليها، نظرة صادقة خالية من أي تردد.
"اطلبي ما تشائين.
حتى إن لم أستطع فعله، سأحاول بكل قوتي.
أنتِ رفيقتي… ويمكنك طلب أي شيء."
---
You can contact me through my official page on the following Accounts:
telegram:
miraclenarrator
tiktok:
miracle_narrator
instagram:
miracle_narrator