الفصل 6
قسوة العالم
على حافة القرية، كان زورق لوفي الصغير يرسو بهدوء، كأنه يسخر بصمته من الواقع.
وقفت نامي تحدّق فيه بذهول، ثم التفتت إلى لوفي وعلامات الصدمة لا تزال مرتسمة على وجهها.
"هل… هل تخبرني أن هذه هي سفينتك؟"
ابتسم لوفي ابتسامة واسعة، وكأن الأمر لا يستحق كل هذا الاستغراب.
"نعم، الآن هي كذلك. لكن لاحقًا سأحصل على سفينة كبيرة، أضع عليها شعارنا والعلم، ونبحر بها في كل البحار!"
تنهدت نامي بحيرة، ثم أمسكت بذراع لوفي وسحبته قليلًا. وبعد دقائق من السير، وصل الجميع إلى قارب متوسط الحجم، متين وبحالة جيدة.
لو قورن بسفن القراصنة الكبرى لكان مجرد زورق، لكن مقارنة بزورق لوفي الصغير… كان أشبه بسفينة حقيقية.
تحدث لوفي بدهشة واضحة:
"هل هذه سفينتك يا نامي؟"
هزّت نامي رأسها.
"ليست لي، إنها سفينة باغي. كل ما علينا فعله هو إزالة شعاره، ثم نبحر بها إلى أن نحصل على سفينة أفضل."
لم يتردد لوفي. صعد الجميع إلى القارب وبدأوا بالتنظيف. أُزيلت القمامة، وتخلّصوا من كل ما لا فائدة له، ثم أُزيل شعار باغي بالكامل.
وأثناء انشغالهم، توقّف آرثر فجأة.
كان هناك صوت… همهمة خافتة، بالكاد تُسمع، قادمة من أسفل القارب.
تغيّر تعبيره على الفور.
تبع الصوت بخطوات حذرة، حتى وصل إلى الأسفل… وهناك، تجمّد في مكانه.
أمام زنزانة حديدية، كانت تقبع خمس وعشرون امرأة.
صرخ آرثر بصوت قوي:
"لوفي! زورو! تعالوا إلى هنا فورًا!"
بعد لحظات، وصل الجميع.
قالت نامي بلهفة، دون أن ترى ما في الداخل:
"ماذا هناك؟ هل وجدت كنزًا؟"
"إياكِ أن تدخلي إلى هنا يا نامي!"
صرخ آرثر بقوة غير معتادة.
تجمّدت نامي في مكانها، وتراجعت خطوة إلى الخلف، وقد فهمت من نبرته أن الأمر خطير… وخاطئ.
دخل لوفي وزورو.
كان لوفي على وشك الاعتراض على أسلوب آرثر، لكن كلماته ماتت في حلقه فور أن وقعت عيناه على المشهد.
اتسعت عيناه، وغمرهما غضب قاتم.
أما زورو، فاشتد وجهه قسوة، وتحول صمته إلى حقد صريح.
داخل الزنزانة، كانت النساء عاريات، معذبات، مضرّجات بالكدمات.
أعينهن معصوبة، أيديهن مقيّدة، وأجسادهن ترتجف من الألم والجوع والخوف.
تنفّس آرثر بعمق، والغضب يغلي في صدره، ثم تقدّم وفتح باب الزنزانة.
ارتجفت النساء أكثر، ظنًا أن جولة جديدة من العذاب قد بدأت.
اقترب آرثر من إحداهن، فكّ قيود يديها، ثم أزال العصابة عن عينيها.
وتحدث بصوت منخفض، هادئ، دافئ على غير عادته:
"كل شيء انتهى… أنتنّ بأمان الآن. لا داعي للخوف."
نظرت إليه المرأة بعينين غارقتين في الألم، ثم انفجرت بالبكاء.
بكاء ممزّق، اخترق المكان، ووصل صداه إلى نامي في الأعلى.
خلع آرثر قميصه ووضعه على كتفي المرأة، ثم ساعدها على الوقوف برفق.
تحرّك لوفي وزورو، وبدآ بفك القيود عن الأخريات.
قال آرثر بنبرة هادئة:
"نامي، هل يمكنكِ إحضار أي ملابس… أي قماش لتغطية أجسادهن؟"
كانت تلك أول مرة يتحدث فيها آرثر مع نامي بهذا اللطف.
لم تكن تعرف ما يحدث في الأسفل، لكنها أطاعت، وأحضرت الملابس… ثم نزلت.
وما إن رأت المشهد، حتى تجمّدت.
ارتجفت يداها، وسقطت الملابس من بين أصابعها، وكادت تنهار باكية.
لهذا… لم يُرِد آرثر أن تنزل.
تقدّم نحوها، التقط الملابس، وبدأ بتغطية النساء واحدة تلو الأخرى.
قال لوفي بصوت مبحوح:
"نامي… ساعدينا، من فضلك."
ابتلعت نامي دموعها، واستجمعت نفسها، وبدأت بالمساعدة.
بعد دقائق، خرج الجميع من القارب.
كانت النساء يسِرن ببطء، بعضهن بالكاد يقفن، تساعدهن نامي ولوفي وزورو.
عندما لامست أشعة الشمس الخفيفة وجوههن، شعر الجميع بشيء من السكون… من السلام المؤقت.
بدأوا بإنزال النساء من القارب، ثم تحركوا جميعًا نحو القرية.
في منتصف الطريق، توقّف زورو للحظة، نظر إلى القارب، وتنهد بحزن… ثم تابع السير.
في الأسفل، داخل الزنزانة، بقي آرثر وحده.
جلس أرضًا، وأمامه جسد صغير مغطّى بقماش أبيض نقي.
أغمض عينيه لدقائق… ثم فتحهما ببطء.
لم تتحرك.
كانت فتاة في الخامسة عشرة تقريبًا.
ماتت تحت الضرب المتواصل، والتعذيب، وأشياء أخرى لا تُقال.
تنفّس آرثر بعمق، وبدأ يلف جسدها بالقماش بعناية.
نظر إلى وجهها للمرة الأخيرة… شعرها أشقر، عيناها خضراوان، وعلى عنقها أثر حرق قديم.
غطاها بالكامل، حملها بين ذراعيه، وخرج من القارب.
في القرية، عند بيت العمدة، دُقّ الباب بعنف.
'يبدو أن باغي علم أنني ساعدتهم… وجاء ليقتلني.'
كان هذا ما دار في ذهن العمدة العجوز.
فتح الباب، مستعدًا للموت… لكنه صُدم.
أمامه وقف لوفي، وزورو، ونامي، وأربع وعشرون امرأة.
"ما الذي يحدث يا رفاق…؟"
ثم وقعت عيناه على إحدى النساء.
"أنتِ… أنتِ زوجة بوب، أليس كذلك؟!"
تقدّم بخطوات متعثرة، وقد تعرّف عليها.
وسرعان ما أدرك الحقيقة.
هؤلاء النساء… كنّ من القرية، ومن قرى مجاورة.
أدخلهم جميعًا إلى منزله، ثم خرج ينادي الرجال والعائلات.
وتجمّع الجميع.
تعرّف بعض الحاضرين على نساء من أقاربهم، فيما بقيت أخريات غريبات عن هذه القرية.
وسط ذلك المشهد، تقدّمت امرأة جميلة الملامح، لكنها شاحبة، منهكة، يغلف الألم عينيها وجسدها المرتجف.
قالت بصوت مكسور وهي تنظر إلى لوفي وزورو ونامي:
"هل… هل رأيتم ابنتي؟ فتاة صغيرة، شعرها أشقر، عيناها خضراوان، وعلى رقبتها أثر حرق قديم…"
ساد الصمت.
لم يجبها أحد.
انحنت الرؤوس ببطء، وكأن الكلمات ثقلت حتى عجزت عن الخروج.
وفي تلك اللحظة، فُتح الباب.
دخل آرثر، وكان يحمل بين ذراعيه جسد فتاة صغيرة.
تقدّم بخطوات ثابتة، حتى وقف أمام المرأة، ثم أنزل الجسد برفق أمامها، وانحنى ببطء.
قال بصوت خافت، مثقل:
"أنا آسف… لو وصلنا أسرع، لما حدث هذا."
لم يقلها لأنه يتحمّل الذنب حقًا.
فهو قرصان، وإنقاذ الأبرياء أو تحرير الأسرى ليس واجبًا مفروضًا عليه.
لكن في أعماقه، كان يعلم…
لو وصل قبل ذلك بقليل، لو قضى على باغي أسرع، ربما… فقط ربما، كانت هذه الفتاة ستنجو.
لكن القدر…
شيء لا يمكن التنبؤ به، ولا تغييره.
ما إن أنهى كلماته، حتى انهالت عليه الصفعات.
كانت المرأة تبكي وتضربه بيديها الواهنتين، تضرب وتصرخ، والدموع تختلط بالألم.
جسدها كان ضعيفًا، بالكاد تقف.
أما آرثر، فبقي ثابتًا، كالصخر القاسي أمام قبضتيها المرتجفتين.
بدأ الدم يسيل من يدي الأم.
لم يتحرك آرثر، لم يتراجع، لم يرفع يده.
تحمّل كل شيء بصمت.
ركضت نامي بسرعة، أمسكت بالأم واحتضنتها بقوة.
انفجرت المرأة بالبكاء، بكاء أمٍ فقدت ابنتها.
انحنى آرثر مرة أخرى، ثم استدار وخرج من المنزل.
خرج خلفه لوفي وزورو.
توقف آرثر خارجًا، رفع رأسه إلى السماء الهادئة، ثم أطلق زفيرًا حادًا مليئًا بالألم.
"تبًا… أينما أذهب أرى هذا… تبًا."
قالها وهو يخفض رأسه.
ثم أضاف بصوت أكثر هدوءًا:
"لوفي، زورو… سأكمل تنظيف السفينة. أنهوا أموركم هنا، ثم ننطلق."
تحرك نحو السفينة.
أراد لوفي اللحاق به، لكن زورو أوقفه ووضع يده على كتفه.
نظر لوفي إليه، لكن زورو أغمض عينيه دون أن ينطق.
كان يفهم…
ليس كل الألم، لكن جزءًا كافيًا ليعلم أن الكلمات الآن لن تغيّر شيئًا.
بعد أقل من ساعة، عاد آرثر وهو يحمل حقيبة متوسطة الحجم.
وضعها داخل بيت العمدة، وألصق عليها ملاحظة، ثم غادر بصمت.
مرت ساعات قليلة.
حلّ الليل.
كان آرثر جالسًا على جانب السفينة الان فهو انهى تنظيف السفينة بالفعل
كان ينظر إلى البحر المظلم الممتد أمامه.
سمع خطوات خلفه، فوقف.
كانوا لوفي وزورو ونامي.
صعد الجميع إلى السفينة.
كان الإرهاق واضحًا عليهم…
ليس إرهاق الجسد، بل ثقل النفس.
تقدّم آرثر نحو نامي.
كانت متعبة، متألمة، غير مستعدة لأي حديث، لكن ما حدث هزّها من الداخل.
انحنى آرثر أمامها.
"لا أعلم سبب حبك للمال أو جمعك للكنوز…
لكنني أعتذر لأني أخذت جزءًا صغيرًا من كنزك وأعطيته للعمدة.
أتمنى أن تتفهمي."
تنهدت نامي بضيق، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة يملؤها شيء من الأمل.
"حسنًا… ما فعلته كان صحيحًا.
أشكرك على صراحتك يا آرثر، وأشكرك لأنك فعلت الصواب."
ابتسم آرثر، ثم أحضر أربع زجاجات شراب.
أعطى لكل واحد زجاجة، ثم عاد إلى مكانه.
أخذت نامي زجاجتها ودخلت إحدى الغرف، وأغلقت الباب.
أخذ لوفي زجاجته، ارتشف رشفة واحدة، ثم أفرغ باقيها في البحر.
توجه إلى المقدمة وأمر بالانطلاق.
تحرك آرثر وزورو فورًا.
رُفعت المرساة، شُدّ الشراع، وضرب الهواء القماش، فبدأت السفينة تتحرك ببطء.
شعرت نامي بالحركة، خرجت، نظرت إلى السماء، ثم أعطت بعض الأوامر.
ابتسم آرثر وزورو واتبعوا توجيهات الملاح.
بعد أقل من ساعة، وصلت السفينة إلى موقع قرب جزيرة غير مأهولة.
ألقى آرثر المرساة في البحر.
كانت نامي نائمة منذ وقت.
ولوفي نام هو الآخر.
بقي آرثر وزورو مستيقظين.
جلس كلٌ منهما ممسكًا بزجاجته، يحدقان في البحر الصامت.
رفع آرثر قنينته نحو السماء.
رفع زورو قنينته أيضًا.
ابتسم آرثر، اصطدمت القنينتان برفق.
ثم شربا بهدوء…
تحت ضوء قمرٍ خافت،
وفوق مياهٍ مظلمةٍ ساكنة.
العالم قاسٍ…
لكن في بعض زواياه، لا يزال هناك من يرفض الاستسلام له.
---
You can contact me through my official page on the following Accounts:
telegram:
miraclenarrator
tiktok:
miracle_narrator
instagram:
miracle_narrator