كان الظلام هو سيد المكان. الغرفة التي وُلد فيها هذا اليأس لم تكن أكثر من قبو رطب، جدرانه متآكلة ونوافذه مسدودة بألواح خشبية قديمة. الهواء كان ثقيلاً، مشبعًا برائحة العفن والخسارة. كل شيء في هذا المكان يصرخ بالبؤس، وكأن الجدران نفسها تحتضر، تتآكل ببطء تحت وطأة الحزن الذي تراكم هنا على مدى سنوات طويلة.

جلس "رين" في زاوية مظلمة من القبو، مقيدًا بالسلاسل التي التفت حول رسغيه وكاحليه كأفاعٍ سامة. عيناه، اللتان كانتا تلمعان بالحياة ذات يوم، أصبحتا الآن بركتين من الظلام الساكن. لا مشاعر، لا أحلام، لا أمل. كل شيء سُحب منه بوحشية، ولم يتبق سوى الفراغ.

كان الصمت يطغى على المكان، إلا من صوت تنفسه العميق والمتقطع، وكأنه يواجه صراعًا داخليًا للبقاء على قيد الحياة. مرت لحظات طويلة قبل أن يقطع هذا السكون صوت خطوات، خطوات واثقة ومدروسة، تتردد أصداؤها في القبو. رفع رين رأسه ببطء، وظهرت ابتسامة متهكمة على شفتيه الشاحبتين.

"أخيرًا، قررت أن تنزل من عليائك، يا سيد النبلاء؟" صوته خرج أجوفًا، وكأنه صادر من روح مكسورة لا من جسد بشري.

وقف الرجل الذي ظهر أمامه، طويل القامة، أنيق المظهر، يرتدي درعًا فاخرًا يزينه شعار عائلته النبيلة. كانت عيناه الباردتان تحدقان في رين، تعكسان خليطًا من الاحتقار والشفقة.

"رين، يا رين..." تحدث النبيل بصوت هادئ، لكنه حمل في طياته تهديدًا غير معلن. "ألم تتعلم الدرس بعد؟ لقد انتهت حياتك القديمة. لم يعد هناك أي مكان لك في هذا العالم."

"هكذا تقول، يا سيد *فالنور*. لكنني لم أمت بعد، أليس كذلك؟" رد رين بابتسامة ملتوية، وعيناه تضيقان كعيني ذئب محاصر.

اقترب فالنور بخطوات بطيئة، حتى أصبح على بعد بوصات قليلة من رين. مد يده، وأمسك بشعره الطويل المتشابك، ثم جذب رأسه إلى الأعلى بقسوة. التقت عيناهما، وتلاقت فيهما نظرتان متناقضتان؛ الأولى تحمل القوة والهيمنة، والأخرى تحمل الغضب والازدراء.

"أنت مجرد حشرة نجت بالصدفة، لا أكثر. لقد قضينا على عائلتك، أحرقنا قريتك، وسحقنا كل شيء كان يربطك بهذا العالم. حتى اسمك، حتى وجودك هنا، هو مجرد شفقة مني." قال فالنور بنبرة لا تخلو من السخرية. "لكنني سأعطيك فرصة أخيرة. قل لي أين أخفيتم سحر الأوتار، وسأجعلك تموت سريعًا. ألم يكن هذا وعدك لي؟"

رن صوت فالنور في أذن رين، كأنه نصل يمر على جرح قديم. الذكريات اندفعت إلى عقله كالسيل، اللحظات الأخيرة من حياته السابقة، صرخات أهله وهم يُسحقون تحت وطأة جيش فالنور، الدماء التي غطت الأرض كبحر لا نهاية له. كل ذلك كان محفورًا في ذاكرته كوشم لا يمحى.

"سحر الأوتار؟" سأل رين بنبرة ساخرة، كأنما يسخر من جهله. "حتى لو كنت أعرف، لن أعطيك أي شيء. أنت تعرف ذلك جيدًا، أليس كذلك؟"

شد فالنور قبضته على شعر رين أكثر، حتى شعر بألم مبرح ينتشر في رأسه. لكن رين لم يصرخ. بل اكتفى بالضحك، ضحكة مجنونة كأنها قادمة من أعماق الجحيم ذاته.

"ما الذي يضحكك؟" قال فالنور، وظهرت على وجهه علامات الاستياء.

"أضحك لأنك تظن أنني سأكسر. أضحك لأنك تظن أنني سأخاف." ارتسمت ابتسامة باردة على وجه رين. "أضحك لأنك... جبان."

تغيرت تعابير فالنور في لحظة. تحول الغضب الذي كان في عينيه إلى كراهية نارية. ترك شعر رين، ثم استدار، وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه.

"سحقًا لك، يا ابن الحثالة..." همس فالنور، ثم ضرب رين بقدمه في صدره، مما جعل جسده يرتطم بالجدار بقوة. الألم اجتاح رين، لكنه لم يُصدر صوتًا. كل ما فعله هو مواصلة الابتسام، تلك الابتسامة التي دفعت فالنور إلى الجنون.

"ستبقى هنا، في هذا القبو، إلى أن تدرك مدى بؤسك. وستصلي لكي تأتيك الموت سريعًا. لكن لا تقلق... سأجعل هذا المكان جحيمك الخاص." قال فالنور ببرود، ثم استدار ليغادر.

لكن قبل أن يصل إلى الباب، سمع صوتًا، صوتًا لم يكن يتوقعه أبدًا.

"انتظر..." همس رين بصوت بالكاد يُسمع.

توقف فالنور، والتفت ببطء.

"ماذا؟ هل قررت أخيرًا أن تنطق بشيء مفيد؟"

رفع رين رأسه ببطء، ونظر إلى فالنور بنظرة لم يرها الأخير من قبل. كانت نظرة تحمل شيئًا خطيرًا، شيئًا مظلمًا وعميقًا، وكأن عيناه أصبحتا نافذتين إلى جحيم لا نهاية له.

"عندما أخرج من هنا... سأقتلك. سأقتل عائلتك. سأدمر كل شيء تحبه. سأجعل هذا العالم يتوسل إليّ لأوقفه، وسأرفض."

سكت رين لحظة، ثم أكمل بصوت منخفض، وكأنما يتحدث إلى نفسه.

"لأنني... سأصبح الأقوى. سأصبح أقوى من أي كائن في هذا العالم."

ارتجف فالنور للحظة. لكنه تمالك نفسه بسرعة، وابتسم بسخرية.

"حسنًا، سأنتظر ذلك اليوم، يا رين. سأنتظر لأرى كيف ستفعلها، وأنت عالق هنا، في هذا القبو، إلى الأبد."

ثم خرج من القبو، وأغلق الباب خلفه بقوة.

عندما سمع رين صوت المزلاج يُغلق، تنفّس بعمق. حدّق في الظلام الذي أحاط به، وكأنما يرى فيه شيئًا لم يره من قبل. ارتفعت أنفاسه ببطء، وتحولت ابتسامته إلى ضحكة مكتومة، ثم انفجرت ضحكته في المكان كصدى مجنون.

"إلى الأبد؟" همس لنفسه. "لا، يا فالنور... أنت من سيعلق هنا إلى الأبد."

ثم أغلق عينيه، وبدأ يركز. شيء ما كان يتحرك في الظلام من حوله، شيء يشعر به في أعماق كيانه. كانت الأوتار، تلك القوى التي تحدث عنها فالنور. كانت هناك، لكن لم يستطع رؤيتها بوضوح بعد.

لكن رين لم يكن بحاجة إلى رؤية. كان بحاجة إلى الشعور.

مدّ يده المقيدة بالسلاسل، وكأنما يحاول الإمساك بشيء في الهواء. شعر بتيار خفيف من الطاقة يسري في أطراف أصابعه، وكأن نغمات خافتة تتردد في أعماقه.

"هذا هو..." همس. "هذا هو مفتاح الهروب... هذا هو سلاحي."

بدأ الظلام من حوله يتحرك ببطء، كما لو كان يستجيب لندائه. خطوط رفيعة من الطاقة تشكلت في الهواء، خيوط شفافة تكاد تكون غير مرئية، تتراقص حوله كأشباح ضائعة.

ركز رين على تلك الخيوط، وبدأ يتنفس ببطء. كل شهيق كان يسحب معه المزيد من الطاقة، وكل زفير كان يترك أثرًا من القوة في الهواء.

شعر بشيء يتغير في داخله. كان أشبه بانفجار صغير، وعي جديد يفتح في روحه. رأى الخيوط بوضوح أكبر الآن، ورأى كيف تتشابك، كيف تتراقص حوله. رأى كيف يمكنه أن يمدّ يده، ويمسك بها.

وفي لحظة خاطفة، مدّ يده إلى الأمام، وأمسك بأحد الخيوط.

شعر بتيار هائل من القوة يندفع عبر جسده، أشبه بصاعقة تضيء كيانًا مظلمًا منذ الأزل. كان الأمر أشبه بفتح بوابة إلى بُعد آخر، حيث كانت الأوتار، تلك الخطوط الخفية التي تربط العالم، تنتظر من يجرؤ على لمسها. للحظة، شعر رين وكأنه يغرق، وكأن روحه تتشظى تحت وطأة هذه القوة الهائلة. لكن مع كل هذا الألم، كانت هناك لذة غريبة، شعور مهيب بالسيطرة، بالإمكانية، وبالقدرة على كسر القيود التي كانت تثقل كاهله.

"أوتار العالم..." همس بصوت مبحوح، أنفاسه تتسارع مع كل ثانية تمر. "يمكنني... يمكنني رؤيتها."

كانت الخيوط تتلألأ حوله، بعضها يشع بألوان زاهية، والآخر مظلم كليلة قاتمة. كان هناك تناغم ما بينها، وكأنها تعزف مقطوعة خفية لا يمكن لأحد سماعها، إلا من تمكن من الوصول إلى هذا المستوى العميق من الإدراك. رأى في عقله كيف أن كل وتر يعبر عن جانب معين من الحياة، القوة، المشاعر، الفوضى، وحتى الزمن ذاته.

لكن وسط كل هذه الأوتار، كان هناك وتر واحد لامع، يشع بضوء أزرق داكن. هذا الوتر لم يكن ساكنًا كالبقية، بل كان يتلوى، يتحرك بحرية، وكأن له إرادة مستقلة.

"وتر الفوضى..." نطقها رين ببطء، وعيناه تتسعان بدهشة، وكأنما اكتشف للتو سرًا عظيمًا. كان الوتر يهمس له، يدعوه ليقترب أكثر، ليمدّ يده ويمسك به.

لكن رين تردد للحظة. كانت هناك قصص تُروى عن وتر الفوضى، عن أنه لا يُستخدم إلا من قبل من يسيرون على حافة الجنون. من يجرؤ على لمس هذا الوتر قد يكتسب قوة لا مثيل لها، أو قد يتلاشى كرماد في مهب الريح.

"الفوضى هي أصل كل شيء..." تذكر رين تلك العبارة التي سمعها من سيد الظلال ذات يوم. "هي النسيج الذي تتولد منه كل الأشياء، وهي النهاية التي يعود إليها كل شيء."

وبدون أن يفكر، مدّ يده إلى الوتر. في اللحظة التي لمس فيها ذلك اللمعان الأزرق الداكن، انفجرت القوة بداخله كبركان هائج. جسده ارتجف بشدة، وتكورت عضلاته تحت وطأة هذه الطاقة الجديدة. صرخ، صرخة مدوية، كأن روحه تُمزق إلى أشلاء.

لكن وسط كل هذا الألم، شعر بشيء آخر. شعور بالعظمة، بالحرية المطلقة. رأى كيف أن الأوتار الأخرى بدأت تتجمع حوله، تنجذب إلى وتر الفوضى وكأنها تُجبر على ذلك.

"هكذا إذًا..." همس رين، وقد بدأ الألم يتلاشى تدريجيًا. "يمكنني... يمكنني التحكم بها."

أخذ نفسًا عميقًا، ثم رفع يده، وأشار بإصبعه نحو أحد الأوتار الأخرى. كان وترًا باهتًا، يمثل القوة الجسدية. عادةً، يتطلب استخدام الأوتار التدريب المكثف والتركيز، لكن الآن... الآن شعر وكأنه يستطيع تغيير ذلك الوتر بكلمة واحدة.

"إنحنِ." قال بصوت ثابت.

وفي لحظة، تغير الوتر. أصبح أكثر سطوعًا، أكثر صلابة. شعر رين بقوة جديدة تملأ عضلاته، وكأن جسده اكتسب صلابة الحديد.

"أستطيع أن أشعر بها..." تمتم، ثم ابتسم ابتسامة خطيرة. "هذا مجرد البداية."

***

كانت الأبواب الحديدية التي تغلق القبو قديمة وصامدة، صُنعت لتحجز أقوى الأسرى وأشدهم خطورة. لكن رين لم يعد ذلك الأسير العادي. نهض ببطء، جسده يتوهج بلمعة غريبة، وكأن هناك طاقة جديدة تنبعث منه. سحب القيود الحديدية التي كانت تلف معصميه، وابتسم بسخرية عندما شعر بأنها تتكسر تحت أصابعه بسهولة.

"لن يستطيعوا تقييدي بعد الآن."

تقدم نحو الباب، ثم رفع يده اليمنى، وأمسك بالقفل الحديدي. كانت الأوتار تتراقص أمامه، تنتظر أمره. بتركيز شديد، استدعى أحد الأوتار، وترًا صغيرًا متشابكًا مع الفوضى. شعر بالهواء حوله يثقل، والظلال تلتف حول أصابعه كأنها تعويذة سحرية.

ثم بلمسة واحدة، تشقق القفل، وتحطم إلى شظايا.

فتح رين الباب، ونظر إلى الممر الطويل الممتد أمامه. كان المكان هادئًا، لا أصوات تُسمع، سوى صوت أنفاسه المتسارعة. تقدم ببطء، كل خطوة كانت تثقل الهواء من حوله، وكأن الظلام نفسه يتراقص فرحًا بخروجه.

وصل إلى نهاية الممر، حيث وقف حارس ضخم، جسده ممتلئ بالعضلات، وعيناه تراقبان المكان بحدة. عندما رأى الحارس رين، ضيق عينيه، ثم أمسك بسيفه الكبير، مستعدًا للقتال.

"توقف! كيف خرجت من زنزانتك؟" صرخ الحارس، ثم رفع سيفه عالياً، مهددًا بقطع رين إلى نصفين.

لكن رين لم يتوقف. رفع يده اليسرى ببطء، واستدعى وترًا آخر، وترًا يمثل الخوف. أمسك بالوتر، وشدّه، وكأنه يعزف على آلة موسيقية شيطانية.

في اللحظة التالية، شعر الحارس بشيء غريب، شيء جعل قلبه يخفق بسرعة. بدأت عيناه تتسعان، وقطرات العرق تتصبب على جبينه. تراجع خطوة إلى الخلف، وكأنما يرى وحشًا هائلًا يقف أمامه، رغم أن رين لم يتحرك خطوة واحدة.

"ما... ما هذا؟" همس الحارس، ويداه ترتجفان.

"هذا..." قال رين بهدوء، وعيناه تلمعان بجنون. "هو مجرد جزء صغير من الجحيم الذي سأجلبه لهذا العالم."

ثم تحرك بسرعة، أسرع مما توقع الحارس. في لحظة، كان يقف أمامه، قبضته تمسك برقبة الحارس، وأصابعه تضغط بشدة.

لم يستطع الحارس التحرك، عيناه اتسعتا من الرعب، وجسده تجمد بالكامل. كانت الأوتار تتلاعب بعقله، تزرع فيه الخوف واليأس.

"أرجوك... لا..." تمتم الحارس، محاولاً التوسل.

لكن رين لم يتوقف. شدّ قبضته أكثر، وشعر بالعظام تحت أصابعه تتكسر ببطء. صرخ الحارس صرخة مدوية، ثم سقط جسده بلا حياة.

وقف رين فوق الجثة، أنفاسه بطيئة وثابتة. نظر إلى يديه، ثم إلى الظلام من حوله.

"هذا... هذا ما كنت أبحث عنه. القوة... السيطرة."

ثم رفع رأسه، وكأنما يوجه كلامه إلى العالم بأسره.

"استعدوا... لأنني قادم. كل من خانني، كل من أدار ظهره لي... سأجعلهم يدفعون الثمن."

ثم استدار، وتقدم نحو المخرج، خطواته تحمل في طياتها بداية لعاصفة لا تهدأ. عاصفة من الظلام، ستبتلع كل شيء في طريقها.

2024/09/30 · 61 مشاهدة · 1730 كلمة
نادي الروايات - 2026